كلما تذكرتُ الماضي… لا يعود إليّ كحكايةٍ عابرة، بل كطيفٍ يسكن التفاصيل الصغيرة؛ في نبرة صوتٍ تشبه صوتًا غاب في مكانٍ مررتُ به يومًا ولم أعد كما كنت، في لحظةٍ ظننتها عادية فإذا بها تُشكّلني دون أن أشعر. كلما تذكرتُ الماضي، أدركتُ كم كنّا أبرياء ونحن نمنح قلوبنا بلا حساب، وكم كنا نظن أن الأشياء تدوم كما هي، دون أن تمسّها يد التغيير.
كلما تذكرتُه، ابتسم أحيانًا… لا لأن كل ما فيه كان جميلًا، بل لأنني نجوت منه، لأنني عبرت تلك المراحل بكل ما حملته من خيباتٍ وصبر، من فرحٍ عابر وحزنٍ عميق. هناك تفاصيل لا تُنسى، لا لأنها عظيمة، بل لأنها صدقت معنا، لأننا عشناها بكل ما فينا دون تحفظ، دون خوفٍ من النهاية.
الماضي لا يعود ، لكنه لا يرحل تمامًا… يظل ساكنًا فينا يُعلّمنا كيف نُميّز، كيف نختار، وكيف لا نُكرّر ذات الأخطاء بذات القلب. علّمني أن بعض الوجوه كانت دروسًا، وبعض الغياب كان ضرورة، وأن النضج لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسرّب إلينا من خلال كل تجربة ظننا يومًا أنها كسرتنا.
وكلما تذكرتُ الماضي … لا أحزن كما كنت بل أنظر إليه بعينٍ أكثر هدوءًا، كأنني أرى نسخةً قديمةً مني وأبتسم لها بمحبة. فقد كنتُ أجهل كثيرًا وأُحسن الظن كثيرًا، وأتألم كثيرًا… لكنني كنتُ حقيقيًا، وهذا يكفي.
اليوم، لا أحنّ لكل ما مضى، لكنني أقدّر كل ما كان… لأنه أوصلني إلى هنا، إلى هذه النسخة التي تعلّمت أن تمضي بخفة، وأن تحتفظ فقط بما يستحق البقاء، وتترك ما عدا ذلك يمضي بسلام."

