أمي رحلت … وتركتِ فراغًا لا يشبه أي غياب، فراغًا يشبه الصمت حين ينطفئ صوت الدعاء في آخر الليل، ويشبه البيت حين يفقد روحه دون أن يفقد جدرانه. منذ رحيلك، لم تعد الأشياء كما كانت؛ القهوة بلا دفء، والصباح بلا ملامح، وحتى ضحكتي أصبحت تتعثر وكأنها تبحث عنك بين تفاصيلها. كنتِ أنتِ التوازن الذي لا نشعر به إلا حين يختل، والطمأنينة التي كانت تسكنني دون أن أدرك قيمتها. الآن فقط أفهم كيف كانت يدك تمسح عن قلبي تعب الأيام، وكيف كان صوتك يعيد ترتيب فوضاي بهدوء عجيب. تركتِ في قلبي مساحة لا يملؤها أحد، لكنها ليست فارغة تمامًا… بل ممتلئة بكِ، بذكرياتك، بضحكاتك، وبكل تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت عالمي. أشتاق لكِ بطريقة لا تُقال، أشتاق لكِ في كل مرة أحتاج فيها حضنًا لا يخذل، وكلمة لا تُؤذي، ونظرة تفهمني دون أن أشرح. ورغم هذا الألم، أعلم أنكِ ما زلتِ تسكنينني… في دعائي، في صبري، في تلك القوة التي أستمدها كلما شعرت أنني على وشك الانكسار. أمي، غيابكِ لم يكن نهاية الحكاية… بل بداية شوقٍ لا ينتهي.
على نبرة الحنين التي غنّت بها فيروز في أغنية أمي يا ملاكي، تتسلّل صورتكِ إلى قلبي كضوءٍ خافتٍ لا ينطفئ. أمي… يا ملاكي، يا حبي الباقي إلى الأبد ، مازلتُ أراكِ في تفاصيل يومي الصغيرة؛ في فنجان قهوةٍ أعدّه بصمت ، في دعاءٍ يتعثّر باسمي ثم يستقيم باسمكِ ، وفي لحظات الضعف حين أبحث عنكِ فلا أجد سوى دفءٍ تركتِه يسكنني ..
لم يكن غيابكِ فراغًا فقط ، بل صار حضورًا مختلفًا … حضورًا يُربّت على كتفي من الداخل، ويهمس لي أن أكون قوية كما أردتِ لي دائمًا. كلما اشتدّ بي الحنين ، أغمض عينيّ وأسمعكِ بين الكلمات: “أنا هنا”… فأهدأ، كأن قلبكِ ما زال يعلّمني كيف أعيش دون أن أفقدكِ. أمي، يا ملاكي… إن كان الزمن يأخذ، فأنتِ الشيء الوحيد الذي لا يأخذه، لأنكِ ببساطة صرتِ أنا … وصرتُ بكِ أستمر.
.
.
أمي…
وإن طال الغياب، يبقى حضوركِ أصدق من كل شيء.
أحاول أن أتعلم الحياة بدونك، لكنني في كل مرة أكتشف أنني أعيش بكِ… بما زرعتِه في داخلي من صبر، وبما تركتِه في روحي من نور.
أتعثر أحيانًا، أبكي كثيرًا، وأشتاق أكثر مما أحتمل… لكنني كلما انكسرت، وجدتكِ في داخلي تُرمّمينني بصمت، كأنكِ لم ترحلي أبدًا.
لم أعد أبحث عنكِ في الأماكن، بل في نفسي… في تلك القوة التي تظهر فجأة حين أضعف، في الطمأنينة التي تزورني دون سبب، وفي قلبي الذي ما زال يعرف طريقه إليكِ رغم كل هذا البعد.
سأظل أحبكِ… ليس لأنكِ كنتِ هنا،
بل لأنكِ ما زلتِ… بطريقة لا يراها أحد ويشعر بها قلبي فقط.

التعديل الأخير:
