- إنضم
- 22 أبريل 2016
- المشاركات
- 129,691
- مستوى التفاعل
- 2,638
- النقاط
- 1
يعد تاريخ القهوة من التواريخ الشيقة والجميلة ، لما له من صلة بعاداتنا وتقاليدنا العريقة كون القهوة وطريقة شربها والحكايات التي تدور حولها ، جعلت منها شرابا يعبر بجدارة لائحة الاطعمة والاشربة الى قائمة القيم والعادات والتقاليد لدينا ، فصار في تقديمها قواعد ثابتة وكذلك في طريقة شربها اصول متفق عليها ، ولمجالسها اداب متبعة ومبادىء اجتماعية يمكن اعتبارها ملحقة بها.
فكم من رجل(دخيل) في موروثنا الشعبي دخل الى ديوان شيخ عشيرة تحت جنح الظلام ليشرب فنجان قهوة ، فيتحول بهذا الفنجان من رجل طريد الى رجل بحماية ذلك الشيخ ،لا لشيء سوى أنه شرب قهوته ، وكم من ضيف امتنع عن شرب القهوة ليحصل على غايته ، ولايكون امام المضيف الا ان يقول له: اشرب قهوتك وستصلك حاجتك.
وهكذا اتخذت القهوة في موروثنا الشعبي مكانة رفيعه ، فصار فنجان واحد منها يكفي لحل مشكلة مستعصية، او يقف حائلا امام هدر دم رجل، فتحولت مع الايام الى شراب الكرماء ومادة الحلماء ،ومن هنا يكتسب تاريخ القهوة اهميته كونه يرصد نواحي اعتبارية و يقف عند قيم اجتماعية غفل الكثير عن ذكرها او الالتفات اليها.
معنى القهوة
القهوة في اللغة من (قهي )وهو سد شهية الطعام ، وفعلا القهوة عند تناولها تمنع الشهية عن الطعام، بالاضافة الى صفاتها الاخرى مثل قابليتها على طرد النعاس ، لذا صنفت على انها من المنبهات .ومن هذا الاشتقاق اشتق اسم المقهى ، وهو مكان مخصص للعامة تباع فيه القهوة ، قبل مئات السنين في العراق ، اذ لم يكن الشاي معروفا وقتئذ ، فالقهوة معروفة لدى العراقيين منذ مئات السنين بينما الشاي لايتجاوز عمر دخوله مجتمعنا القرن من الزمان بحدود سنة 1604م اي قبل اكثر من اربعة قرون من يومنا هذا، كانت القهوة معروفة في العراق، بل ومنتشرة على نطاق واسع، ففي هذه السنة مر الرحالة البرتغالي تاكسيرا بالعراق ودخل بغداد ،واعجب بأشياء كثيرة منها السمك النهري العراقي ،واشار في مذكراته الى شرب القهوة فى العراق قال : (اما القهوة فكانت ساخنة جدا وداكنة ) وعبارته هذه تشير الى ان القهوة في ذلك العهد كانت تحمس الى ان يتحول لونها الى البني الداكن ، كما ذكر في هذا الرحالة مقاهي بغداد ، وان فيها غلمانا رشيقين يرتدون ملابس فاخرة ، يقدمون القهوة للزبائن ، ولاحظ ان اكثر المقاهي كانت قريبة من نهر دجلة ، وعرفنا اسم واحدة منها وهى مقهى حسن باشا.
ووردتنا اول اشارة عن القهوة فى كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي البغدادي، اي قبل ثمانية قرون من يومنا هذا ، ذكر فيه ابيات من الشعر للمرقش الصغير يقول فيها:
وما قهوة صهباء ،كالمسك ريحها
تعل على الناجود طورا وتقدح
وفي سنة 1139هـ الموافق سنة 1726م وصل الشيخ مصطفى الدمشقي الى العراق وبدأ بزيارة المراقد والائمة عليهم السلام في العراق، وعندما وصل الى كربلاء التقى بالسيد نصر الله بن السيد حسين الحائري الملقب بـ (الصفي) ودار بينهما حوارا ذكره في رحلته المسماة (الرحلة العراقية) والذي قمنا بتحقيقها ونشرها ، قال فيها :وأوقفني على رسالة له سماها (نفحة النشوة من روضة القهوة )، جعلها فى وصف القهوتين السوداء البنية والبيضاء السكرية، وقد اكثر فيها من ايراد نظمه وابياته.
ومن هذا النص المهم ما يشير الى ان اهل العراق قبل ثلاثة قرون كانوا يشربون القهوة على نوعين او صنفين : الصنف الاول القهوة المحمسة السوداء التي تميل الى اللون البني وهي المستخدمة لدينا حتى الان ، وصنف آخر البيضاء السكرية وهي التي تعمل مباشرة من البن دون تحميس ، وتسمى اليوم (الشكرة) وشاع استخدامها في الخليج، وقوله سكرية لربما فيه دلالة الى ان هذا الصنف كان يضاف اليه السكر .