أداة تخصيص استايل المنتدى
إعادة التخصيصات التي تمت بهذا الستايل

- الاعلانات تختفي تماما عند تسجيلك
- عضــو و لديـك مشكلـة فـي الدخول ؟ يــرجى تسجيل عضويه جديده و مراسلـة المديــر
او كتابــة مــوضـــوع فــي قســم الشكـاوي او مـراسلــة صفحتنـا على الفيس بــوك

قصة الحروب الصليبية

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

- ولْنَعُدْ إلى موقفنا المعقَّد في العراق !

إن الأمور لم تهدأ بطبيعة الحال ؛ لقد ترك السلطان سنجر إبن أخيه السلطان طغرل في كرسي السلطنة وعاد إلى خراسان ، ولا شكَّ أن هذا أضعف موقفه ، وأطمع المتنافسين فيه ! وكان السلطان طغرل يتَّخذ من همذان مقرًّا له ، فقام الملك داود بن محمود ومعه أتابكه والمتصرِّف في شئونه آقسنقر الأحمديلي بالثورة على السلطان طغرل ، وجمعا الجيوش ، وحدث تصادم بين القوَّتين في رمضان سنة 526هـ بالقرب من همذان ، وإنتهى الأمر بهزيمة الملك داود ، وإستقرار الأمر من جديد للسلطان طغرل .

ولكنَّ الأمر لم يقف عند هذا الحدِّ ، فقد رحل الملك داود إلى بغداد ، وإلتقى بالخليفة المسترشد بالله الذي أكرم وفادته ، وإستقبله إستقبالاً كبيرًا ، وأنزله بدار السلطان ، وإن لم يخلع عليه لقب السلطنة ؛ فهو الآن ضعيف مهزوم !

سمع بهذه الأحداث الملك مسعود ، وكان يرى أنه أحقُّ الناس بالسلطنة ؛ لأنه أكبر الإخوة ، وعلى الأقلِّ فهو أحقُّ من السلطان الحالي طغرل أخيه الأصغر ، فذهب مسرعًا إلى بغداد ، وإلتقى بالخليفة المسترشد وبالملك داود ، وإتفق معهما على أن يخلع الخليفةُ عليه لقب السلطان على أن يكون داود بن محمود وليَّ عهد له ، وبذلك ينفذ المخطط القديم الذي كان بين الخليفة المسترشد بالله والملك مسعود مع إختلاف ولاية العهد ، فإنها ستكون لداود بدلاً من الملك سلجوقشاه !

وجمع الملك مسعود والملك داود جيوشهما ، وتصادما مع جيش الملك طغرل في أكثر من موضع في بلاد فارس ، وإنتصر الملك مسعود ، وبالتالي أخذ لقب السلطنة ، وكان هذا في أواخر سنة 527هـ ، حيث أخذت الأحداث المؤسفة السابقة عامًا كاملاً .

وفي ظلِّ هذه الأزمات المتتالية كان إسماعيل بن بوري حاكم دمشق الفاسد يرقب الأحداث ، ومن ثَمَّ باغت مدينة حماة التي كانت تتبع عماد الدين زنكي ، فحاصرها حصارًا شديدًا ، وإنتهى الأمر بإسقاطها لصالحه ، وكانت خسارة كبيرة جدًّا للإمارة الزنكية الناشئة ؛ لأن حماة مركز مهمٌّ للإنطلاق نحو دمشق ، كما أنها مركز مهمٌّ أيضًا لحرب إمارة طرابلس ، لكن على فداحة هذه الحادثة إلاَّ أنها كانت متوقَّعة ؛ نتيجة الخلل الأمني الخطير من جرَّاء صراعات السلاطين والملوك السلاجقة !

ومع ذلك فالأمير المحنَّك عماد الدين زنكي لم يكفّ عن إرسال السرايا لحرب الصليبيين ؛ وذلك ليمنعهم من الطمع في بلاد المسلمين نتيجة الفتن المتتالية بالعراق ، وكان القائم بهذه الحملات العسكريَّة في المعظم هو سوار أمير حلب ؛ ومن ذلك مهاجمته لمدينة تلِّ باشر التابعة لإمارة الرها في جمادى الآخرة سنة 527هـ ، وإنتصاره على الصليبيين مع قتل ألف منهم ، هذا غير الغنائم الكثيرة التي ظفر بها ، وفوق ذلك فقد جنَّد سوار عدَّة فرق من التركمان من أرض الجزيرة ، وإستغلَّهم في الهجوم على إمارتي أنطاكية وطرابلس ، وحقَّق عدَّة إنتصارات هنا وهناك ، وقتلوا عددًا كبيرًا من الصليبيين ، وغنموا غنائم أخرى .

ولم يكن الهدف من هذه المعارك هو تحرير هذه الإمارات ؛ لأن القوَّة الإسلاميَّة لم تكن كافية لذلك ، ولكن كان الهدف الرئيسي هو قطع طمع الصليبيين في حلب وما حولها ، وذلك إلى أن تنتهي فتنة العراق ، ويتفرغ عماد الدين زنكي لمشروعه الجهاديِّ من جديد .. ومن هذا المنظور فقد نجحت هذه الحملات نجاحًا كبيرًا ، وإن لم تفلح في تحرير قلعة أو مدينة !

ثم نعود إلى قصتنا في العراق وفارس !

نحن الآن في سنة 528هـ وكرسي السلطنة مع الملك مسعود ، لكن هذا - ولا شكَّ - لن يُرضِي السلطان المخلوع طغرل ، الذي ما زال يتلقَّى معونات السلطان سنجر من بعيد ! , ولهذا فقد جمع السلطان طغرل قوَّته من هنا وهناك ، وأغرى الملك داود بن محمد بالإنفصال عن السلطان مسعود ، وحدث ذلك بالفعل ، بل وإستقطب بعض الفرق من جيش السلطان مسعود بنفسه ، ودارت معارك في أرض فارس بين الأخوين طغرل ومسعود ، وإنتهى الأمر بإنتصار السلطان طغرل من جديد على أخيه السلطان مسعود ، وبذلك عاد كرسي السلطنة مرَّة أخرى إلى السلطان طغرل !

لقد دخل المسلمون في تِيهِ الصراعات والفتن ، فأصبح أمرًا عاديًّا أن يتقاتل الإخوة ، وتتصارع الجيوش الإسلاميَّة مع بعضها البعض ، وأصبح أيضًا أمرًا مألوفًا أن ينتقل كرسي السلطنة من واحد إلى آخر كل عدَّة أشهر ، وكأنه منصبٌ عادي بسيط لا يؤثِّر في مسيرة أُمَّة كاملة !

ولا شكَّ أنه في ظلِّ هذه الظروف سيطمع كل مَن كان في قلبه مرض ، وكان أشدّ الناس معاناة في هذا الموضوع هو عماد الدين زنكي رحمه الله ؛ فقد تعب كثيرًا من أجل توحيد المسلمين في كيان واحد يصلح لجهاد الصليبيين ، ثم ها هو يرى بعينيه أن الكيان ينهار أمامه ، وأن السلاطين المسلمين يتصارعون معًا بدلاً من توحيد القوة في إتجاه صحيح ، بل ويستقطب كل واحد منهم طائفة من المسلمين فيستعديها على الأخرى ؛ ومن هنا ظهرت القلاقل في كل مكان ، وبدأت الأحوال تضطرب في داخل الإمارة الزنكيَّة الواسعة ، وشعر الناس أن عماد الدين زنكي مضطر للإنتظار حتى يرى نتيجة صراع السلاطين ، وكان عماد الدين زنكي نفسه متحرِّجًا من المشاركة في هذه الصراعات ، فنجده قابعًا بجيشه في الموصل منتظرًا لإستقرار الأحداث ، غير أنها كانت لا تستقرُّ !

في هذه الظروف قامت عدَّة إنقلابات في مناطق الأكراد الحميدية والهكارية في شمال وشمال شرق الموصل ، وكانت هذه المناطق - كما بيَّنَّا قبل ذلك - قد خضعت لحكم عماد الدين زنكي ، ولكنهم في ظلِّ هذه الإضطرابات طمعوا في الإنفصال عن الإمارة الزنكيَّة ، بل وبدءوا في الإغارة على حقول الفلاَّحين وأسواق التجَّار ؛ مما أحدث فزعًا كبيرًا في الموصل ، ولكن عماد الدين زنكي تعامل مع الموضوع بمنتهى الحزم ، فأخذ فرقة من جيشه ، وإتجه إليهم بنفسه ، وبعد عدَّة صدامات في جبالهم الوعرة إستطاع بفضل الله أن يقمعهم ، ويُسيطر على متمرِّديهم ، ويمتلك عدَّة قلاع وحصون لهم في أعالي جبالهم ، وما هي إلاَّ عدَّة أشهر حتى عاد الأمن من جديد ، وإستقرَّت الأوضاع .

ثم ما لبثت المشاكل أن ظهرت في منطقة جديدة هي منطقة الجزيرة وأراضي ديار بكر ؛ حيث وجد الزعماء هناك أن الأوضاع المستقبلة في العراق - التي شغلت عماد الدين زنكي بشكل كبير - ما هي إلاَّ فرصة لهم ليعيدوا السيطرة على ما ضمَّه عماد الدين زنكي قبل ذلك إلى إمارته ..

وإذا نظرنا إلى وضع هذه المناطق فإننا - كما ذكرنا من قبلُ - سنجد أن فيها قياداتٍ كثيرةً وزعامات متعددة ، لكن كل هذه الزعامات لا وزن لها ، اللهم إلا ثلاثة يمثِّلون أكبر قوَّة في هذه المناطق ، وهؤلاء هم الثلاثة الذين إشتركوا قبل ذلك في سنة 524هـ ، أي منذ أربع سنوات ، في حربٍ ضدَّ عماد الدين زنكي ، وهي موقعة دارا .

1- حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي ، وهو أمير ماردين .

2- ركن الدولة داود بن سقمان (إبن عم الأول) ، وهو أمير حصن كيفا .

3- سعد الدولة أبو منصور إيكلدي ، صاحب آمد .

وجد عماد الدين زنكي رحمه الله أن تجمُّع هؤلاء من جديد سيمثِّل عائقًا كبيرًا لمشروع الوَحدة ، خاصَّة في الظروف التي يمرُّ بها الآن ؛ حيث الأوضاع المضطربة في العراق وفارس ، وحيث الإنقلابات المتكرِّرة في مناطق الأكراد ، وحيث الهجمات الصليبية المتوقَّعة في منطقة حلب وما حولها ، ومن ثَمَّ فإنه لا بُدَّ من التعامل مع هذه المشاكل الجديدة بشيءٍ من الحسم وسرعة القرار .

وجد عماد الدين زنكي أن قتال هؤلاء الزعماء مجتمعين سوف يؤدِّي إلى خسائر كبيرة ، ومن ثَمَّ قرَّر أن يسلك الطريق السياسي لتفتيت إتحادهم ، وإستقطاب بعضهم ؛ لتنتهي المشكلة بأقلِّ خسائر ممكنة ..

وعند النظر إلى شخصيات وإمكانيات هؤلاء الزعماء ، فإنه وجد أن ركن الدولة داود شديد التصلُّب ويتَّصف بالعِنْد ، أما سعد الدولة أبو منصور إيكلدي فهو ضعيف ، وإمكانياته محدودة ، ويبقى حسام الدين تمرتاش فهو صاحب قوَّة كبيرة ، وإن كان هو شخصيًّا يتميَّز بالمرونة السياسيَّة ، كما أنه - كما وصف إبن الأثير - يحبُّ الدِّعَةَ والرفاهية ! وعلى ذلك ففرصة التوحُّد مع حسام الدين تمرتاش وإغراؤه بفكِّ التحالف مع هؤلاء الضعفاء ، وجعل تحالفه مع عماد الدين زنكي شخصيًّا قد تكون فكرة صائبة .. ومن هنا بدأ عماد الدين زنكي رحمه الله يتقرب من حسام الدين تمرتاش ، فأوقف التحرُّكات العسكريَّة ناحية بلاده ، وأرسل له بعض الهدايا ، مع تذكيره بأهمية الوَحْدة بين المسلمين ، وإغرائه بإتساع ملكه في حال التوحُّد معه .

ووجد هذا الأمر قبولاً سريعًا عند حسام الدين تمرتاش ، ووجد في صداقة عماد الدين زنكي أكبر النفع عن صداقته مع ركن الدولة داود أو سعد الدولة إيكلدي ، فتجاوب مع تقرُّب عماد الدين زنكي ، ثم ما لبث الأمر أن وصل إلى تحالفٍ سياسي معلن ، وتوحيد القوَّتين في كيان واحد ، وبدأ عماد الدين زنكي وحليفه حسام الدين تمرتاش في بسط السيطرة على المناطق المحيطة ، وجُوبهوا - بلا شكٍّ - بمقاومة من الزعيمين الآخرين ، إلاَّ أنهماإ نتصرا في أول الصدامات ، وتمَّ الإستيلاء على قلعة من أهمِّ قلاع ركن الدولة داود ، وهي قلعة الصَّوْر قرب ماردين ، وأهداها عماد الدين زنكي إلى حليفه الجديد حسام الدين تمرتاش ؛ تأكيدًا على الحلف الذي بينهما .

هكذا إستطاع عماد الدين زنكي بسياسته أن يوظِّف حسام الدين تمرتاش لصالحه ، وأن لا يكتفي فقط بضمِّ أراضٍ جديدة لإمارته ، بل ويرسِّخ الأمن فيها دون أن يعرِّض قوَّاته لخطر كبير .

ونترك إقليم الجزيرة وديار بكر ، ونترك الإمارة كلها لنرحل رحلة سريعة في عقل بطلنا عماد الدين زنكي !

إن الأحداث الجارية في الأُمَّة الآن تكشف طبيعة الرجال ومعادنهم ، كما تكشف قوَّتهم وإمكانياتهم .. فما هي الرؤية الصائبة في هذه الأحداث ؟ وما هو ردُّ الفعل المناسب الذي من المفترض أن يتعامل به عماد الدين مع الأحداث ؟.

إنه إعتاد - كما كان يفعل أبوه من قبل - أن يكون ولاؤه لسلطان السلاجقة ؛ لأنه هو الأقوى ، وهو الذي يتحكم فعليًّا في الأمور ، وهو الذي يتحمَّس لقضايا المسلمين ويتحرَّك إليها .. إنه اعتاد على ذلك منذ زمنٍ ، لكن شتَّان بين سلاطين الأمس وسلاطين اليوم ! أين الثَّرى من الثُّريَّا ؟!

أين مجموعة السلاطين المتصارعة الآن من ألب أرسلان أو ملكشاه أو بركياروق أو محمد ؟ حتى السلطان محمود - على صغر سنِّه - كانت له رؤيةٌ ، وكانت له طموحات جيدة للأُمَّة الإسلامية ، كما أنه كانت له قوَّة يستطيع بها أن يتغلب على منافسيه ، ومن ثَمَّ تستقرُّ أوضاع البلاد ، وتتفرغ إلى همومها الخارجيَّة ، وعلى رأسها قضية الصليبيين .

أما هؤلاء السلاطين الأقزام فعلامَ يتقاتلون ؟!

هل يستطيع أحدٌ أن يقول : إن هذا القتال لله ؟! بل هل يستطيع أحد أن يجزم أن الحقَّ في الصراع مع هذا الطرف دون غيره؟! ... إن المعاصرين للحدث أنفسهم كانوا لا يستطيعون أن يجزموا أن فلانًا على حقٍّ ، وغيره على باطل ! ولذلك ترى الزعماء والأمراء والجنود والشعوب كثيرًا ما تنقلب من طاعة سلطان إلى طاعة غيره ، وليس ذلك لضعف في الأخلاق أو المبادئ ، ولكن لضعفٍ في الرؤية والتحليل .

ثم إن كل السلاطين ضعفاء ! أو على الأقلِّ قوَّتهم متكافئة ؛ فيصعد سلطان على الكرسيِّ عدَّة أشهر ، وأحيانًا عدَّة أيام ، ثم يخلعه غيره ! ويُنادى بالسلطنة لفلان في بلد ، ويُنادى بها لغيره في بلد مجاور ، ويقف الخليفة اليوم مع سلطان، ويقف غدًا مع سلطان ثانٍ، وقد يقف بعد غدٍ مع سلطان ثالث !

إنها فتنة تترك الحليم حيرانَ !

لقد شهدت السنوات الثلاث التي أعقبت موت السلطان محمود ولاية داود ، ثم مسعود ، ثم طغرل ، ثم مسعود ، ثم الآن طغرل ! ولا يعلم أحد كيف يكون الغد ؟!

أهذا أمر يُعقل؟! ثم إن الخليفة الطموح المسترشد بالله صار طرفًا في الصراع ، وله جيش مؤثِّر ، وإن لم يكن كبيرًا جدًّا ، بحيث يفرض على الجميع كلمته ، لكنه أصبح من عناصر التأثير المحسوبة في المعادلة ، فهل سيأتي زمنٌ يحمل فيه الخليفة مهامَّ الخلافة كما يحمل إسمها ؟!

إنه سؤال صعب في وسط هذه المتغيِّرات الكثيرة ! ولنتجوَّل في عقل بطلنا عماد الدين زنكي !

مع أيِّ هذه القوى ينضمُّ ؟ وأيُّ هذه القوى يناصر ؟ وأي القوى أعظم ؟! .. لقد كان يقف مع الملك مسعود في البداية ؛ لأنه الأخ الأكبر من الإخوة المتصارعين ، ويبدو أنه كان أقرب إلى السلطنة .. أما الآن فقد كشفت الصراعات أن الجميع ضعيف ، وأن الجميع من طلاَّب الدنيا ، وإن حَسُنت أخلاقهم ، ورقَّت طبائعهم .. فهل يُكمِل المسيرة مع السلطان مسعود ؟ أم يُوَجِّه عونه إلى سلطان آخر ؟ أم يقف مع الخليفة ؟!

إن الأمر جِدُّ محيِّر !! بل محيِّر جدًّا .

أتدرون وجه الحيرة في المسألة ؟! إن الحيرة ليست فقط في الإختيار بين المتنازعين ، ولكن الحيرة في شيء أعظم ! لقد أثبتت الأيام أن عماد الدين زنكي أقوى من الجميع !!
إنه أقوى من كل سلاطين هذه الأيام ، وكذلك أقوى من الخليفة العباسي !! إنه ليس فقط أقوى أخلاقيًّا أو عقائديًّا ، لكنه أقوى كذلك ماديًّا وعسكريًّا ، وهو أقوى أيضًا في فَهْمه وعقله ورؤيته , إنه الوحيد الذي جعل من قضية الصليبيين قضية حياته ، والوحيد الذي حمل على أكتافه مهمة توحيد المسلمين ، والوحيد الذي كان يستشير الفقهاء والعلماء فيما يفعل وفيما يختار .

ثم إنه أقوى كذلك في حبِّ الناس له ؛ إنَّ قلوب المسلمين في كل مكان تهفو إليه ، ويتناقل الجميع أخباره بشغفٍ وحب ولهفة ، ولا يختلف عليه إثنان من عموم الشعوب ، لكن مَن مِن الناس يتعلق بأحد هؤلاء السلاطين ؟! إن وجود طغرل لا يفرق كثيرًا عن مسعود ! وسلجوقشاه لا يختلف كثيرًا عن داود ! ولو ظهرت شخصية رابعة أو خامسة أو عاشرة فلن يفرق هذا كثيرًا مع الناس !

إن هذا هو الواقع الحقيقي ، فلماذا لا يُصبِح عماد الدين زنكي هو القوة الأولى في العالم الإسلامي ، ويصبح قائمًا بما يجب أن يقوم به السلطان ؟!

إنه سؤال جريء !ولكنه سؤال واقعي ! إن الإجابة المحزنة قد تكون : إنه ليس سلجوقيًّا ! فكيف يقوم مقامه ؟!

وهل لا بد للسلطان أن يكون سلجوقيًّا ؟! وهل لا بد للخليفة أن يكون عباسيًّا ؟! وهل لا بد للحكم أن يكون توارثيًّا ؟!

إنها أسئلة جريئة ، لكن الإجابة عليها ستكشف لنا أخطاء كثيرة وقعت فيها الأمة في كثير من فترات حياتها .. إنني لا أمانع أن يتولى الإبن بعد الأب حكم البلاد ، إن كان الإبن كملكشاه الذي تولى الحكم بعد أبيه ألب أرسلان .

إن هذا توارث غير مخلٍّ بقواعد الشريعة ، ولا آداب الحكم وأصوله .. إن الحاكم المسلم لا بد أن تتوافر فيه صفات كثيرة من العلم والقوة وحسن الخلق وتوقير الشريعة والكفاءة في الإدارة وحسن السياسة ، وغير ذلك من صفات لا بد أن يتحلى بها الحاكم ، فإن توافرت هذه الصفات في الإبن أو الأخ فلا مانع من أن يتولى بعد أبيه أو أخيه .. أما أن يتولى حكم المسلمين فقط لأن مؤهلاته هي القرابة من الحاكم ، فهذا لا يجوز شرعًا ولا عقلاً !

لقد كانت فترة السلاجقة فترةً مهمَّة في حياة الأمة الإسلامية ، وذلك أيام طغرل بك مؤسِّس الدولة ثم ألب أرسلان وملكشاه وغيرهم من السلاطين الأقوياء ، لقد كانت فترة مهمة رفعوا فيها راية الإسلام عالية ، لكن إذا ضعف أمرهم فلا بد أن يحمل الراية آخرون ، ولا يُضحَّى أبدًا بالأمة في سبيل أشخاص ، والله يقول : ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) .

وكما ذهب المُلْك من يد أقوامٍ إلى السلاجقة ، فلا بد أن يأتي يوم ويذهب المُلْك من يد السلاجقة إلى غيرهم .. ويبدو أن هذا "الغير" في هذه الأيام سيكون عماد الدين زنكي !
إن رصيد عماد الدين زنكي من الجهاد والخبرة والمواهب والكفاءة يرشِّحه لهذا المنصب الرفيع دون منافس حقيقي في زمانه ، وإلا فمَن مِن الأسماء المتصارعة يدانيه في ملكاته ؟ خاصةً أنهم جميعًا من صغار السن قليلي الخبرة ؛ فالسلطان مسعود - وهو أكبرهم - لم يتجاوز في سنة 528هـ السادسة والعشرين من عمره ، بينما يبلغ عماد الدين زنكي من العمر الآن الحادية والخمسين من العمر ! إنه رجلٌ عركته التجارب ، ودرَّبته الخطوب والأحداث ، وشهد القريب والبعيد ببراعته ، وعرف الجميع قوته ، ولو ملك أمر المسلمين فإنهم جميعًا سيسعدون به ، ويكونون طوع كلمته .

لكن ماذا يفعل عماد الدين زنكي الآن ؟! هل يُعلِن الثورة وينفصل بإمارته عن الجميع ؟
أم يقف بقوته مع أحد الضعفاء فيصبح هذا الضعيف قويًّا به ؟

إن إعلانه الثورة قد يفتح نيران السلاجقة أجمعين ؛ لأنه ليس سلجوقيًّا ، وبذلك تدخل البلاد في تِيهِ الصراعات .. وكذلك وقوفه بجوار أحد الضعفاء سيقوِّي مركزه على حساب غيره ، وسيصعد هذا الضعيف على كرسيٍّ لا يناسبه ، وإلى مقام لا ينبغي أن يصل إليه ، وفي هذا خداع للناس ، وخيانة للأمانة .

كما أن قضية الصليبيين ستُنسى تمامًا في خضم هذه المعارك الداخلية المقيتة !

ماذا يفعل عماد الدين زنكي ؟!

إنه يريد أن يُغلِق هذا الملف تمامًا ليتفرغ إلى قضية الصليبييين ، وليعيد البسمة إلى شفاه المسلمين المعذَّبين ، والمجروحين في كرامتهم ، والمطرودين من ديارهم وأرضهم .

فأين الطريق في هذه المتاهات المخيفة ؟!

لقد فكَّر عماد الدين زنكي كثيرًا ثم أخذ قراره ! لقد قرر أن يعيش قصته "وكأنه" منفصلٌ عن السلطنة والخلافة ، لكنه لن يُعلِن الإنفصال لكي لا يثير الغضب ، ويحرِّك الفتن .

إنه سوف يضع هؤلاء الضعفاء جميعًا خلف ظهره ، حتى لو إستقر الأمر لأحدهم ، فهم سيأخذونه إلى الدنيا التي يريدونها إذا سار خلفهم ، أما هو فسيقود الأمة إلى عزِّها ومجدها ، وقبل ذلك وبعده إلى رضاء ربِّها .

إن في عنقه أمانة ثقيلة ، ولا يريد أن يضيِّع وقته في جدال طويل ، أو في صراع عقيم .. إنه لن يُعلِن الآن أنه الزعيم الأول الذي يجب أن يُتبع ، وقد لا يعلن ذلك مطلقًا ، ولكنه سيعمل بعمل الرجل الأول ، وفي نفس الوقت فهو سيتلطَّف قدر ما يستطيع مع أشباه الزعماء الذين يعاصرونه ؛ ليتجنَّب أذاهم ، أو عرقلتهم لمشروعه الكبير !

إنه سيجعل ساحة عمله في المنطقة التي حددها السلطان الراحل محمود في منشوره لعماد الدين زنكي ، وهي مناطق الموصل والجزيرة والشام ، ولن يلتفت إلى مناطق الصراعات السلجوقية والعباسية ، وهي مناطق بغداد ووسط العراق وفارس وغيرها ، وخاصةً أن وَحْدة الموصل والجزيرة والشام قادرة بإذن الله على فعل شيء ذي قيمة مع الصليبيين ، ومن أدرانا ؟! فلعل هذا الجهد من عماد الدين زنكي يستكمله غيره فيوسِّع دوائر الوحدة ، ويعزُّ الأمة أكثر وأكثر ، ولقد كان مُلْك طغرل بك أو ألب أرسلان صغيرًا جدًّا بالقياس إلى مُلْك الإبن ملكشاه ، ولكن هكذا دومًا الأمور ، تنمو بتدرج !!

ثم في النهاية ، إنَّ عماد الدين زنكي يعمل لله كما تدل على ذلك الشواهد الكثيرة التي ذكرناها قبل ذلك وهذا الذي يعمل لله لن يضيِّعه الله ، ولو لم ير ثمار عمله ؛ فإن الله يحفظ له أجرها يوم القيامة ، وهذا منتهى آمال المؤمنين .

لقد كانت هذه هي الأفكار التي جالت في ذهن البطل عماد الدين زنكي ، وهذه هي الرؤية التي بَصُرها بعد جَهْدٍ عميق ، وبعد فتنة إستمرت حتى الآن ثلاث سنوات ، ولا يعلم أحد إلا الله متى ستنتهي .

وعلى ذلك فقد بدأ عماد الدين زنكي في سياسته الجديدة فورًا ، وهي سياسة تلطيف العَلاقات دون وعد صريح بالوقوف إلى جانب طرف دون طرف .

وبدأ عماد الدين زنكي بالخليفة المسترشد بالله ، خاصةً أنه كان هناك صدام مع هذا الخليفة منذ سنتين يوم أنْ كان عماد الدين زنكي مناصرًا للملك مسعود ؛ وأرسل عماد الدين زنكي الهدايا للخليفة ، بل وأرسل إبنه الأكبر سيف الدين غازي ليؤكِّد طاعته للخليفة وولاءَه له وتقديره لمكانته ، فإطمأنت بذلك نفس الخليفة ، وتبادل مع عماد الدين زنكي الهدايا .

وفي مطلع سنة 529هـ ، وبينما عماد الدين زنكي رحمه الله يرتِّب أوراقه ليرى كيفية التعامل مع الوضع الجديد للسلاطين ؛ حيث كان طغرل على كرسيِّ السلطنة منذ عدة أشهر ، وصل نبأ عجيب ! لقد تُوفِّي طغرل فجأةً في المحرم من هذه السنة وهو في السادسة والعشرين من عمره ! وهكذا تحرَّك الملك مسعود بسرعة ، وجمع الأعوان ، وإعتلى كرسي السلطنة !

لقد خلا الجو لمسعود ليكون السلطان الجديد ، خاصةً أن داود بن محمود قد ضعفت قوته جدًّا بعد قتل أتابكه (مربِّيه) آقسنقر الأحمديلي ، ويقال أنَّ الذي قتله هو مسعود عن طريق الباطنيَّة .. كما أن السلطان سنجر قد شعر بعدم إمكانية الخوض في صراع فارس والعراق بعد موت مرشَّحه للسلطنة الملك طغرل ، أما سلجوقشاه فكانت قوَّته أضعف من الجميع .

وهكذا وصل السلطان مسعود إلى الحكم لا لكونه مستحقًّا ، ولكن لخلوِّ الساحة من الآخرين ، وكان من الواضح أن الدولة السلجوقيَّة في نزعها الأخير !

في نفس هذا الوقت وصلت إلى عماد الدين زنكي إستغاثة عجيبة من دمشق ! لقد أرسل زعيمها الفاسد شمس الملوك إسماعيل بن بوري إستغاثة إلى عماد الدين زنكي يطلب منه أن يأتي ويتسلَّم مدينة دمشق ! وأصل الحكاية أن شمس الملوك إسماعيل أظهر من الفساد ما لا يُتوقع ، حتى إنَّه قتل أخاه سونج بالجوع ! حيث حبسه في بيتٍ وتركه عدَّة أيام حتى مات من الجوع . ثم إنه بدأ يُصادر أموال الناس ، وينهب أملاكهم ، حتى إنه لم يكن يتردد عن نهب الحقير من الأشياء ، وكان لا يمتنع عن سرقة أموال الفقراء ، فضجَّ الناس كلهم أجمعون ، وإعترض عليه بعض الأعوان فقتلهم ، ثم أظهر عدم التردُّد في قتل كل معارض ؛ مما أحدث إضطرابًا عنيفًا في دمشق ، وحتى وصل الأمر إلى أن شمس الملوك إسماعيل صار يخاف على نفسه تمامًا ، وتوقع إنتقامًا قريبًا من الناس ، وبدأ يخشى حتى من أشدِّ مقربيه ، وشعر أنه سيُقتل بين لحظة وأخرى ؛ وهذا دفعه إلى الإستغاثة بعماد الدين زنكي الرجل الأول في العالم الإسلامي آنذاك ، وعرض عليه أن يتسلم المدينة في نظير حمايته، بل إنه هدَّد من شدة خوفه أنه إن لم يأت مسرعًا فإنه سوف يسلِّم المدينة إلى الصليبيين !

وجد عماد الدين زنكي أن هذه فرصة ثمينة لضمِّ دمشق إلى مملكته ، وتوجه فورًا من الموصل إلى مدينة دمشق ، غير أنه في طريقه إليها وجد فرصة سانحة لضم مدينة الرَّقَّة إلى كيانه الموحَّد .. ومدينة الرقة هي مدينة من مدن إقليم الجزيرة ، وهي قريبة من حرَّان ، وتقع شرق الفرات ، وأفلح فعلاً في ضم المدينة ، ولكن هذا عطَّله قليلاً ، فوصل إلى دمشق متأخرًا نسبيًّا ، فوجد أن شمس الملوك إسماعيل قد قُتل ، وقد جاءته مؤامرة القتل من حيث لا يحتسب ! حيث إن الذي دبَّرت محاولة قتله هي : أمُّه !! وهذا من أعجب الأمور في التاريخ حيث تسعى أمٌّ إلى التآمر لقتل إبنها الملك ؛ وذلك لأنه من شدة فساده كان يدبِّر لقتل أمِّه ، فسارعت هي بقتله ! فلما قُتِل شمس الملوك تولى من بعده أخوه شهاب الدين محمود بن بوري ، وإتفق أهل دمشق على طاعته .

حاصر عماد الدين زنكي دمشق محاولاً ضمها ، لكنها إستعصت عليه ، وأصرت على عدم الانضمام لوَحْدة المسلمين ، وتحصن أهلها في الحصون المختلفة ، وتولى الدفاع عن دمشق شخصية عسكرية خطيرة سيكون لها شأن في تاريخ دمشق ، وهو معين الدين أَنُر ، وهو من مماليك طغتكين أمير دمشق الراحل ، وكان معين الدين أنر رجلاً عسكريًّا فذًّا ، غير أنه كان نفعيًّا إلى أكبر درجة ، ولم يكن يمانع من إستخدام أي وسيلة لتثبيت قدمه في منصبه ، وسوف يصل الأمر معه إلى التعاون المباشر مع الصليبيين .

في هذه الأثناء حدثت تطورات ساخنة في العراق حيث راودت الخليفة المسترشد بالله الأحلام في الإستقلال عن الدولة السلجوقية ، خاصةً بعد أن أغراه الملك داود بن محمود بالإتحاد معه لحرب عمِّه السلطان مسعود ؛ فجهَّز الخليفة جيوشه وبدأ يستعد لحرب مباشرة مع السلطان الجديد مسعود !

وعلى الساحة الشاميَّة وجد عماد الدين زنكي أن فرصة إسقاط دمشق ضعيفة جدًّا ، وأنه في ظل الأوضاع المتقلبة التي تعاني منها الأمة الإسلامية لن يستطيع أن يمكث طويلاً أمام أسوار دمشق .. ثم إنه وجد أن حماة الآن قد خلت من الحاميات القوية نظرًا لسحب معظم الطاقة العسكرية التي كانت بها إلى دمشق لمواجهة الأوضاع الجديدة هناك ، وكان قد مرَّ بنا أن شمس الملوك إسماعيل ضم حماة إلى دمشق في أثناء الصراعات الدائرة في العراق ، وذلك منذ ثلاث سنوات ومن هنا فإن عماد الدين زنكي إستغل الفرصة ، وترك دمشق الحصينة ، وتوجه إلى مدينة حماة ، وإستطاع أن يعيد امتلاكها ، وتوجه منها إلى حمص ، وحاصرها كذلك ، إلا أن حمص الحصينة قاومت بقيادة قريش بن خيرخان ، وبالتالي تعذَّر عليه ضم هذه المدينة المهمَّة ، فعاد منها إلى حلب .

في غضون هذه الأحداث وصلت الأخبار بالصدام المؤسف بين الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود في العاشر من رمضان سنة (529هـ) يونيو 1135م ، وكان النصر حليفًا للسلطان مسعود ، وتم أسر الخليفة المسترشد بالله ، ولم يُقتل في هذه المعركة أي إنسان ! وتم التحفُّظ على الخليفة في همذان ، وهي المقر الرئيسي للسلطان مسعود .

كانت نتيجة مؤسفة جدًّا للخليفة العباسي ، وإضطر الخليفة إلى قبول الصلح المذل مع السلطان مسعود ؛ إذ كان الصلح يقضي بأن يدفع الخليفة مبلغ أربعمائة ألف دينار للسلطان مسعود ، وأن لا يعود لتجميع العساكر أبدًا ، وأن لا يخرج من داره ، فضلاً عن إقرار السلطان مسعود في كرسيِّ السلطنة !

قَبِل الخليفة الوضع الجديد ، وبينما هو يتأهب للرحيل والعودة إلى بغداد حدث أمرٌ أشد أسفًا من كل ما سبق ؛ إذ دخل عليه أربعة وعشرون رجلاً من الباطنيَّة في خيمته وقطَّعوه إربًا !! وكان ذلك في السابع عشر من ذي القعدة من سنة 529هـ .

ترامت الأنباء أن السلطان مسعود هو الذي حضَّ على قتل الخليفة ؛ لأنه لم يكن يأمن له حتى بعد إقراره ببنود الصلح القاسية ، ومع ذلك فقد بويع لإبنه أبي جعفر المنصور الملقَّب بالراشد بالله ، لكن كان من الواضح أن المنطقة أصبحت على مِرْجَلٍ يغلي بعنفٍ ، خاصةً أن السلطان مسعود لم يكتف بذلك ، بل توجَّه لحرب إبن أخيه داود بن محمود ، الذي كان قد تحالف مع المسترشد بالله ضدَّه !

كان عماد الدين زنكي في أثناء هذه الكوارث مشغولاً بما هو أهم وأعظم ، فقد توجه إلى حلب وذلك بعد ضم حماة ، وفشله في ضم حمص ، وهناك بدأ يخطِّط للهجوم على أنطاكية مستغلاًّ حالة الإضطراب العسكري هناك ، خاصةً وهو يعلم أنها الآن تحت الحكم المباشر للأميرة المتهورة أليس ! ولكي يضمن عماد الدين زنكي رحمه الله أن لا تصل نجدة إلى إمارة أنطاكية من إمارة الرها القريبة ، أرسل أمير حلب سوار ليهاجم مدن تلِّ باشر وعَيْنتاب وعَزاز ، وبذلك قطع طرق الإتصال بين الرها وأنطاكية ، وشعل جيوش الرها بنفسها ، فلا تصبح لها فرصة في التوجُّه إلى أنطاكية .

بعد هذا التخطيط بدأ عماد الدين زنكي رحمه الله في مهاجمة الحصون والقلاع الواقعة في أطراف إمارة أنطاكية ، وكذلك المدن الإسلامية المحتلة في هذه المنطقة ، وبعد عدة معارك متتالية إستطاع بطلنا أن يحرر كفرطاب ومعرَّة النعمان وزردنا ، فكانت هذه الإنتصارات بمنزلة البَلْسم على الجروح الإسلاميَّة الكثيرة في هذه الفترة !

أثارت هذه الانتصارات المتكررة إنتباه الجميع ، سواء من الصليبيين أو من المسلمين !
فعلى الصعيد الصليبي ألقت هذه الإنتصارات الرعب في قلب أليس أميرة أنطاكية ، فلجأت إلى رعونة جديدة ! فلقد أرسلت الأميرة أليس إلى إمبراطور الدولة البيزنطية تعرض عليه زواج إبنتها كونستانس من إبن الإمبراطور يوحنا ألكسيوس كومنين ، وبالتالي الإشراف المباشر من الدولة البيزنطية الأرثوذكسية على أنطاكية الكاثوليكية !

وكانت خطوة هزت الصليبيين من الأعماق ، فهم يحاولون دفع الدولة البيزنطية عن أنطاكية منذ ما يقرب من أربعين سنة ، ثم في لحظة واحدة ستُضيِّع هذه الأميرة الطائشة كل جهود الصليبيين ! ثار الصليبيون في أنطاكية بشدة ، وتراسلوا مع الملك فولك الأنجوي الذي لم يجد حلاًّ إلا أن يزوِّج الأميرة الصغيرة كونستانس - التي لم تبلغ العاشرة بعدُ - من شخصية موالية له ، وتصلح أن تقود إمارة أنطاكية ، ووقع إختياره على الأمير ريموند بواتييه ، وهو أحد أبناء الأمير وليم التاسع دوق أكويتانيا ، وكان أميرًا فرنسيًّا يعيش في بلاط هنري الأول ملك إنجلترا في ذلك الوقت ، فإستدعاه على عجل ، وجاء الأمير ريموند بواتييه ، وتزوج من كونستانس ، وصار بذلك أميرًا لأنطاكية ، وكان هذا الأمير من القوة بحيث أعاد من جديد تنظيم الأوضاع داخل أنطاكية ، وبالتالي عُزلت الأميرة المتمردة أليس عن الأحداث ، فآثرت أن تذهب إلى اللاذقية ، حيث ماتت هناك بعد قليل !

كان هذا على الصعيد الصليبي ..

أما على الصعيد الإسلامي فإنَّ إنتصارات عماد الدين زنكي أثارت ردود فعل متباينة في العالم الإسلامي ، فبينما تلقَّت الشعوب الإسلامية ، وكذلك العلماء والفقهاء والصالحون من أبناء الأمة هذه الأخبار بالفرح والسرور ، وإزدياد الأمل في الخروج من الأزمة ، إذا بآخرين يتلقون هذه الأنباء بقلق بالغ وعصبية زائدة !

لقد شعر السلطان مسعود بالقلق الشديد من إانتصارات البطل عماد الدين زنكي ، وتنامى عنده القلق من أكثر من وجه :

أولاً : كان عماد الدين زنكي على علاقة طيبة بالخليفة المسترشد في أيامه الأخيرة ، وقد يثور لحادث قتله ، خاصةً أن عموم الناس يتناقلون أن السلطان مسعود هو الذي دفع الباطنية لقتل الخليفة .

ثانيًا : هذه الإنتصارات المتتالية رفعت عماد الدين زنكي جدًّا في عيون المسلمين فصار أثقل من كل السلاطين ، ولا يستبعد أبدًا أن يستقل عماد الدين زنكي بكل المناطق التي يحكمها ، وقد إستقل غيره قبل ذلك بمدنهم مع أنهم أضعف منه جدًّا ؛ فهذه دمشق يحكمها أولاد طغتكين ، وهذه حمص يحكمها أولاد خيرخان ، وهذه شيزر يحكمها أولاد منقذ ، وهكذا .

ثالثًا : المشروع التوحيدي الذي يقوم به عماد الدين زنكي واضح للجميع ، فهو قد نجح في ضم الموصل إلى حلب إلى حماة ، فضلاً عن عدد كبير من مدن الجزيرة ، وأقام علاقات قوية مع الأكراد ، وكذلك مع حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي ، وهو زعيم الأراتقة ، ولا يستبعد أن يستمر عماد الدين زنكي في مشروعه التوحيدي هذا على حساب بقيَّة المدن الإسلامية ، وقد يصل الأمر إلى التوجُّه إلى بغداد ذاتها ، أو إلى أرض فارس حيث معاقل السلاجقة .

رابعًا : أعداء السلطان مسعود كُثُر ، وعلى رأسهم إبن أخيه داود بن محمود وأخوه سلجوقشاه ، وكذلك عمه السلطان سنجر ، فماذا يحدث لو تحالف أحد هؤلاء مع عماد الدين زنكي ضد السلطان مسعود ؟!

هذه الأسباب مجتمعة جعلت السلطان مسعود يفكر في فعل خبيث غير متوقع من رجل يُوصف بحسن الخُلُق ، وهو أخذ القرار الآثم بقتل عماد الدين زنكي !!!

إنه لن يكتفي بعزله ، حيث سيظل موجودًا على الساحة كأقوى منافس له ، ولكنه سيستريح منه نهائيًّا بقتله ، غير عابئٍ بأحلام المسلمين ، ولا جهاد الصليبيين ، ولا توحيد الأمة الإسلامية !

إنها النظرة الأنانية البحتة التي نرى الكون كله يدور حول مركز السلطان ، وبالتالي فهو يريد تسخير كل الأحداث لخدمته هو شخصيًّا ، مهما كانت النتائج .

ومع هذا التدبير الخبيث إلا أن الله كان رحيمًا بعباده ؛ لقد جعل الله نجاة عماد الدين زنكي في رجل عجيب ما توقَّع أحدٌ أن يأتي خير من ورائه !

إنه دُبَيْس بن صَدَقة !

إنه هذا الزعيم الشيعي الفاسد الذي إستنقذه عماد الدين زنكي قبل ذلك بعدة سنوات من أسر بوري بن طغتكين له ، وعامله بالحسنى ، وقرَّبه وأكرمه ، فحفظ الجميل لعماد الدين زنكي ! لقد كان هذا الرجل في بلاط السلطان مسعود حيث كان منضمًّا إليه في حرب الخليفة ؛ لأننا نعرف مدى الصراع الذي كان بين دبيس والخليفة المسترشد بالله .

ثم إنه إطَّلع على هذه النية الفاسدة من السلطان مسعود ، وعرف أن تدبير جريمة القتل سيكون عن طريق إستدعاء عماد الدين زنكي إلى بلاط السلطان في همذان ، ثم إغتياله على حين غِرَّة ؛ فأسرع بإرسال رسالة عاجلة إلى عماد الدين زنكي يخبره بالمؤامرة ، ويحذِّره من القدوم على بلاط السلطان !

وسبحان الله ! فقد علم السلطان مسعود أن دبيس بن صدقة هو الذي كشف مؤامرته ، وضيَّع فرصة إغتيال عماد الدين زنكي رحمه الله ، فقام بقتل دبيس بن صدقة على الفور ! وهنا قال عماد الدين زنكي كلمته المشهورة : " فديناه بالمال ، ففدانا بالروح!" .

لقد كانت هذه إرادة الله أن يحفظ حياة عماد الدين زنكي عدة سنوات أخرى ؛ لأنه سبحانه كان يدَّخره لأعمال أخرى جليلة .

ومع حدوث مثل هذا الموقف المقزز ، وتعرض عماد الدين زنكي وهو في أوج نشاطه في جهاد الصليبيين لطعنة في ظهره إلا أنه ظل مهتمًّا بمشروعه الجهادي ، ولم يُرِدْ لنفسه أن تغوص قدمه في الصراعات الدنيوية التي يشعلها السلاطين بينهم وبين بعضهم البعض ، ومع ذلك فتعرضه هو شخصيًّا إلى محاولة إغتيال سيدفعه دفعًا على عدم إهمال الأحداث ، وإلى محاولة دفع الضرر دون الإنغماس في مشاكلهم المركَّبة !

إن الوضع في العراق الآن ملتهب جدًّا ؛ لقد بويع للراشد بالله إبن المسترشد بالله شريطة ألاَّ يُجهِّز الجيوش ، وألاَّ يحارب السلطان مسعود ، ولكن كان من الصعب على الخليفة الجديد أن يتجاهل قول الجميع بأن الذي دفع الباطنية لقتل أبيه هو السلطان مسعود ، إضافةً إلى إجتماع كثير من الأمراء الذي خشوا من عنف السلطان مسعود على ترك مسعود والتوجُّه للخليفة الراشد بالله ، وكذلك فعل الملوك داود بن محمود الذي يبحث عن سلطنته الضائعة !! لقد قرر هؤلاء جميعًا أن يقاتلوا السلطان مسعود من جديد ، وعليه فقد تجمعت قوتهم في بغداد بينما كان السلطان مسعود في همذان !



 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية



قرأ عماد الدين زنكي هذه الأحداث ، فقرر أن يكون قريبًا دون أن يغرق في مستنقع الصراع ، وعليه فقد إقترب إلى الموصل ليكون على أهبة الاستعداد إذا جدَّ جديد ، بينما أعلن بوضوح أنه في صفِّ الراشد بالله ، ولم يكن يستطيع أحد أن ينكر هذا الولاء الجديد للخليفة بعد معرفة مؤامرة السلطان مسعود لقتل البطل عماد الدين زنكي .

دارت المعارك في بغداد بين جيش الخليفة الراشد بالله وأعوانه من الأمراء وكذلك داود بن محمود ، وبين السلطان مسعود ، وكانت الغلبة في هذه المعارك للسلطان مسعود الذي دخل بغداد عنوة ، وإضطر الخليفة الراشد بالله أن يهرب في إتجاه الشمال حيث إستقبله عماد الدين زنكي في الموصل ترقبًا لما يحدث في بغداد .

إجتمع السلطان مسعود مع أعيان العباسيين في بغداد ، وكان يريد أن يخلع الخليفة الراشد بالله ؛ لأنه خالف الاتفاق المعقود بينهما على عدم قتال السلطان ، وأن يضع خليفة غيره يجتمع عليه الناس ، وفي ذات الوقت يطيع السلطان مسعود ، ومن ثَمَّ لا يتجدد الصراع ..

وقد وقع إختيار العباسيين - وأقرهم السلطان مسعود - على رجل فاضل محبوب له سيرة حسنة ، ويحب العدل ، ومن ثَمَّ تهدأ الأمور في البلاد ، وكان هذا الرجل هو أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله ، وهو أخو الخليفة المقتول المسترشد بالله ، وعمّ الخليفة المخلوع الراشد بالله ، وقد لُقِّب بعد خلافته بلقب "المقتفي لأمر الله" ، وإستقر له الأمر بعد ذلك أكثر من أربعٍ وعشرين سنة ، ومن ثَمَّ هدأت أمور بغداد كثيرًا ، وكان هذا الأمر في أواخر سنة 530هـ (ذي الحجة 530هـ\ سبتمبر 1136م) .

أما البطل عماد الدين زنكي ، فإنه لم يجعل هذه الأحداث الساخنة تلهيه عن أهدافه الكبرى ؛ ولذلك فعلى الرغم من إنتصار مسعود وتمكُّنه من السلطنة إلا أن عماد الدين زنكي لم يُشغِل نفسه لا كثيرًا ولا قليلاً بالإنتقام لنفسه من مسعود الذي كان يدبر قتله ، مع أن قوته العسكرية ومكانته في قلوب الناس كانت تمكنه من الإنتقام من السلطان مسعود ، إلا أنه لم يكن يريد أن يتشتت في معارك جانبية ، وكان يريد ألا ينسى دومًا القضيتين العظيمتين في حياته ، وهما : وحدة المسلمين ، وجهاد الصليبيين .

وعلى هذا فقد عمل عماد الدين زنكي في هذه الفترة ، في أواخر 530هـ وأوائل 531هـ في أربعة محاور رئيسية وهي :

المحور الأول : إقامة علاقات طيبة مع الخليفة المقتفي بالله ؛ لضمان عدم حدوث قلاقل مع الكيان العباسي ، وإن لم يكن بالقوة المخوِّفة ، لكن كان من الواضح من سير الأحداث أن المسلمين ما زالوا يهتمون برأي الخليفة وتزكيته حتى مع ضعفه ، إضافةً إلى ما إشتهر به الخليفة الجديد من حُسْن السيرة والعدل وحبِّ الناس له .

المحور الثاني : توسيع الإمارة الزنكية في إتجاه الجزيرة بالتعاون مع حسام الدين تمرتاش ، وقد قام الحليفان عماد الدين زنكي وحسام الدين تمرتاش بالهجوم المشترك على جبل جور ومنطقة السيوان ، وهذه مناطق تقع في شمال ديار بكر ، مما يعني التوسع الكبير في أراضي الجزيرة ، وهذا دفع المقاومين لهذا المشروع التوحيدي أن يهدءوا كثيرًا ، ومن ثَمَّ إستقرت الأوضاع جدًّا في مناطق الجزيرة ، وهذا أعطى فرصة لعماد الدين زنكي للتفرغ للصليبيين .

المحور الثالث : هو مدينة حمص ، التي تمثِّل عقبة في طريق دمشق ، وكذلك تمثل نقطة ضعف في ظهر عماد الدين زنكي إذا أراد الهجوم على أنطاكية أو طرابلس ، ومن ثَمَّ كرر عماد الدين زنكي محاولاته في حصار المدينة ، ولكنه لم ينجح في فتحها ، إلا أن هذه المحاولات هزَّت صاحبها قريش بن خيرخان فإضطر إلى تسليم المدينة لشهاب الدين محمود صاحب دمشق ؛ ليساعده في الدفاع عنها ضد عماد الدين زنكي ، وعندها وضع شهاب الدين عليها أقوى أمرائه وأصلبهم معين الدين أَنُر .

المحور الرابع : وهو أهم المحاور ، وهو محور الصليبيين ، وقد حرص عماد الدين زنكي على ألا يتركهم يأخذون فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم ، فكان دائم المباغتة لهم ، ومن ذلك ما فعلوه في منطقة اللاذقية من نصر عظيم على القوات الصليبية وتدمير كبير لحصونهم هناك ، وقتل عدد كبير من جنودهم ، وكذلك أسر أكثر من سبعة آلاف صليبي دفعة واحدة ، مع أخذ ما لا يقدر من الغنائم ، ويكفي أن الدواب المغنومة كانت أكثر من مائة ألف رأس من الخيول والبغال والحمير والبقر والغنم ! هذا سوى الأقمشة والحليِّ والبضائع مما يخرج - كما يقول إبن الأثير - عن الحد !

لقد كان نصرًا عظيمًا حقًّا أعاد للمسلمين الكثير من الثقة ، وكان ذلك في شهر شعبان سنة 530هـ .

ومع كون عماد الدين زنكي مشغولاً في هذه المحاور مجتمعة إلا أنه حرص على تأمين ظهره تحسُّبًا من أي غدر من ناحية السلطان مسعود ، وهذا دفعه إلى ضم مدينة دقوقا ، وهي مدينة تقع بين مدينتي إربل وبغداد ، أي أنها تقع في جنوب شرق الموصل ، وبذلك تصبح مدينة تفصل بينه وبين أملاك السلطان مسعود ، ليكتشف تحركاته قبل أن يباغت في الموصل ، وكان ضم هذه المدينة في أوائل سنة 531هـ .

ثم إن الله مهَّد لعماد الدين زنكي بإضعاف قوة الصليبيين عن طريق حملة قام بها أحد زعماء جيش دمشق وإسمه بزواش ، حيث أراد أن يقوم بشيء مثل الذي يقوم به عماد الدين زنكي ، مع أن الدمشقيين كانوا لا يمانعون إذا إقتضت الحاجة أن يتعاونوا مع الصليبيين ! وسنرى قريبًا مثالاً لهذا التعاون ، لكن الذي حدث أن هذا القائد أخذ فرقة من جيشه ، وساعده كثيرٌ من التركمان من المنطقة ومن ديار بكر ، وقاوموا بإغارة سريعة على إمارة طرابلس ، فخرج لهم بونز بن برترام أمير طرابلس ، ودار قتال كبير حقق فيه المسلمون نصرًا كبيرًا بجوار قلعة الصنجيل التي أسَّسها ريمون الرابع جَدُّ بونز ، وحدثت مفاجأة في هذا القتال إذ قُتِل بونز بن برترام أمير طرابلس ! كما أسر عدد كبير من جنوده ، هذا فضلاً عن الغنائم الوفيرة .

لقد سرت روح الجهاد التي نفثها عماد الدين زنكي في الأمة حتى تحرك جيش لم يعقد أبدًا على الجهاد في هذه الفترة ليحقق هذا الإنجاز الكبير ، ويُضعِف بذلك من قوة إمارة طرابلس جدًّا ، بل ومن قوة الصليبيين جميعًا .

وقد تولى حكم إمارة طرابلس بعد قتل أميرها إبنه ريمون الثاني ، ليبدأ حكمه بأزمة عسكرية وسياسية كبيرة .. وقد تمت هذه المعركة في رجب من سنة 531هـ\ مارس 1137م .

ولقد كانت هذه المعركة السابقة عجيبة في تاريخ الصراع الإسلامي- الصليبي ؛ وذلك لأن قواد دمشق في ذلك الوقت يقتربون من الصليبيين ، بل ويتراسلون معهم للدفاع المشترك ضد عماد الدين زنكي ! مما يوحي أن هذه المعركة كانت محاولة فردية من أحد الفرق العسكرية الدمشقية قوَّاها وجود عدد كبير من المتطوعين التركمان مما أحدث هذا الأثر الكبير .. لكن للأسف مع حدوث هذا النصر الكبير ، وهذه النتائج المؤثرة إلا أن علاقة التعاون بين دمشق والصليبيين لم تنقطع حتى بعد هذه المعركة ! مما يؤكد على أن هذا الصدام لم يكن يمثِّل توجهًا عسكريًّا للحكومة الدمشقية في هذا الوقت .

ويؤكد على ذلك ما حدث في الشهر التالي مباشرة ، أي في شهر شعبان سنة 531هـ عندما حَصَر عماد الدين زنكي مدينة حمص ، فقاومه بشدة أميرها معين الدين أَنُر ، ولما شعر بأن مقاومته قد تنهار أسرع بالإستنجاد بأمراء الصليبيين ، فجاءت نجدة صليبية على رأسها ملك بيت المقدس نفسه فولك الأنجوي ، بل وكان فيها أيضًا ريمون الثاني الذي قُتل أبوه منذ أيام على أيدي الدمشقيين ! وهكذا واجهت القوات الحمصية الدمشقية الصليبية المشتركة جيوش عماد الدين زنكي مما أجبره على رفع الحصار عن حمص ، لكنَّ هذا الموقف أعطاه - وأعطى المسلمين جميعًا - رؤية واضحة عن طبيعة معين الدين أنر وشهاب الدين محمود .. وهذه المواقف - على بشاعتها - تكشف الأوراق ، وتوضِّح الخبايا وليس من شكٍّ أن الزعيم المسلم الذي تؤيده قوى الاحتلال هو زعيم عميل لا إخلاص عنده للقضية ، ولا يعمل إلا لنفسه ، وليس من أمل فيه لنصر المسلمين .

غير أن عماد الدين زنكي وجد قدوم الصليبيين إلى هذه المنطقة المتقدمة في الشام فرصة لقتالهم ، خاصةً أن جيش طرابلس القريب قد تعرض لهزيمة قريبة ، وقتل زعيمه الخبير بونز بن برترام ، كما أن فولك يأتي من أماكن بعيدة ، وقد يكون من الصعب عليه أن ينسحب إلى مكان آمن ؛ ولهذا قرر عماد الدين زنكي أن يستدرج الجيوش الصليبية للحرب بعيدًا عن أسوار حمص ، وفي نفس الوقت فإنه كان يريد أن يضغط على الصليبيين ليختاروا طريق الحرب معه ، ولا يفكروا بتجنُّب القتال والعودة لإماراتهم ، فماذا يفعل ؟!

لقد قرر عماد الدين زنكي أن يهاجم مَعْلمًا مهمًّا من معالم الصليبيين المهمة ، والذي سيضطرون إضطرارًا إلى الدفاع عنه ، ومن ثَمَّ قتال عماد الدين زنكي .. وكان هذا المَعْلم هو حصن بعرين (بارين) الضخم على المنحدرات الشرقية لتلال النصيرية ، والذي يحرس المنفذ المؤدِّي إلى منطقة البقيعة .

إن هذا الحصن له أهمية بالغة حيث إن الذي سيسيطر عليه سيشرف تمامًا على حوض نهر العاصي ، وبذلك سيمنع الإتصالات بين إمارة أنطاكية في الشمال ، وإمارة طرابلس ومملكة بيت المقدس في الجنوب ، كما أنه يشرف إشرافًا مباشرًا على حمص وحماة .

وهكذا إقتربت فعلاً الجيوش الصليبية لحماية حصن بارين المهم ، الذي كان مملوكًا في هذا الوقت للصليبيين ، وبه عدد كبير من الجنود الصليبيين .

وفي الساحات المجاورة لهذا الحصن ، وفي شهر شوال سنة 531هـ\ يونيو سنة 1137م ، دارت موقعة شهيرة من مواقع الإسلام .. إنها موقعة حصن بارين !!

إنها موقعة يشترك فيها رأسان مهمان من رءوس الصليبيين : الملك فولك الأنجوي ملك بيت المقدس ، والأمير ريمون الثاني أمير طرابلس .. ودار القتال شديدًا عنيفًا ، وتساقط القتلى هنا وهناك ، وإرتفعت سحب الغبار تغطِّي كل شيء ، ثم ما لبث الغبار أن إنقشع ليُسفِر عن النتيجة الحاسمة ! , لقد إنتصر المسلمون نصرًا مبينًا !

لقد قُتل معظم الجيش الصليبي ، وأُسر معظم الذي بقي على قيد الحياة ، وكان الأمير ريمون الثاني من أولئك الذين أسروا ، أما الملك فولك الأنجوي فقد فرَّ هاربًا في فرقة من جيش إلى حصن بعرين المجاور ، ثم أسرع الملك فولك الأنجوي بإرسال رسالة إستغاثة عاجلة يطلب فيها من الأمير ريموند بواتييه أمير أنطاكية ، ومن الأمير جوسلين الثاني أمير الرها أن يأتيا بسرعة على رأس جيوشهما لنجدة الجنود المحاصَرين في قلعة بارين الحصينة .

وأسرع عماد الدين زنكي رحمه الله ، وحاصر الحصن حصارًا محكمًا ، فمنع عنه كل شيء ، وضبط الطرق المؤدية إليه تمام الضبط ، حتى إنقطع الملك فولك تمامًا عن العالم الخارجي ، وما عاد مدركًا لما يحدث في الخارج .

أخذت المجانيق الإسلامية تقصف الحصن الضخم لَيْلَ نهار ، وقد بدا واضحًا أن المسألة مسألة وقت ، وأن الجيوش الصليبية المحصورة ليست عندها النية أن تخرج لحرب المسلمين إلا إذا جاءت لها نجدة كبيرة .

وبينما عماد الدين زنكي رحمه الله يحاصر الحصن العملاق وصلت الأخبار بتحرك جيش الرها وأنطاكية في إتجاه حصن بارين ، بل ظهرت بوادر مفاجئة بتحرك جيوش الدولة البيزنطية صوب المنطقة ، وهذا للمرة الأولى منذ بداية الحروب الصليبية !

لقد كان الموقف صعبًا حقيقةً ؛ لأن جيوش الدولة البيزنطية كبيرة ، وإذا إشتركت مع الجيوش الصليبية فقد يُحصر عماد الدين زنكي بينهم وبين الصليبيين الموجودين في حصن بارين ، وهذا قد يُضيِّع مكاسب الإنتصار السابق .

أما لماذا تدخلت الدولة البيزنطية فذلك لسببين :

أما السبب الأول فهو تحرك القساوسة والرهبان فورًا بعد حصر الملك فولك في حصن بارين ، وذلك من إمارتي الرها وأنطاكية إلى البلاط البيزنطي ، وناشدوا الإمبراطور البيزنطي التدخل لنجدة الجيش الصليبي المحصور في حصن بارين ، ذاكرين له أنه إذا قتل الملك فولك فالطريق إلى بيت المقدس سيكون مفتوحًا للمسلمين .

وأما السبب الثاني فهو غضب الإمبراطور البيزنطي من زواج الأميرة كونستانس إبنة الأميرة أليس من ريموند بواتييه ، وذلك بعد أن عرضت الأميرة أليس زواج إبنتها على إبن الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين ، إذ كيف يُعرض الزواج على إبن الإمبراطور ثم يُرغب في غيره ، مع الأخذ في الإعتبار طبعًا أن هذا الزواج كان سيضع أنطاكية تحت الإشراف البيزنطي المباشر .

وهكذا تطورت الأحداث لتنذر بمشكلة قد يقع فيها عماد الدين زنكي والمسلمون !

ماذا يفعل عماد الدين زنكي ؟!

لقد إستغل عماد الدين زنكي رحمه الله فرصة إنقطاع الأخبار عن الملك فولك الأنجوي ، وشدد جدًّا من قصف الحصن ، على أمل أن يطلب الملك فولك التسليم بأيِّ شروط ، فتنتهي مشكلة حصن بارين قبل قدوم القوات النصرانية المشتركة .. وقد حدث فعلاً ما توقع البطل عماد الدين زنكي ، وأرسل الملك فولك يطلب التفاوض من أجل فك الحصار !
لقد كان الله مع الجيش المسلم .

وليس الذي حدث هذا أمرًا غريبًا ؛ فالله دومًا ينصر من نصره ، يقول تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) .

ووافق عماد الدين زنكي على التفاوض السريع ، وهو يمنع في كل ذلك أي أخبار من الوصول إلى الملك فولك ، ليتم الأمر على ما يريد عماد الدين زنكي .. ووصل الطرفان فعلاً إلى إتفاق ، حيث سيخرج الصليبيون من داخل الحصن آمنين ، ويطلق سراح الأمير ريمون الثاني ، وذلك في نظير أن يسلَّم حصن بارين الخطير للمسلمين ، ويدفع الملك فولك مبلغ خمسين ألف دينار ذهبية .

وتم فعلاً تنفيذ الإتفاق، وتسلم المسلمون الحصن المهم ، وإحتفظوا بعدد كبير من الأسرى ، وأطلق سراح الملك فولك ومن معه من جنود في داخل الحصن ، وكذلك الأمير ريمون الثاني .

لقد أفلحت خطة عماد الدين زنكي ، وندم الملك فولك ندمًا شديدًا بعد أن علم بتجمُّع الجيوش النصرانية ، لكن لم يكن هناك حلٌ آخر أمامه .

وقبل أن نذكر ما فعلته الجيوش البيزنطية والصليبية نعلِّق على ما فعله عماد الدين زنكي رحمه الله مع المسلمين بعد تحرير بعض المناطق المجاورة للحصن ، فلقد جاء المسلمون الذين حُرِّرت أراضيهم يطلبونها ، وذكرنا قبل ذلك في موضع آخر من الكتاب أنه وزَّع الأراضي على كل من كان معه إثبات بملكية الأرض ، وذلك خلافًا للمذهب الحنفي الذي يتبعه ؛ لأنه رأى أن ملاك الأراضي سيضيع حقهم دون ذنب منهم ، غير أنه بقيت مجموعة من الملاك تطلب أرضها ، لكنها - للأسف - فقدت أوراق ملكية هذه الأرض في أثناء الهروب من البلاد عند إحتلالها ، فلم تدرِ ماذا تفعل حيث ستضيع عليها الأراضي ، وفي نفس الوقت فعماد الدين زنكي لا يستطيع تسليم أرض إلى إنسان دون دليل ؛ خشية أن يكون مدعيًا ، ثم يظهر بعد ذلك المالك الحقيقي للأرض ، مع ملاحظة أن هذه الأراضي إحتلت منذ حوالي أربعين سنة !

وإنهمك بطلنا في المشكلة مع كثرة الهموم التي عليه ، إلا أنه كان حزينًا لحيرة الناس ، وللأزمة التي وقعوا فيها .. ثم إنه فجأة وجد حلاًّ للموقف ، إذ سرعان ما إنتفض قائلاً : " إطلبوا دفاتر حلب ، وكل من عليه خراج على مِلْكٍ يسلم إليه !" .

لقد أمر عماد الدين زنكي بفتح دفاتر تحصيل الخراج على هذه الأراضي ، وهذه الأراضي كانت تابعة لمملكة حلب ، فكان أصحابها إذا سددوا الخراج عنها إلى ملك حلب دُوِّن ذلك في الدفاتر ، فإذا كان إسمه مدونًا عن أرض معينة فلا شك أنه كان يملكها !

ونجحت الفكرة ، وتسلم الجميع أراضيه ، ويعلِّق إبن الأثير على هذا العمل فيقول : "وهذا من أحسن الأفعال وأعدلها !" .

إنه لشيء عظيم حقًّا أن يسعى الحاكم إلى إيصال كل حق إلى مستحقيه ، حتى لو كلفه هذا جهدًا ووقتًا ، وحتى لو كان هذا سيأتي على حساب الدولة ؛ إذ إن الأراضي المجهولة كانت ستضم إلى بيت مال المسلمين ، وإنه لشيء عظيم حقًّا أن يشغل عماد الدين زنكي نفسه بهذه القضايا ، مع أن الجيوش الصليبية والبيزنطية على الأبواب ، لكنه كان على يقين أن الله ينصره لهذا العدل الذي يسعى إلى تطبيقه ، فرحمه الله رحمه واسعة !

 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية


ماذا فعل الجيش البيزنطي ؟!

لقد كان هدف الجيش البيزنطي الرئيسي هو البحث عن مصالحه ! ولم تكن عنده الدوافع أبدًا لإنقاذ الملك فولك ، أو الإهتمام بأمره ، فالصراع بين البيزنطيين والصليبيين محتدم من أول أيام الحملة الصليبية ؛ ولذلك فعين الإمبراطور يوحنا كومنين كانت في المقام الأول على أنطاكية وما حولها من أملاك بيزنطية قديمة ، وأهمها إقليم قليقية وما فيه من مدن عريقة كالمصيصة وأذنة وطرسوس ، والتي كانت في هذا التوقيت تحت سيطرة الأمير الأرمني ليون .

ومن هنا فإن الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين لم يكن من همِّه الإسراع إلى منطقة حصن بارين لإستعادة الحصن من المسلمين ، ولكنه توجه بجيش كثيف إلى إقليم قليقية أولاً ، ودُهِش الأرمن من القوات البيزنطية التي لم تظهر في هذه المناطق منذ عشرات السنين ، وكان الذي دفع الإمبراطور البيزنطي إلى هذه الجرأة إحساسه أن الجيوش الصليبية تمر بأزمة كبيرة نتيجة إضطرابات الحكم المتكررة في أنطاكية ، ونتيجة ضربات عماد الدين زنكي الموجعة ؛ ولهذا أراد أن ينتهز الفرصة التي قد لا تتكرر بسهولة .

إستطاع الإمبراطور البيزنطي بسهولة أن يحتل المدن الكبيرة في إقليم قليقية ، وهرب الأمير الأرمني ليون إلى جبال طوروس ، ولم تكن هناك مقاومة تُذكر ، وهذا شجَّع الإمبراطور يوحنا كومنين أن يتوجه بجيوشه إلى أنطاكية ذاتها ، ثم ضرب حولها الحصار المحكم ؛ مما أرعب أميرها الجديد ريموند بواتييه !

وجد الأمير بواتييه أن القوات الصليبية الآن ممزقة بعد إنتصارات عماد الدين زنكي ، وكلا القائدين الملك فولك والأمير ريمون الثاني مشغول بهمومه ، كما أن الأمير جوسلين الثاني يتلقَّى ضربات أمير حلب سوار ، وهكذا لن يكون أمامه إلا أحد حلَّيْنِ : إما أن يقاوم الإمبراطور البيزنطي عسكريًّا ، وإما أن يتفاوض معه ويحصل منه على أي شيء .

وجد الأمير ريموند بواتييه أن قوته ضعيفة جدًّا بالقياس إلى قوة الإمبراطور البيزنطي ، ورأى أنه لو قاوم عسكريًّا ثم سقطت المدينة فإنه سيفقد كل شيء ، وقد يفقد حياته في الصراع ؛ فآثر لذلك أن يتفاوض مع الإمبراطور الكبير .

وتمت المفاوضات بين الطرفين ، ووصلوا إلى خطة واسعة شاملة فيها خطورة كبيرة على المسلمين .. وكانت بنود الاتفاقية تشمل الآتي :

أولاً : تسليم أنطاكية إلى الإمبراطور البيزنطي .

ثانيًا : تتحد القوتان الصليبية والبيزنطية لضرب عماد الدين زنكي .

ثالثًا : يتم تكوين إمارة بديلة للأمير ريموند بواتييه، وتكون هذه الإمارة في شرق أنطاكية، وتكون قاعدتها مدينة حلب ، وتضم عدة مدن أخرى مهمة في المنطقة مثل حماة التابعة لعماد الدين زنكي الآن ، كما تنتزع شيزر من بني منقذ وتضم إلى نفس الإمارة ، كذلك تنزع حمص من إمارة دمشق حيث ستمثِّل الحدود الجنوبية لهذه الإمارة الجديدة .

رابعًا : يبقى الأمير ريموند بواتييه على إمارة أنطاكية مؤقتًا حتى صيف العام القادم (أي صيف 1138م) عندما يبدأ الطرفان في تنفيذ الاتفاق بالتعاون العسكري ، على أن تُرفع أعلام الدولة البيزنطية فوق أنطاكية من الآن دلالةً على التبعية .

كانت هذه هي بنود الاتفاقية الخطيرة التي وافق عليها الطرفان ، إضافةً إلى أنهم حصلوا كذلك على موافقة الملك فولك الأنجوي على هذا المشروع .

كان هذا المشروع يحقِّق - إذا تم بحذافيره - أطماع كل فريق ؛ فالإمبراطور البيزنطي سيسترد أنطاكية حُلم البيزنطيين ، وسيضرب القوة الإسلامية في أعماقها ، وليس هذا فقط ، فالإمارة الجديدة المزمع قيامها ستكون فاصلاً بين أنطاكية وبين المسلمين ، وهكذا سيتكفل الصليبيون بالدفاع عن إمارة أنطاكية .

أما ريموند بواتييه فكل ما يهمه هو أن يكون أميرًا ، فهو أصلاً لم يتعب مطلقًا في إنشاء هذه الإمارة ، بل جاء إليها من أوربا منذ سنتين فقط ، ثم إن البديل الذي يطرحه الإمبراطور البيزنطي أفضل كثيرًا ، فلا شك أن إمارة تضم مدنًا كحلب وحمص وشيزر وحماة ستكون إمارة قوية وعظيمة .

وهكذا وافق الطرفان راضين على هذه النتيجة ، وكذلك أقرها فولك الأنجوي ، ولا يخفى علينا أن هذا كان على غير رغبة النورمانيين الذين أنشئوا الإمارة الصليبية ، خاصةً أن الذين أخذوا القرار سواء ريموند بواتييه أو فولك الأنجوي من الفرنسيين وليسوا من الإيطاليين .

ولقد حاول الإمبراطور البيزنطي أن يخادع عماد الدين زنكي رحمه الله ، فأرسل له رسالة يبرر فيها دخوله للأراضي المجاورة لأنطاكية ، بأنه ما دخل إلى بلاد المسلمين إلا لحرب الأرمن ، وأنه لا ينوي بذلك قتاله ، لكنَّ هذا الرد لم يكن مقنعًا لعماد الدين زنكي ، ورأى أن عزة دولته تقتضي أن يأخذ ردَّ فعل مناسب ، ولم يجد القائد العزيز عماد الدين زنكي ردًّا يناسب التعدي على حدود الدولة الإسلامية إلا الحل العسكري ، وعليه فقد أرسل سرية من جيشه بقيادة أمير حلب سوار لمهاجمة الجيش البيزنطي ..

وبالفعل إستطاع سوار أن يقتل عددًا كبيرًا من الجنود البيزنطيين ، وأن يأسر مجموعة أخرى ، مع أنه قوته كانت أصغر بكثير من قوة الجيش البيزنطي , ومع هذه الإهانة المباشرة للقوات البيزنطية إلا أن الإمبراطور لم يُرِدْ أن يدخل في مستنقع الحرب مع المسلمين ، خاصةً وقد سمع الكثير عن بطلنا عماد الدين زنكي ! ولهذا غضَّ الإمبراطور البيزنطي الطرف عن هذه الخسائر ، وإنطلق عائدًا إلى بلاده ليجهِّز عدَّة أكبر إستعدادًا لحرب كبيرة في العام القادم !

ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن هذه الإتفاقيات الصليبية البيزنطية لم تعلن في ذلك الوقت ، ولم يعلم بها عماد الدين زنكي في حينها ، ولكنه أدرك أن تعاونًا ما سيكون بين الدولة البيزنطية والصليبيين ، وذلك بعد رؤية الأعلام البيزنطية فوق أسوار إمارة أنطاكية دون إعتراض يذكر من الصليبيين ؛ ولهذا أمر عماد الدين زنكي بزيادة الإحتراز لتأمين الحدود الشمالية لإمارته والملاصقة لآسيا الصغرى ، حيث يسيطر البيزنطيون الآن على إقليم قليقية ، ويحتفظون هناك بحامية بيزنطية قوية .

ولا يخفى علينا أن هذه الإنتصارات التي حققها عماد الدين زنكي ، وهذا التفاعل القوي مع التعديات الصليبية والبيزنطية ، وضعت بطلنا في الصدارة المطلقة لقوَّاد المسلمين في هذا العصر ، خاصةً أن هذا المجد الكبير ، وهذه العزة الواضحة تأتي في وقت ظهرت فيه أطماع السلاطين والأمراء والزعماء الآخرين بشكل واضح ، وليس أدل على ضعف هؤلاء الزعماء من هذه الأحداث الدامية التي شهدتها أرض العراق وفارس في نفس الوقت الذي كان بطلنا عماد الدين زنكي يسعى لتوحيد المسلمين لجهاد الصليبيين والبيزنطيين .. وكانت الإشتباكات ما زالت دائرة في فارس والعراق بين السلطان مسعود وإبن أخيه الملك داود بن محمود ، على الرغم من كل الأحداث الكبرى التي رأيناها في أرض الشام !

أما بالنسبة لعماد الدين زنكي فهو كان يشعر أن الصليبيين بالإشتراك مع البيزنطيين يدبِّرون لشيء كبير في أرض الشام ؛ لذلك حاول البطل عماد الدين زنكي أن يسيطر على عدة حصون ومدن أخرى في منطقة الشام تسهِّل له قتال الأعداد عند إجتماعهم ..

توجه عماد الدين زنكي إلى مدينة بعلبك اللبنانية ليحاول فتحها إلا أنها إستعصت عليه لحصانتها ، وكانت بعلبك تابعة لإمارة دمشق ، فعرض صاحبها أن يهادنه في مقابل مبلغ من المال يدفعه لعماد الدين زنكي ، فقَبِل عماد الدين زنكي ذلك ليحيِّد صفها ، وينطلق إلى غيرها .. وكان رحمه الله حاسمًا في قراراته وأفعاله ، لا يعاند في البقاء محاصِرًا لمكان يقرب إلى تقديره أنه لا يُفتح .

إنتقل عماد الدين زنكي رحمه الله من بعلبك إلى حصن المجدل ، فإستطاع بعد جهد أن يفتحه وأن يضمه إلى إمارته ، وكان تابعًا كذلك لإمارة دمشق ، ثم إنتقل منه إلى إحدى الأملاك الأخرى لنفس الإمارة وهي مدينة بانياس ، فدخلت بسهولة في طاعته ، وكانت هذه الأحداث في أوائل سنة (532هـ) أواخر 1137م .

بعد هذه السيطرة الميدانية على معظم المناطق التابعة لإمارة دمشق لم يعُدْ أمام عماد الدين زنكي ليضم دمشق إلا أن يسيطر على حمص لأنها في الطريق بين حماة ودمشق ؛ ولذلك فقد توجه عماد الدين زنكي مباشرة إلى حصار حمص ، ولكن حمص أصرت على المقاومة وطال الحصار حتى كاد أهل حمص يفتحون الأبواب ، لولا ورود الأخبار بأمر خطير دَهِم المسلمين في هذا التوقيت !

لقد وصلت إلى أرض الشام جيوش الإمبراطورية البيزنطية الهائلة ، وعلى رأسها الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين ، وقد جاءت تقصد مدينة حلب ذاتها وذلك لتنفيذ الإتفاق الذي عُقِد في السنة الماضية بينهم وبين الأمير ريموند بوتييه أمير أنطاكية .

كانت الأخبار مفزعة ؛ لأن سقوط حلب يهدم المشروع التوحيدي للأمة من أساسه ، ويعيدنا من جديد لنقطة الصفر .. وعلى ذلك فقد أمر عماد الدين زنكي أمير حلب سوار - وكان معه في حصار حمص - أن يترك الحصار ، وأن يتوجه من فوره إلى مدينة حلب ليرفع من درجة إستعدادها ، وليقوِّي تحصيناتها ، ويعمِّق خنادقها ، ويطمئن أهلها أن المسلمين قادمون .. وكانت هذه الأحداث في شهر رجب (532هـ) إبريل 1138م .

وبمجرد نزول الجيش البيزنطي إلى أرض المسلمين إنضمَّ له أمير أنطاكية ريموند بواتييه ، وكذلك أمير الرها جوسلين الثاني ، إضافةً إلى كتيبة من الداوية ، وإتجهت هذه الجيوش المجتمعة إلى مدينة البلاط ، وإحتلتها عنوة ، ثم توجهت إلى مدينة بزاغة (وهي مدينة إسلامية حصينة تابعة لإمارة حلب) ، وقد أصرَّ الإمبراطور البيزنطي على إسقاطها لوجودها على الطريق الواصل بين حلب وآسيا الصغرى ، وظل الحصار مدة سبعة أيام ثم تواصلت الرسل بين الطرفين ، وإتفقوا على أن تفتح المدينة أبوابها في نظير إعطاء الأمان لكل أهلها، وفتحت المدينة بالفعل أبوابها ، ولكن الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين غدر بالمسلمين ، وأمر بمذبحة رهيبة في المدنيين من أهل بزاعة ، وقتل منهم خمسة آلاف وثمانمائة مسلم ومسلمة ، وأخذ الباقين كأسرى وسبايا ، وفرَّ بعض السكان إلى المغارات في الجبال ، فأشعل الإمبراطور البيزنطي النيران في مداخل المغارات ليموت المسلمون في داخلها مختنقين ! وكان سقوط بزاغة في 25 من رجب 532هـ .

لقد كان غدرًا مشينًا من الإمبراطور الكبير !!

ومع ذلك فإن هذا الحصار لمدينة بزاغة ، وهذا الوقت الذي أُنفق في قتل المسلمين وأسرهم ، أعطى الفرصة الكافية لمدينة حلب أن ترفع من درجة إستعدادها إلى الدرجة القصوى ، وأن تتهيأ للجيوش القادمة تمام التهيُّؤ ، وبذلك ضاع عنصر المفاجأة من الإمبراطور البيزنطي ، الذي توجه بعد سقوط بُزَاعة إلى مدينة حلب .
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

ماذا يفعل عماد الدين زنكي رحمه الله إزاء هذا الموقف العصيب ؟!

تعالَوْا نستمتع بالأداء الراقي لعماد الدين زنكي في هذه المشكلة المعقَّدة ، وندرس معًا منهجه في مواجهة هذه الأزمة الطارئة ، وكيف كانت نظرته شمولية للأحداث ، وكيف كانت رؤيته لمسرح العمليات رؤية عبقرية موفَّقة !

أولاً : تقوية تحصينات حلب إلى أقصى درجة ، وإعادة أميرها الشجاع سوار إليها لتَقْوَى نفوس أهلها به .

ثانيًا : ترك حامية صغيرة من جيشه حول حمص تناوش حاميتها ؛ لكي لا تخرج هذه الحامية فتضرب عماد الدين زنكي في ظهره .

ثالثًا : تقدم عماد الدين زنكي بجيشه الرئيسي ، ليقف به في موقف متوسط في الشام ، في منطقة سَلَمْيَة إلى الشمال الشرقي من حمص ، وذلك حتى تكون حركة سريعة إلى أيِّ نقطة في شمال الشام حسب تحركات الجيش البيزنطي .

رابعًا : أرسل عماد الدين زنكي رسالة عجيبة نادرة من نوعها ، تدل في مضمونها على التجرُّد الشديد لله ، وعلى الفقه الواسع لهموم الأمة الإسلامية .

لقد أرسل بطلنا رسالة إلى السلطان مسعود - وكان في بغداد آنذاك - يستحثه على إرسال جيش كبير لنجدة المسلمين في حلب والشام .. وهذا يحمل دلالات كبيرة مهمة ، فالبطل عماد الدين زنكي يتناسى في لحظة خلافاته مع السلطان مسعود من أجل مصلحة المسلمين ، ويتناسى أن السلطان مسعودًا كان يدبِّر منذ سنتين مؤامرة لإغتياله ، ويتناسى أن السلطان مسعودًا مشغولٌ منذ سبع سنوات - أي منذ وفاة السلطان محمود سنة 525هـ - في صراعات دنيوية لا وزن لها .. إنه يتناسى كل هذه الأمور ليضم قوته إلى قوة السلطان مسعود لدفع الخطر عن المسلمين .

وليس هذا فقط ! بل إن القاضي كمال الدين الشهرزوري ذكر في منتهى الصراحة لعماد الدين زنكي أن السلطان مسعودًا إذا جاء بجيشه إلى الشام فإنه سيضمها إلى أملاكه هو ، وستضيع زعامة عماد الدين زنكي ، فردَّ عماد الدين زنكي ردًّا عجيبًا إذ قال : "إن هذا العدو قد طمع في البلاد ، وإن أخذ حلب لم يبق في الشام إسلام ، وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار !" .

إن هذه الروح العجيبة ، وهذا التجرد الجميل لمن أقوى أسباب نصر عماد الدين زنكي ، وشتَّان بين رجل يعمل لله ، وآخر يعمل لنفسه ومصالحه .

وهكذا أرسل عماد الدين زنكي وفدًا إلى بغداد لإستنهاض السلطان مسعود لنصرة المسلمين ، وجعل على رأس هذا الوفد القاضي كمال الدين الشهرزوري بنفسه .

خامسًا : رسالة أخرى عجيبة أرسلها البطل المتجرد عماد الدين زنكي رحمه الله ! وكانت هذه الرسالة إلى خصمه اللدود في أرض الجزيرة ركن الدولة داود بن سقمان الأرتقي ! فعلى الرغم من الصدمات التي حدثت بين الفريقين في غضون السنوات العشر السابقة إلا أن عماد الدين زنكي يرى أن الظروف الحالية تحتِّم عليه أن يتناسى كل الصراعات القديمة ، وأن يعمل على توحيد المسلمين في كيان واحد قادر على مواجهة الجموع الهائلة للبيزنطيين والصليبيين .

سادسًا : رسالة ثالثة مهمة أرسلها عماد الدين زنكي تدل على فقه عسكري دقيق للموقف ، فلقد أرسل رسالة سريعة إلى زعماء المسلمين في آسيا الصغرى وهم : السلطان مسعود بن قلج أرسلان زعيم السلاجقة الروم ، ومحمد بن غازي الدانشمندي زعيم بني الدانشمند يدعوهم للتوحُّد والهجوم على المدن الإسلامية المحتلة من البيزنطيين في آسيا الصغرى ؛ وذلك لدفع الإمبراطور البيزنطي إلى العودة إلى آسيا الصغرى لدفع خطر المسلمين هناك .

لقد كان تخطيطًا بارعًا رائعًا ، يدل على عقلية عسكرية متميزة .

ماذا حدث على أرض الواقع ؟!

لقد نزلت القوات النصرانية البيزنطية والصليبية حول أسوار مدينة حلب في 6 من شعبان سنة 532هـ ، ففوجئت بالإستحكامات العسكرية القوية التي جهَّزها الجيش المسلم هناك ؛ فالخنادق كثيرة وعميقة ، والأسوار عالية وسميكة ، والجيش المسلم متحفِّز ، والسهام تنهال على الجيوش النصرانية من كل مكان ، مما منع النصارى من الإقتراب من المدينة .

ولم يكتفِ المسلمون بذلك ، بل أخرج الأمير المسلم البطل سوار عدة سرايا من الجيش المسلم تقابل بعض الفرق المحاصِرة ، فأخذتهم على حين غِرَّة ، وقُتِل من الصليبيين والبيزنطيين خلق كثير ، بل إن أحد كبار قساوستهم قُتل في أثناء هذه المعارك مما أزعجهم إزعاجًا شديدًا .

لقد وجد الإمبراطور البيزنطي أن حلب - بجيشها الشجاع وتحصيناتها المنيعة - حُلم بعيد المنال ! وهذا دفعه إلى أن يقرِّر فجأةً ، وبعد ثلاثة أيام فقط ، أن يرفع الحصار تمامًا عن مدينة حلب الباسلة !!

لقد عجزت الجيوش العملاقة أن تكسر إرادة المسلمين في حلب ، ولعلنا نتذكر صبر الصليبيين على حصار أنطاكية قبل ذلك بأكثر من أربعين سنة ، حيث صبروا على الحصار سبعة أشهر كاملة حتى سقطت المدينة ، أما الآن فالجيوش النصرانية أضعاف الجيوش التي كانت تحاصِر أنطاكية ، ومع ذلك لم يصبروا !!

ما السر في ذلك ؟!

إن السر لا يكمن في طبيعة الجيوش النصرانية أو أعدادها ، إنما يكمن في الأساس في طبيعة الجيش المسلم وقوته ؛ فالمسلمون المحصورون في حلب مختلفون تمام الإختلاف عن المسلمين الذين حُصِروا قبل ذلك في أنطاكية ، فقد ظهرت في هذه الأزمة نتيجة التربية الإيمانية والجهادية والعلمية والعسكرية التي بذل فيها عماد الدين زنكي الأوقات ، وسخَّر من أجلها طاقات الأمراء والعلماء ، فأفرزت هذا الجيش المسلم القوي ، وهذا الشعب المسلم الصابر .

وترك الإمبراطور البيزنطي حلب يائسًا ، وإتجه إلى حصن الأثارب غرب حلب ، وكانت به حامية إسلامية بسيطة ، فآثرت أن تنسحب لأن إحتمال هلكتها قريب ، وبالتالي إمتلك الإمبراطور البيزنطي حصن الأثارب ، ووضع فيه أسرى وسبايا مدينة بزاغة ، الذين كان الإمبراطور يستصحبهم معه في طريقه ، ثم وضع معهم حامية بيزنطية ، وأكمل طريقه غربًا وجنوبًا حيث إحتل معرَّة النعمان وكفرطاب ، ويَمَّم وجهه تجاه شيزر !

ورأت الحامية الإسلامية في حلب أن الجيوش النصرانية قد رحلت عن المدينة ، فأرسلوا خلفهم العيون لتعرف مسارهم .. وأدرك الأمير سوار أمير حلب أن البيزنطيين تركوا الأسرى والسبايا المسلمين في حصن الأثارب ، وتركوا معهم حامية بيزنطية صغيرة ، فإنتهز الفرصة ، وخرج من حلب مسرعًا في فرقة من جيشه ، وحاصر حصن الأثارب ، ثم ما لبث أن أسقطه وقتل عددًا من جنود الحامية البيزنطية وأسر الباقي ، وحرَّر كل الأسرى والسبايا المسلمين ، وعاد بهم جميعًا إلى حلب !

وإرتفعت معنويات المسلمين إلى السماء ، ووصلت الأخبار إلى جيش عماد الدين زنكي المرابض عند سَلَمْيَة ، فازداد إصراره على الجهاد ، وقويت نفوس الجند ، وشعروا جميعًا بمعيَّة الله لهم .

أما الإمبراطور البيزنطي فقد آثر أن يتجه إلى شيزر لأنها إلى الآن إمارة مستقلة ، وعلى رأسها سلطان بن منقذ ، وهي ليست تابعة لعماد الدين زنكي ، وبالتالي فإن الإمبراطور البيزنطي سيواجه إمارة ضعيفة نسبيًّا دون أن يستثير غضب الزعيم العنيد عماد الدين زنكي !

هكذا ظنَّ الإمبراطور البيزنطي ، ولكن الواقع كذَّب ظنونه !

لقد أرسل سلطان بن منقذ - مع رغبته الشديدة في الإحتفاظ بإستقلاله عن عماد الدين زنكي - رسالة إستغاثة عاجلة إلى عماد الدين زنكي ، فلم يتردد عماد الدين زنكي لحظة ، بل توجه بقوته الرئيسية فورًا لإنقاذ شيزر ، وعبر نهر القويق (وهو أحد روافد نهر الفرات) ، وتجاوز مدينة حماة التابعة له ، فجعلها في ظهره ليحتمي بحصونها إذا حدث تفوق للجيش البيزنطي ، ثم تقدم في إتجاه شيزر حتى عسكر في منتصف الطريق بين شيزر وحماة ، وأرسل العيون الاستخباراتية لتنقل له الأخبار .

جاءت الأخبار بعد قليل أن الجيوش النصرانية تخرج عن حد الإحصاء ، وأنها أضعاف جيش عماد الدين زنكي ، وأن البيزنطيين والصليبيين قد نصبوا ثمانية عشر منجنيقًا حول شيزر ، هذا إضافةً إلى آلات الحصار الضخمة ، وأن أعلام الجيوش النصرانية تشمل قوات الدولة البيزنطية وإمارة أنطاكية وإمارة الرها ، إضافةً إلى كتيبة الداوية !

علم عماد الدين زنكي من هذه الأخبار أن قتال هذه الجموع الهائلة قتالاً مفتوحًا أمرٌ غير مأمون ؛ ولذلك عزم عماد الدين زنكي على إتِّباع سياسة أخرى في القتال ، تضمن له نتائج أفضل .. فماذا فعل بطلنا الموهوب ؟!

لقد قرر أن يعمل في وقت واحد على عدة محاور :

المحور الأول : حرب الإستنزاف
وقد إستخدم عماد الدين زنكي هذا الأسلوب لكي يتجنب الصدام مع القوة النصرانية بكاملها ، فكان يُرسِل فرقة كبيرة من جيوشه تقترب من شيزر ، فإذا رآها النصارى إقتربوا منها ليقاتلوها ، فينسحب عماد الدين زنكي تدريجيًّا ليبعدهم عن القوة الرئيسية المحاصِرة لشيزر ، ثم يصطدم بهم فيقتل منهم ويأسر ! وظل يتبع هذا الأسلوب حتى أرهق الجيوش النصرانية دون أن يعطيها فرصة لقتاله قتالاً مفتوحًا .

المحور الثاني : قطع التموين عن الجيوش النصرانية

حيث أرسل فرقًا من جيشه تحاصِر الطرق خلف الجيش النصراني ، وبذلك تمنعه من تحصيل المواد والمؤن بشكل ثابت ؛ مما يؤدي مع مرور الوقت إلى ضائقة قد تمنع من إمكانية الجيش على الصبر فترة طويلة .

المحور الثالث : محور الحرب النفسية

لقد راسل عماد الدين زنكي القوات المتحالفة ، وأظهر لهم أن قوته ضخمة وكبيرة ، وقال لهم في سخرية : "إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال ، فإخرجوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي ، فإن ظفرتم أخذتم شيزر ، وإن ظفرنا بكم أرحتُ المسلمين من شرِّكم !" .

ولقد كان عماد الدين زنكي يعلم أن قوته أضعف من قوتهم ، ولم يكن له رغبة في خروجهم ، ولكنه كان بهذه الكلمات يحطمهم نفسيًّا ، ويشعرهم أن قوته أكبر من قوتهم ، وأنه واثق تمام الثقة من نفسه وجيشه ، وكان هذا - ولا شك - ليرهبهم ، وقد ظهرت هذه الرهبة بوضوح في كلمات الإمبراطور البيزنطي عندما أشار عليه بعض قادة الصليبيين أن يخرج لقتال عماد الدين زنكي ، فقال في جزعٍ : "أتظنون أنه ليس من العسكر إلا ما ترون ؟ إنما يريد أنكم تلقونه ، فيجيء إليه من نجدات المسلمين ما لا حدَّ عليه" .. وهكذا أدَّى هذا الإستفزاز إلى إرهاب الإمبراطور البيزنطي ، ومنعه من التفكير في التقدم جنوبًا .

المحور الرابع : فك الإتحاد بين قوات التحالف !

وقد قام عماد الدين زنكي في هذا الصدد بعمل رائع إذ أرسل خطابات إلى زعماء القوات الصليبية يُعلِمهم أن الإمبراطور البيزنطي إذا إستولى على حصن واحد بالشام أخذ البلاد التي بأيديهم منه .. ولا شك أن هذا الكلام وقع موقعه من الصليبيين لسابق العهد بسياسة الدولة البيزنطية ، وذكَّرهم هذا بالصراع الطويل ، والمنافسة المستمرة التي كانت بين الإمبراطور ألكسيوس كومنين أبي الإمبراطور يوحنا كومنين ، وبين أسلافهم من زعماء الحملة الصليبية .

ولم يكتفِ عماد الدين زنكي بذلك ، إنما أرسل رسالة إلى الإمبراطور البيزنطي نفسه يخبره أن الصليبيين في بلاد الشام خائفون منه ، فلو فارق مكانه تخلَّوا عنه ! وكانت هذه الكلمات تؤثر أيضًا في الإمبراطور البيزنطي ؛ لأن تاريخ الصليبيين يشهد أنهم أخذوا أنطاكية ومدن إقليم قليقية على خلاف معاهدة القسطنطينية القديمة ، مما يوحي أن الصليبيين قد يغدروا به إذا تم لهم الإنتصار !

وهكذا ألقى عماد الدين زنكي الشك في قلوب المتحالفين ، حتى صار كل طرف على وجل من الطرف الآخر ، وهكذا فترت عزيمة الطرفين على إكمال القتال .

بهذه الخطة المتوازنة جدًّا بدأ البيزنطيون يتململون من البقاء في الحصار الطويل حول شيزر ، خاصةً أن المدينة حصينة جدًّا ، وقد يتطلب إسقاطها عدة أسابيع أو أشهر , وهكذا وصل الجيش النصراني إلى حالة من التردد وخيبة الأمل ، خاصةً بعد تزايد أعداد القتلى والأسرى في جيوشهم دون نصر واضح يحققونه .

ثم إن الله أراد أن يعجِّل برحيل القوات البيزنطية ، وذلك عن طريق حدوث أربعة أمور في وقت متزامن ، كان لها أكبر الأثر في تغيير إستراتيجية الجيوش النصرانية :

أما الأمر الأول فهو وصول الأخبار بإستجابة ركن الدولة داود بن سقمان لنداء عماد الدين زنكي ، وقدومه على رأس خمسين ألف تركماني دفعة واحدة ! وقد حرص عماد الدين زنكي على إيصال هذه الأخبار للجيش النصراني ليزيد من هزيمته النفسية .

وأما الأمر الثاني فهو وصول الأخبار أيضًا بإتحاد جيش سلاجقة الروم والدانشمنديين وهجومهم على مدينة أذنة في إقليم قليقية ، وهذه المدينة كانت قد دخلت تحت سيطرة الدولة البيزنطية ، ومن ثَمَّ فهذا يعني أن الدولة البيزنطية بدلاً من أن تزيد أملاكها ، فإنها ستفقد منها أجزاء مهمة .

وأما الأمر الثالث فهو صراع داخلي نشأ بين قواد الصليبيين ريموند بواتييه وجوسلين الثاني ! فقد كان كلٌّ منهما يكره الآخر ويخاف من إزدياد نفوذه ، فكان جوسلين الثاني يرى أن وجود ريمون بواتييه في شيزر وحلب إذا نجح الجيش البيزنطي في إسقاطهما سوف يضيِّق عليه حريته ، حيث سيفصل بينه وبين مملكة بيت المقدس الراعية للجميع .. وعلى الجانب الآخر فإن ريموند بواتييه كان في شكٍّ كبير أن تستقر الأمور لصالحه إذا تكوَّنت هذه الإمارة المزعومة ؛ لأنه يرى أن الجيوش الضخمة لم تفلح في التقدم خطوة في إحتلال حلب أو شيزر ، فكيف سيكون الحال إذا رحلت جيوش الإمبراطورية البيزنطية ! وهذه الهواجس عند جوسلين الثاني وريموند بواتييه قادت إلى نزاع بين الطرفين وخصام ، إضافةً إلى أن جوسلين الثاني قام بالوشاية بين ريموند بواتييه والإمبراطور البيزنطي مما أدَّى إلى فتور العَلاقة بينهما .

أما الأمر الرابع والأخير , فهو قدوم عرض من أمير شيزر إلى الإمبراطور البيزنطي يعرض عليه مبلغًا كبيرًا من المال يعوِّضه عن نفقات الحرب على أن يسحب قوَّاته فورًا ، ويرفع الحصار عن شيزر ! وهكذا أخذ الإمبراطور البيزنطي يُقَلِّب الأمر في ذهنه من جديد ، ووقع في حيرة شديدة فيما يجب أن يفعله ، فإستمرار القتال قد يؤدِّي إلى هلكة له ولجيشه ، والإنسحاب ضربة كبيرة لكرامته ، فماذا يفعل ؟

لا شك أن أفكارًا كثيرة تضاربت في عقله ، ولا شك أنه قد أخذ يجمع النقطة إلى جوار النقطة ، والحدث إلى جوار الحدث ليخرج في النهاية بقرار .
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

ولنتجول معًا في عقل الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين !

أولاً : حصار شيزر إستمر حتى هذه اللحظة ثلاثة أسابيع دون أي تقدم .

ثانيًا : مدينة شيزر مدينة ثرية جدًّا ، وتموينها الداخلي كثير جدًّا ، وعليه فهي تستطيع المطاولة في الحصار فترة طويلة جدًّا .

ثالثًا : القوات البيزنطية فَقَدت حتى الآن أعدادًا كثيرة من الجنود ما بين قتيل وأسير ، سواء حول أسوار حلب ، أو في حصن الأثارب ، أو حول أسوار شيزر ، أو في المعارك المتكررة مع عماد الدين زنكي . وفي نفس الوقت فالقوات البيزنطية فقدت الأسرى المسلمين الذين أسرتهم من بُزَاغة ، حيث حرَّرهم الأمير سوار من حصن الأثارب ، وهذا يعني أن القوات البيزنطية خسرت دون مكسب !

رابعًا : قائد الجيوش الإسلامية عماد الدين زنكي ، قائدٌ عنيد مجاهد لا تلين له قناة ، وصبور لا تفتر له عزيمة ، ومحترف يتقن كل فنون الحرب ، ولا يبدو مطلقًا أنه يقبل بالهزيمة !

خامسًا : القوات الصليبية المساعدة له قوات ضعيفة ، وصراعاتها الداخلية كثيرة ، ولا يوجد عنصر الثقة المتبادلة بين الطرفين أبدًا .

سادسًا : مدينة أذنة على وشك الضياع ، ولا يقف الأمر عند مصيبة ضياعها ، ولكن قد يتطور الأمر إلى إغلاق طريق العودة على الجيوش البيزنطية ، وبذلك تحصر الجيوش البيزنطية بين سلاجقة الروم والدانشمنديين من ناحية ، وبين عماد الدين زنكي من ناحية أخرى .

سابعًا : الإمبراطور السابق رومانوس الرابع لم يقدِّر هذه الحسابات العسكرية ، ومن ثَمَّ خاض موقعة قديمة مع البطل الإسلامي السابق ألب أرسلان ، وهي موقعة ملاذكرد سنة (463هـ) 1070م ، وكانت نتيجتها كارثة على الإمبراطور البيزنطي وعلى الدولة البيزنطية بكاملها ، فهل يكرِّر يوحنا كومنين الخطأ الذي وقع فيه الإمبراطور السابق ، أن ينجو بنفسه وبجيشه ؟!

ثامنًا : كل هذه التطورات الخطيرة تحدث من جيش عماد الدين زنكي فقط ، فماذا لو جاء جيش الأراتقة التركماني ، وقوامه - كما نقل الجواسيس - خمسون ألف مقاتل ؟! لا شك أن القوات البيزنطية ستوضع عندها في مأزقٍ خطير !

تاسعًا : وصلت الأنباء أيضًا أن عماد الدين زنكي أرسل مبعوثًا إلى السلطان مسعود سلطان السلاجقة العظام ! فماذا لو جاء جيش كثيف من بغداد يقوده السلطان مسعود حفيد السلطان ألب أرسلان الذي سَحَق قبل ذلك بتسعة وستين عامًا جيشَ الدولة البيزنطية ؟!

عاشرًا : إذا إنسحب الإمبراطور البيزنطي دون أي نتيجة فقد يتعرض للوم كبير في البلاط البيزنطي قد يؤثِّر في منصبه ، أما الآن فأمامه فرصة كبيرة أن يحقِّق شيئًا ، وذلك أن يقبل بالمبلغ الضخم الذي سيدفعه أمير شيزر تعويضًا عن نفقات الحرب الباهظة ، كما أنه سيترك حامية في مدينتي بزاغة وكفرطاب لتُصبِحا قواعد متقدمة للجيش البيزنطي في أرض الشام ، وسوف يعود الإمبراطور البيزنطي مسرعًا إلى مدينة أذنة ليحميها من السلاجقة الروم والدانشمنديين ، وقد يحقق إنتصارًا عليهما يرفع قليلاً من أسهمه ، ويعوِّضه عن حملته الفاشلة إلى بلاد الشام !

إذن بإستعراض هذه الأمور العشرة التي جالت في ذهن الإمبراطور ندرك أن التحليل المنطقي ، والتفكير السليم يقضيان بأن يأخذ الإمبراطور البيزنطي القرار الجريء بالإنسحاب الفوري من حوله أسوار شيزر ، قابلاً بالطرح الذي قدمه أمير المدينة ، وذلك قبل أن يفقد كل شيء ، ولا يجد حتى هذا الطرح أمامه !

وهذا هو الذي حدث بالفعل ! وأعلن الإمبراطور البيزنطي الكبير إنسحابه وجميع القوات المتحالفة من حول مدينة شيزر بعد ثلاثة وعشرين يومًا من الحصار !

لقد أعلن الإمبراطور البيزنطي بوضوح فشله في كسر الإرادة الإسلامية ! لقد كان نصرًا خالدًا حقًّا ! لقد رحلت الآلاف المؤلفة من قوات التحالف البيزنطي الصليبي لتنجو بنفسها من أَتُّون المسلمين المحرق ! لقد رحلوا وهم لا يلوون على شيء ! رحلوا رحيلاً مخزيًا مشينًا ! لم ينظروا فيه إلى هيبتهم أو مكانتهم أو تاريخهم أو حتى مستقبلهم .

لقد كان يومًا من أيام الله المشهورة ، سمع به العالم أجمع ، وتكلم عنه المسلمون والنصارى ، ولفت أنظار المؤرخين الغربيين والشرقيين ، وصار علامة محفورة في أذهان أجيال وأجيال .

كانت هذه الأحداث في شهر رمضان 532هـ\ مايو 1138م ، أي بعد أقل من سنة على موقعة فتح بارين التي إنتصر فيها عماد الدين زنكي على جيوش إمارة طرابلس المتحدة مع مملكة بيت المقدس .. وهكذا صار عماد الدين زنكي بلا جدال البطل الإسلامي الأول ، ولم يكن أحد يستطيع إنكار هذه الحقيقة حتى لو كان في داخله يرفضها ، وصار لفظ "الدولة الزنكية" مقبولاً جدًّا ، فهذه هي الدولة الأولى بلا منازع في عالم الإسلام .

أما بطلنا الحبيب فلم يكتفِ بهروب القوات النصرانية بهذه الطريقة المشينة ، إنما تحرك في خطوات سريعة ، ليثبت للجميع أنه لم يتنفَّس الصعداء لأن الجيوش البيزنطية والصليبية رحلت ، بل هم الذين يجب أن يتنفسوا الصعداء لنجاتهم بحياتهم من أيدي المسلمين !

ماذا فعل بطلنا العظيم ؟!

أولاً : أسرع عماد الدين زنكي رحمه الله بجيشه خلف الجيش البيزنطي يطارده ، وإستطاع أن يصطدم مع مؤخرة الجيش البيزنطي ، وأن يقتل ويأسر ويغنم ، مما جعل البيزنطيين يُسرِعون الخُطَا في إتجاه بلادهم .

ثانيًا : تحرك عماد الدين زنكي بسرعة ليسيطر على آلات الحصار الثقيلة التي كان ينصبها البيزنطيون حول أسوار حلب ، فهذه آلات متطورة الصنع باهظة التكاليف ، وهي غنيمة عظيمة غالية .. وإستطاع بالفعل أن يستولي على معظمها ، وإضطر البيزنطيون إلى حرق البقية لعدم مقدرتهم على الحركة السريعة وهم يجرون هذه الآلات الضخمة .

ثالثًا : أرسل عماد الدين زنكي سرية بقيادة صاحبه صلاح الدين الياغيسياني لإعادة فتح كفرطاب ، وإخراج الحامية البيزنطية منها .. وأفلح صلاح الدين الياغيسياني في ذلك في نفس الشهر الذي رحلت فيه القوات البيزنطية ، أي في رمضان سنة 532هـ .

رابعًا : فعل عماد الدين زنكي ما هو أعظم من ذلك ، إذ إستغل هذا النصر الكبير، وتحرك حركة مفاجئة في إتجاه حصن عرقة ، وهو من الحصون التابعة لإمارة طرابلس ، وإستطاع بعد حصار طويل وقصف مستمر أن يُسقِط الحصن ، وأن يأسر مَن به من الصليبيين .

وكانت حركة في منتهى الذكاء منه ، إذ كان المتوقع أن يهاجم إمارتي أنطاكية والرها إنتقامًا من زعيميهما اللذين شاركا الإمبراطور البيزنطي في الحملة ، إلا أنه هاجم إمارة طرابلس التي لم تكن مستعدة لهذا الهجوم المباغت .

خامسًا : لم ينس عماد الدين زنكي قضية توحيد الأمة ، ومن ثَمَّ فبمجرد رحيل القوات البيزنطية ، وأثناء رمضان سنة 532هـ ، عاد عماد الدين زنكي بسرعة إلى حصار حمص آملاً أن يفلح في إسقاطها , وهكذا لم يترك عماد الدين زنكي فترة في حياته للراحة حتى بعد هذا الجهد الكبير الذي بُذِل حول أسوار شيزر .

لكن في هذه المرة التي حاصر فيها عماد الدين زنكي رحمه الله مدينة حمص ، فكر أن يأخذها بطريقة أخرى توفِّر عليه كثيرًا من العناء ، وقد تفتح الباب لضم مدن أخرى في المستقبل ! لقد فكر عماد الدين زنكي أن يتزوج زواجًا سياسيًّا مهمًّا يكفل له التقرب من حاكم دمشق شهاب الدين محمود بن بوري ، وهكذا طلب عماد الدين زنكي الزواج من صفوة الملك زمرد خاتون أم شهاب الدين محمود في مقابل أن يأخذ مدينة حمص !

وقد يتساءل أحدٌ : كيف يتزوج ثم يأخذ حمص بدلاً من أن يُعطِي هو شيئًا ؟! فنقول أنه - ولا شك - قد دفع الكثير من أمور المهر والهدايا الثمينة إلا أنه يطلب حمص في مقابل الشرف الكبير الذي تناله مَن تتزوج من عماد الدين زنكي رحمه الله !

فعماد الدين زنكي الآن يحكم أكبر إمارة في العالم الإسلامي ، ثم إنه البطل المغوار الذي يحقق الإنتصارات المتتالية على الصليبيين والبيزنطيين , ولا شك أن الإرتباط بهذا الرجل شرف ما بعده شرف .

وقد تم لعماد الدين زنكي ما أراد فعلاً ، ووافق شهاب الدين محمود على هذا الزواج ، وتم فعلاً في نفس الشهر أيضًا ، أي في شهر رمضان 532هـ ، وهكذا دخلت حمص في إمارة عماد الدين زنكي !

وقبل أن نترك الأحداث في هذه الفترة نريد أن نعرف ماذا تم في أمر الإستغاثة التي أرسلها عماد الدين زنكي إلى السلطان مسعود السلجوقي في بغداد ، والتي حملها القاضي كمال الدين الشهرزوري !

لقد وصل كمال الدين إلى بغداد بسرعة ، وإلتقى بالسلطان مسعود ، وعرَّفه عاقبة التواني عن نصرة المسلمين في أرض الشام ، وخوَّفه بما يفهمه من أمور ضياع الملك والسلطان ، فأخبره أن البيزنطيين إذا ملكوا حلب فإنهم سينحدرون مع نهر الفرات إلى بغداد نفسها , فتحتل عاصمة الخلافة !

ماذا كان ردُّ فعل السلطان السلجوقي مسعود ؟! يقول إبن الأثير رحمه الله : " فلم يجد عنده حركة !!" .. أي أن السلطان قابل الأمر ببرود شديد ، وكأنه جمادٌ لا روح فيه ! فلم يُبْدِ أي إنفعال ، ولم يظهر عليه أي تأثُّر ، وكأن القضية لا تعنيه بالمرَّة !

خرج القاضي كمال الدين الشهرزوري محبطًا من عند السلطان مسعود ، ولكنه فكر أن يمارس عليه ضغطًا يحرِّك حميَّته ! لقد أمر كمال الدين أحد أصحابه أن يمضي إلى جامع القصر ، وهو الجامع الذي يصلي فيه الخليفة ، وأن يأخذ معه مجموعة من الأعوان ، ثم بمجرد صعود الخطيب إلى المنبر يقوم هذا الرجل ، ويقوم معه أصحابه فيصيحون جميعًا : "واإسلاماه ، وادِينَ محمَّداه" ، ثم يشق ثيابه ، ويلقي عمامته ، ثم يخرج إلى دار السلطان يستغيث ويستغيث معه الناس .

ثم وضع كمال الدين رجلاً آخر يقوم بنفس الفعل في مسجد السلطان ، ليتبعه الجميع بعد ذلك إلى دار السلطان أيضًا .

لقد كانت خطة لإثارة الجماهير في بغداد ، لتضغط شعبيًّا على السلطان ، وذلك بصورة تخيفه من حدوث إنقلاب عليه ، وهذا - لا شك - سيثير السلطان ، خاصةً والصراع ما زال مستمرًّا مع إبن أخيه داود بن محمود حول كرسيِّ السلطنة ، وقد يصطاد الملك داود في الماء العكر ، ويحرِّك الناس لجهاد الصليبيين ، وهذا سيسبِّب حرجًا كبيرًا للسلطان مسعود !

ونجحت الخطة ، وتحركت الجماهير الغاضبة تصيح : واإسلاماه ، وامحمداه .. وكانت مظاهرة ضخمة أرعبت السلطان ، وصاح من فوره : إحضروا لي إبن الشهرزوري ! فأُحضر له ، فقال السلطان : "أي فتنة أثرت ؟!" فردَّ كمال الدين : "ما فعلت شيئًا ، أنا كنت في بيتي ، وإنما الناس يغارون للدين والإسلام ويخافون عاقبة هذا التواني" .. فقال السلطان مضطرًّا : "إخرجْ إلى الناس ففرِّقهم عنَّا ، وإحضرْ غدًا وإخترْ من العسكر ما تريد !" .

فخرج كمال الدين الشهرزوري إلى الناس ، وسكَّنهم وعرَّفهم أن السلطان سيجهز الجنود لنجدة المسلمين في الشام .. وفي الغد ذهب كمال الدين الشهرزوري إلى السلطان فوجده قد جهَّز جموعًا عظيمة من الجند ، لدرجة أن كمال الدين خاف من هذه الجموع الكبيرة ، وتوقع أن السلطان ينوي أن يضم الشام إلى أملاكه بعد أن يحارب البيزنطيين والصليبيين ، فأرسل كمال الدين الشهرزوري بسرعة إلى نصير الدين بن جقر أمير الموصل يستشيره ، ولم يرسل لعماد الدين زنكي لبُعد المسافة ، فقال نصير الدين : " البلاد لا شك مأخوذة ، فلأن يأخذها المسلمون خير من أن يأخذها الكافرون !" .

لقد كان نصير الدين يتمتع بنفس الرؤية التي عند عماد الدين زنكي ، فأجاب بنفس الكلمات التي أجاب بها عماد الدين زنكي عندما إعترض عليه الناس حين فكَّر في إستقدام السلطان مسعود .

وهكذا تجهزت الجيوش وأوشكت على الرحيل ، إلا أنه في الوقت الذي كادت أن تتحرك فيه وصلت رسالة عاجلة من عماد الدين زنكي يخبر فيها كمال الدين الشهرزوري برحيل الإمبراطور البيزنطي ، وبإنتصار المسلمين ، ومن ثَمَّ فلا داعي لحركة الجيوش من بغداد إلى حلب !

وبهذا تكون الأمور - بفضل الله - قد سارت لصالح عماد الدين زنكي ، ولم يضطر إلى الدخول في مواجهة قد تكون مؤسفة مع جيوش السلطان مسعود .

وإزاء هذا الوضع الجديد ، وقد ذاع صيت عماد الدين زنكي في كل مكان ، وإعترف الجميع بفضله وجهده ، وصار له الدعاء على كل منابر المسلمين ، فكر السلطان مسعود فيما يجب أن يفعله مع عماد الدين زنكي ! إنه لا يستطيع الآن أن يهاجمه أو يأمره بشيء يغضبه ؛ لأن عموم جمهور المسلمين سيقف مع عماد الدين زنكي لا شك ؛ ولذلك فكر السلطان مسعود في إحتواء عماد الدين زنكي، والتعامل معه كقائد كبير من قواده ، وبالتالي أرسل له فورًا التشريفات والخلع ، وهنَّأه بالنصر الكبير ، وبالإنجاز الذي حققه للمسلمين ، وعامله كأمير من أمرائه التابعين له ، لا كقائد دولة منفصلة عنه ، وقَبِل عماد الدين زنكي هذا الأسلوب ، فهو لم يكن يريد أن يدخل في صراعات لا معنى لها ، إنما كان يريد أن يفرِّغ كل جهده لتوحيد المسلمين ، ولإخراج الصليبيين من الأرض الإسلامية .

وهكذا إنتهت سنة 532هـ نهاية سعيدة على المسلمين ، بعد أن وضحت الرؤية لعموم الناس ، وأضحى هناك أمل كبير في إخراج الصليبيين بعد أن عرف المسلمون طريق الوحدة والجهاد .

وقبل أن نترك هذه السنة المتميزة في تاريخ هذه الفترة نشير إلى حدث مهم شهدته هذه السنة ، ولم يلفت أنظار الناس آنذاك ، وإن كان أثره في المسلمين - بل على العالم - بعد ذلك سيصبح كبيرًا جدًّا .. وهذا الحدث هو ميلاد البطل الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي ! ومن عجيب الأمور أن صلاح الدين الأيوبي وُلِد في اليوم الذي عُزِل فيه أبوه نجم الدين أيوب من قيادة قلعة تكريت بعد خلاف حدث بينه وبين رئيس الشرطة في بغداد مجاهد الدين بهروز ، لدرجة أن أباه في بادئ الأمر كان يتشاءم منه ؛ لأنه ولد في اليوم الذي فقد فيه علمه ! ولم يكن يدرك أن صلاح الدنيا والدين سيكون في حياة هذا الوليد !

ولقد رحل نجم الدين أيوب ومعه أخوه أسد الدين شيركوه من تكريت إلى إمارة الموصل ليكونا في خدمة البطل عماد الدين زنكي ، وقد مر بنا قبل ذلك أن نجم الدين أيوب كان قد ساعد عماد الدين زنكي في عبور دجلة سنة 526هـ عند هزيمة عماد الدين زنكي من الخليفة المسترشد ، وقد قدَّم نجم الدين أيوب يومها العون كله لعماد الدين زنكي ، وآواه في القلعة عدة أيام ؛ ولذلك عندما وقعت له هذه الأزمة فكر في اللجوء إلى عماد الدين زنكي كي يجد العون عنده .. وقد كان عماد الدين زنكي عند حسن ظن نجم الدين أيوب ، فأحسن إستقباله ، وأقطعه بعض الإقطاعات ليختبر مهارته في القيادة ؛ تمهيدًا لتوليته منصبًا أكبر إذا أثبت كفاءته , وهكذا توطدت العَلاقة بين عماد الدين زنكي ونجم الدين أيوب ، وهذا هو الذي سيجعل العلاقة بعد ذلك قوية بين ابن عماد الدين زنكي وهو نور الدين محمود ، وبين صلاح الدين الأيوبي إبن نجم الدين أيوب .. فسبحان الذي يُسيِّر الكون بحكمته !

 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية


- عماد الدين زنكي وفتح الرها

مع عظمة الإنتصارات السابقة ، ومع تقدم المسلمين الواضح في قصة صراعهم مع الصليبيين ، إلا أن هذا التقدم الإسلامي كان يعيبه أمران ، وكان هذان العيبان لا يغيبان عن عماد الدين زنكي رحمه الله .

أما العيب الأول : فإن المعارك الإسلامية حتي الآن كانت في الأساس ردود أفعال ، بمعني أن الهجوم غالبًا ما يأتي من قِبَل الصليبيين أو البيزنطيين ، ثم يسرع عماد الدين زنكي بالرد بما هو مناسب .. ومع أن ردود عماد الدين زنكي كانت دائمًا قوية إلا أن هذه إستراتيجية غير آمنة ؛ حيث إن المهاجِم يباغت عدوه بما لا يتوقع ، ويختار أرض المعركة وزمانها، وقد يتعرض المسلمون حينها لظروف تمنع من الرد المناسب ، وكان عماد الدين زنكي يسعي للتغلب علي هذا العيب ، وأن يكون هو البادئ بالتخطيط والهجوم ، إلا أن هجمات الصليبيين المتوالية كانت تضيِّع عليه هذه الفرصة .

وأما العيب الثاني : فكون القوات الإسلامية تهاجم الإمارات الصليبية مجتمعة دون التركيز علي إمارة معينة ، وهذا يضع كل الإمارات في حالة إستنفار ، وفي نفس الوقت لا يُحدِث أثرًا كبيرًا ؛ حيث يشتِّت الجهود ، ويُضيِّع الطاقات ، ولا يحرِّر في النهاية إلا حصنًا أو مدينة ، بينما تبقي الإمارة صلبة مقاومة للإنهيار .

ولتلافي هذين العيبين رأي عماد الدين زنكي أن يوفر جهده فترة معينة من الزمن ، يهتم فيها بإعداد جيش قوي متماسك ومتناسق ، ويوحِّد إمارته بشكل أقوي ، ويضم إليها ما يلزم من أجزاء تسهِّل عليه مهمة جهاد الصليبيين ، وقد كانت هذه المرحلة التي تمر بها إمارة عماد الدين زنكي مناسبة لهذه الأفكار ، حيث خرج عماد الدين زنكي من الأحداث السابقة قويًّا مرهوبًا ، وبالتالي فلا يُتوقع من الإمارات الصليبية أن تغزو أو تثير غضبه .. كما أن جانب السلطان مسعود أصبح إلي حدٍّ كبير مأمونًا ، حيث أرسل التشريفات إلي عماد الدين زنكي ، وأقرَّ بإمارته وزعامته علي قطاع كبير من الدولة الإسلامية .

ولم يكن أمام عماد الدين زنكي إلا أن يحدِّد الإمارة الصليبية التي ينبغي أن يركِّز جهوده لحربها بغية إسقاطها بالكُلِّيَّة ، ثم يشرع في تمهيد الأمر لذلك ، ولو أخذ هذا الأمر عدة سنوات .

وبإستقرار الوضع الذي وصلت إليه الإمارات الصليبية المختلفة في هذا الوقت ، وجد عماد الدين زنكي أنه ينبغي أن يوجِّه جهوده ويكثِّفها لإسقاط إمارة الرها دون غيرها !

أما لماذا الرها دون بقية الإمارات ، فهذا لأسبابٍ :

أولاً : إمارة الرها هي أقرب الإمارات لقوات عماد الدين زنكي ، وبالتالي فإن حركة الجيوش الإسلامية إليها ستكون أسهل ، وإذا حدث - لا قدر الله - هزيمة للجيش الإسلامي فإنه سيجد حصونًا ومدنًا قريبة يستطيع أن يلوذ بها ، ومن ثَمَّ فإن فرصة تأمين القوات الإسلامية أعلي في حرب هذه الإمارة من غيرها .

ثانيًا : إمارة الرها هي أشد الإمارات خطورةً علي إمارة عماد الدين زنكي ، فهي قريبة جدًّا من الموصل وحلب وكل مدن إقليم الجزيرة ، وبالتالي فخروج الجيوش الإسلامية من حصونها لتهديد أمن القري والمدن الإسلامية يمثِّل إحتمالاً كبيرًا واردًا .. كما أن عماد الدين زنكي لا يستطيع أن ينطلق لحرب أنطاكية أو طرابلس ويترك خلف ظهره هذه الإمارة الصليبية الحصينة ؛ فقد تقطع عليه طريق العودة ، أو تهاجمه من ظهره ، ولا يخفي خطورة ذلك علي الجيش المسلم .

ثالثًا : إمارة الرها غير مستقرة ، حيث إن تركيبتها السكانية تجعل أحوالها مضطربة ، وكذلك تاريخها يشهد بعدم الإستقرار ؛ فإمارة الرها تعتمد علي الأرمن في حياتها .. ومع كون الأرمن نصاري مثل الصليبيين إلا أنهم كانوا يبغضونهم أشدَّ البغض ، والتاريخ يشير إلي أكثر من مذبحة إرتكبها الصليبيون الكاثوليك في حق الأرمن ؛ مما جعلهم في وجلٍ دائم من الصليبيين , وقد حدث في تاريخهم أكثر من مرة أن تراسلوا مع المسلمين ليخرجوهم من أزمتهم مع الصليبيين ؛ ولذا فأوضاع هذه الإمارة الداخلية قد تسهِّل علي عماد الدين زنكي مهمته ..

رابعًا : علي رأس إمارة الرها جوسلين الثاني ، وهو أضعف الأمراء الصليبيين الآن ، ولم يكن علي كفاءة أبيه مطلقًا ، ولم يكن يُؤثِر القتال والنزال ، ولعل الهجوم علي إمارته يكون أسهل من غيره .

خامسًا : إمارة الرها إمارة داخلية ، أي أنها بعيدة عن ساحل البحر الأبيض المتوسط ، وبالتالي فإنها تفتقر إلي الإمدادات البحرية من السفن الإيطالية التي طالما نجدت الإمارات البحرية كأنطاكية ، وطرابلس ، ومملكة بيت المقدس .

سادسًا : الهجوم علي إمارة الرها لن يستثير الإمبراطورية البيزنطية لبُعدها عن حدودها ، ولقلة طمعها فيها ، بينما لو هجم عماد الدين زنكي علي إمارة أنطاكية لحرَّك ذلك جيوش الدولة البيزنطية التي تشعر أن لها حقًّا في هذه الإمارة بشكل خاص .

لهذه الأسباب فإن فرصة إسقاط المسلمين لهذه الإمارة أقرب من غيرها ، وعليه فيجب تكثيف الجهد لتحقيق هذا الهدف ، ولا مانع من الإنتظار عدة سنوات ليصبح العمل متقنًا ، وتصبح فرصة نجاحه أفضل .

ولا شك أن الإنتظار لا يعني أنها فترة سكون بلا عمل ، لكنها فترة إعداد وتجهيز ، والهدف في آخرها واضح ، وهذا الذي جعل الخطوات في هذه الفترة كلها تصبُّ في مصلحة واحدة .

ولقد رأي عماد الدين زنكي رحمه الله أن عليه أن يعمل في محورين رئيسيين :

المحور الأول : هو تمهيد أرض الجزيرة ليومٍ تُهَاجَم فيه إمارة الرها .

فأرض الجزيرة بها تجمعات تركمانية كثيرة ، والأوضاع فيها غير مستقرة ، والتعاون الذي بين عماد الدين زنكي وحسام الدين تمرتاش تعاون ضعيف غير مبنيٍّ إلا علي خوف حسام الدين تمرتاش من قوة عماد الدين زنكي أو طمعه في عطاياه ، والأحلاف التي من هذا النوع كثيرًا ما تسقط وتتهاوي عند تعارض المصالح .. كما أن ركن الدولة داود وإن كان قد وعد بالقدوم علي رأس خمسين ألفًا نجدةً لشيزر ، إلا أنه متصلب الرأي جدًّا ، وحارب عماد الدين زنكي قبل ذلك مرارًا ، وله أتباع وأعوان، ولا يستبعد أبدًا أن يُحدِث مشاكل مستقبلية .

وبالنسبة لعماد الدين زنكي فإنه لا يستطيع أن يفتح الرها بينما أحوال الجزيرة مضطربة ؛ لأنه لكي يتجه للرها لا بد أن يعبر الجزيرة ، ولو ضغط عليه الصليبيون فلا بد أن تكون له قاعدة قوية يرجع إليها آمنًا ؛ ولهذا فإستقرار الجزيرة أمرٌ حتمي لفتح الرها .

المحور الثاني : محاولة ضم مدينة دمشق .

فمدينة دمشق هي أهم مدن الشام مطلقًا ، ومن أحصنهم عسكريًّا ، ومن أكثرهم كثافة للسكان ، ومن أغناهم ثروة في المال والسلاح ، كما أنها بموقعها الإستراتيجي جدًّا تشرف علي عدة محاور في غاية الأهمية ؛ فهي قريبة جدًّا من عدة مدن إسلامية محتلة مثل بيروت وصيدا وعكا وطبرية ، كما أنها قريبة من إمارة طرابلس ، وكذلك هي في الطريق إلي بيت المقدس ، وهي تشرف علي الطريق بين بيت المقدس في الجنوب ، وإمارات الشمال طرابلس وأنطاكية والرها ؛ ولهذا فضم دمشق يعتبر خطوة كبيرة في طريق وَحْدة صلبة تهدف إلي تكوين قوة حقيقية قادرة علي دَحْر الصليبيين وطردهم من بلاد المسلمين .

كان هذان المحوران هما الشغل الشاغل لعماد الدين زنكي في هذه الفترة ، وقد وجَّه إليهما قوته في خلال السنوات الخمس التي أعقبت رحيل القوات البيزنطية عن أرض المسلمين .

وكما توقع عماد الدين زنكي فقد حدثت بعض المشاكل والإضطرابات من حسام الدين تمرتاش الذي لم يقنع بالمنح التي يعطيها له عماد الدين زنكي ، وشعر أن عماد الدين زنكي بعد إنتصاراته الكثيرة سيصبح الزعيم الأوحد ، وبذلك ستضيع أحلام حسام الدين تمرتاش في الطريق ؛ ولهذا قام حسام الدين تمرتاش بخطوة جريئة خطيرة ، وهي التراسل مع الأمير أبي بكر نائب عماد الدين زنكي علي نصيبين لتحفيزه علي الإنقلاب علي عماد الدين زنكي ، وبالفعل خرج الأمير أبو بكر علي عماد الدين زنكي مما سبَّب حرجًا بالغًا .

ولا ننسي أن نصيبين كانت من أملاك حسام الدين تمرتاش قبل أن يضمها عماد الدين زنكي لدولته سنة 524هـ ، ولكن عماد الدين زنكي إستطاع أن يسيطر علي الأمور في نصيبين ، ومع ذلك إستطاع الأمير أبو بكر أن يهرب إلي حسام الدين تمرتاش ، وهنا طلب عماد الدين زنكي تسليم الأمير أبي بكر ، فرفض حسام الدين تمرتاش ، ودارت مفاوضات طويلة ومنازعات بين الطرفين ، ومع ذلك أصرَّ حسام الدين تمرتاش علي عدم تسليم الأمير أبي بكر لعماد الدين زنكي ، فإضطر عماد الدين زنكي إلي التلويح بالحلِّ العسكري ضد الحليف حسام الدين تمرتاش ؛ فلجأ حسام الدين إلي حلٍّ وسط حيث سلَّم الأمير أبا بكر إلي السلطان مسعود علي إعتباره سلطة أعلي ، غير أن السلطان مسعود رأي أن وضع عماد الدين زنكي الآن لا يسمح بأيِّ نوع من المساومات ، وأن أي نزاع بين الطرفين قد لا يكون في مصلحة السلطان مسعود ؛ ولذلك سلَّم السلطان مسعود الأمير أبا بكر إلي عماد الدين زنكي كدليلٍ علي العلاقات الودية بين الطرفين ! وكانت هذه الأحداث في سنة 533هـ .

إنتهت مشكلة نصيبين والأمير أبي بكر ، لكن أدرك عماد الدين زنكي خطورة الوضع في بلاد الجزيرة ، ومع ذلك فإن عماد الدين زنكي لم يؤثر الإصطدام مع حسام الدين تمرتاش ، بل لجأ إلي التسكين والعتاب ، وجرت الأمور في صالحه إذ حدث أن هجم ركن الدولة داود بن سقمان علي بعض أملاك حسام الدين تمرتاش مما إضطره إلي اللجوء إلي عماد الدين زنكي ، الذي قَبِل بدوره أن يتم الصلح بينه وبين حسام الدين تمرتاش ليعود الحلف إلي سابق عهده ، ولتبقي المشكلة الرئيسية في المنطقة هي مشكلة ركن الدولة داود بن سقمان .

وفي نفس السنة هدأت الأمور بفضل الله في مدينة حرَّان ، حيث كانت قد شهدت قبل ذلك إنقلابًا هي الأخري علي يد أحد أتباع عماد الدين زنكي ، وهو سوتكين الكرجي ، إلا أنه مات فجأةً في سنة 533هـ لتعود المدينة بسلام إلي طاعة عماد الدين زنكي .

وبينما تتجه الأمور نحو الإستقرار النسبي في أرض الجزيرة ، إذا بالأحداث تتطور فجأة في دمشق !

لقد مر بنا أن عماد الدين زنكي تزوج أم حاكم دمشق شهاب الدين محمود ، التي كان لها كلمة مسموعة في بلاط دمشق ؛ ليسهل عليه ضم دمشق بعد ذلك بجهود سياسية ، إلا أن الأخبار أتت في شوال 533هـ بمقتل شهاب الدين محمود علي يد أحد رجاله ! وقد يكون وراء هذه المؤامرة معين الدولة أَنُر قائد الجيش ، وأقوي الشخصيات المؤثِّرة في دمشق .

ويؤيِّد ذلك أن معين الدين أنر نصَّب علي الحكم أخًا غير شقيق لشهاب الدين محمود ، وهو جمال الدين محمد بن بوري ، وهو من أمٍّ أخري غير صفوة الملك زمرد خاتون زوجة عماد الدين زنكي ؛ وبذلك يضمن معين الدين أنر أن الأمور كلها تكون في يده ، ويُبعِد بذلك زمرد خاتون عن التحكُّم في دمشق ، ويبعد بالتالي زوجها عماد الدين زنكي عن الوصول لأسرار الحكم في دمشق .. كما أن الزعيم الجديد الضعيف جدًّا جمال الدين محمد سيجعل كل الأمور في يد معين الدين أنر ، وبذلك تصبح له السلطة الفعلية في دمشق .

وقد حدث لمعين الدين أنر ما يتمني ، وسلَّم له جمال الدين محمد كل مقاليد الأمور في دمشق ، بل وأقطعه مدينة بعلبك المهمة ، التي تسيطر علي الطريق المؤدية إلي دمشق من شمالها ، وهي المدينة الوحيدة الآن في شمال دمشق ، والتي لم تدخل بعدُ في حكم عماد الدين زنكي ، ولو سقطت أصبح الطريق مفتوحًا إلي دمشق .

وصلت هذه الأخبار المزعجة إلي عماد الدين زنكي ، والتي قوَّضت أحلامه في السيطرة السياسية علي دمشق ، وكان عماد الدين زنكي آنذاك في الموصل ، وبعدها بقليل تسلَّم رسالة أخري من حلب من زوجته زمرد خاتون تطلب منه فيها أن يتوجه إلي دمشق ؛ لينتقم لمقتل إبنها شهاب الدين محمود ، ويقيم الحد علي قاتله .. وتزامن أيضًا مع وصول هذه الرسالة ، وصول بهرام شاه بن بوري ، وهو أخو جمال الدين محمد بن بوري زعيم دمشق الجديد ، وقد وصل إلي الموصل يطلب من عماد الدين زنكي مساعدته للوصول إلي الحكم هناك علي أن يكون مواليًا له !

جمَّع عماد الدين زنكي هذه النقاط إلي جوار بعضها البعض ، ووجد أن عليه ألا يضيِّع وقته ، فأخذ جيشه في ذي القعدة 533هـ\ يوليو 1139م وتوجه فورًا إلي دمشق ! , وجد عماد الدين زنكي وهو في طريقه إلي دمشق أن حصار دمشق دون إسقاط بعلبك سيمثِّل خطورة حقيقية علي جيشه ؛ إذ قد يُحصر بين حامية بعلبك وجيش دمشق ، وعلي ذلك فقد غيَّر عماد الدين زنكي من وجهته ، وإتجه إلي بعلبك حيث ضرب عليها الحصار إبتداءً من يوم 20 من ذي الحجة 533هـ ، ونَصَب حولها أربعة عشر منجنيقًا ، ودعا أهلها للتسليم دون قتال إلا أن أهلها رفضوا ، ومن ثَمَّ بدأت المجانيق تقصف ليلَ نهار ، وضرب الحصار المحكم حول المدينة وهي تقاوم ، وإستمر حصاره لها أكثر من أربعين يومًا متصلة ، ثم سقطت المدينة أخيرًا ، ودخلها عماد الدين زنكي في صفر 534هـ\ أكتوبر 1139م .. وبذلك إستطاع عماد الدين زنكي أن يسيطر علي كل المدن الشمالية التابعة لإمارة دمشق ، وهي مدن بعلبك وحمص وحماة وبانياس والمجدل .

ظل عماد الدين زنكي في بعلبك شهرًا كاملاً يُنظِّم أمورها الإدارية ، ويُقوِّي من تحصينها بعد القصف المتوالي الذي أصابها خلال الحصار السابق ، ثم أقطعها لنجم الدين أيوب ( والد صلاح الدين الأيوبي) .

وقبل أن يتحرك عماد الدين زنكي إلي دمشق آثر أن يحاول محاولات سلمية قبل الحصار العسكري ، فعسكر بجيشه في سهل البقاع ، ثم أرسل إلي جمال الدين محمد بن بوري زعيم دمشق يعرض عليه التفاهم والتعاون ، فيُسلِّم دمشق إلي عماد الدين زنكي في مقابل أن يعطيه عماد الدين زنكي مدينتي حمص وبعلبك ، لكن هذا العرض لم يجد قبولاً عند جمال الدين محمد ولا عند رجال حكومته ، وعلي رأسهم بالطبع معين الدولة أنر ، ومن ثَمَّ توجه عماد الدين زنكي بقوته العسكرية وحاصر دمشق في ربيع أول 534هـ\ نوفمبر 1139م .

كان الحصار حول دمشق محكمًا ، ودارت عدة إشتباكات بين الطرفين علي مدار عدة أشهر متصلة ، وكاد جمال الدين محمد يقبلُ بالتسليم لولا إصرار معين الدين أنر علي المقاومة ، وتأزم الموقف جدًّا في داخل دمشق نتيجة الحصار الطويل ، ثم حدثت مفاجأة في شعبان 534هـ\ مارس 1140م إذ تُوُفِّي جمال الدين محمد زعيم دمشق فجأةً ، وحدث صراع داخلي في دمشق بين الورثة علي الحكم ، وكانت بوادر فرصة لعماد الدين زنكي للتدخل العسكري ، إلا أن معين الدين أنر أسرع بوضع مجير الدين أبق بن محمد ، وهو إبن الحاكم المُتوفَّي جمال الدين محمد .. وهكذا إستمرت المقاومة الدمشقية العنيفة مما أرهق عماد الدين زنكي الذي ظل محاصِرًا لدمشق حتي الآن لمدة تزيد علي ستة أشهر متصلة ، ومع ذلك فإنه لم يرفع الحصار آملاً في إنهيار الحالة الاقتصادية للمدينة ، وهذا قد يدفعهم للإستسلام .

وإزاء هذا الحصار المحكم لجأ معين الدين أنر إلي وسيلة جديدة لدفع عماد الدين زنكي إلي ترك المدينة ، ورفع الحصار , وكانت هذه الوسيلة في غاية البشاعة ، وتُظهِر لنا بوضوح طبيعة هذا الرجل ، وطبيعة الحاكم مجير الدين أبق ، وكذلك طبيعة الشعب الذي تعاطف مع هذا الإجراء ! لقد أرسل معين الدين أنر إلي مملكة بيت المقدس يستعين بملكها فولك الأنجوي ، ويطلب منه القدوم بجيش صليبي كبير لحرب عماد الدين زنكي ويُحذِّره من أن عماد الدين زنكي إذا إستولي علي دمشق فإن هذا قد يُهدِّد أمن مملكة بيت المقدس !!

إنظر إلي معين الدين أنر كيف يحافظ علي أمن الصليبيين في فلسطين !

ثم إنه يشجِّع الملك فولك الأنجوي ويغريه بعدة مغريات تُسهِّل عليه قرار الحرب ! ما هذه المغريات ؟!

أولاً : سيتكفل معين الدين أنر بالنفقات الشهرية للحملة الصليبية ، والتي قدَّرها معين الدين أنر بعشرين ألف دينار ذهبية تُدفع للملك فولك الأنجوي !

ثانيًا : تشترك القوات الصليبية مع القوات الدمشقية في "تحرير" مدينة بانياس من عماد الدين زنكي ، ثم يقوم معين الدين أنر بإعطائها إلي الصليبيين علي سبيل "الهدية"!

ثالثًا : لكي يضمن الملك فولك الأنجوي أن معين الدين أنر لن يخلف وعدًا من وعوده ، فإنه علي إستعداد أن يُسلِّم الملك فولك عددًا من الأمراء المسلمين كرهائن يحتفظ بها الملك فولك لحين إنتهاء المعارك ، ورحيل عماد الدين زنكي ، وتسلُّم الهديَّة وهي مدينة بانياس !

لقد وصل المسلمون في دمشق في هذه الفترة إلي حالة مزرية جدًّا دفعتهم إلي إرتكاب موبقات كبيرة غير مفهومة ، ودفعتهم إلي المخاطرة بكل شيء في سبيل عدم التعاون مع عماد الدين زنكي ، ولو كان الثمن هو التعاون المباشر والصريح مع الصليبيين !

لقد صار البقاء في كرسيِّ الحكم هو الهدف مهما كان الثمن !

ووجد الملك فولك الأنجوي أن هذه فرصة لا تعوَّض لضرب عدة أهداف بخطوة واحدة ! فهو سينتقم لكبريائه ، ويردُّ إعتباره من عماد الدين زنكي الذي إنتصر عليه منذ ثلاث سنوات في موقعة حصن بارين .. وفي نفس الوقت فهو سيضرب القوة الإسلامية الرئيسية ، وسيساعده في ذلك جيش قوي هو الجيش الدمشقي !

وسوف يأخذ الملك فولك فوق ذلك مدينة بانياس ذات الموقع المهم جدًّا علي الطريق الساحلي غرب الشام .. ثم إن هذه بداية علاقة توادّ مهمة مع مدينة دمشق قد تسهِّل له مستقبلاً إحتلال المدينة ، أو علي الأقل تأمين الحدود الشمالية لمملكة بيت المقدس ، حيث ستصبح مدينة دمشق كالحاجز بينه وبين قوات المسلمين في حلب والموصل .

لقد كانت فرصة ذهبية لم يضيِّعها الملك فولك الأنجوي !

وجاءت الجيوش الصليبية مسرعةً ، وشعر عماد الدين زنكي بالخطر الشديد ؛ إذ إنه لو حُصِر بينها وبين الجيش الدمشقي فإنَّ هذا قد يعرِّضه لكارثة عسكرية ؛ ولهذا قرَّر عماد الدين زنكي أن يرفع الحصار بسرعة ، وأن يتَّجه بجيوشه إلي إقليم حَوْرَان ليقابل جيش الصليبيين بمفرده قبل أن يتَّحد مع الدمشقيين .

كان الملك فولك يتقدَّم في حذرٍ ، وعَلِمَ بتقدُّم عماد الدين زنكي إلي إقليم حَوْرَان ، فإنتظر الملك فولك عند بحيرة طبرية ، وخشي أن يواجه عماد الدين زنكي بمفرده ؛ فأرسل معين الدين أنر رسالة إستغاثة جديدة إلي ريموند بواتييه أمير أنطاكية ، فجاء علي رأس جيشٍ لينقذ المدينة المحاصَرة دمشق !!

ووجد عماد الدين زنكي أن هذه القوَّات المجتمعة ستمثِّل خطرًا كبيرًا علي جيوشه ، فإنسحب إلي حمص ثم منها إلي الموصل .. ومن الجدير بالذكر أن معين الدين أنر أخذ فرقة من جيشه وحاصر مدينة بانياس حتي أسقطها ، وذلك بعد قتال شديد مع حاميتها التابعة لعماد الدين زنكي ، ثم بعد أن أسقطها سلَّمها لقمةً سائغةً للملك فولك الأنجوي تنفيذًا للإتفاق الذي بينهما !!

فيا عجبًا لهذا الزمن الذي يبذل فيه مسلم وقته وجهده ودمه "لتحرير" بلدمسلم من حكم المسلمين ، ثم يقوم بإهدائه لأصدقائه من الصليبيين !

وعاد عماد الدين زنكي رحمه الله بخيبة أمل كبيرة من مأساة هذا البلد الإسلامي الكبير , وواقع الأمر أن دمشق ظلَّت لفترة طويلة من الزمن - من أوَّل قصَّة الحروب الصليبية وطيلة حياة عماد الدين زنكي ، وكذلك بعده - عائقًا منيعًا لمشروع الوَحْدة الإسلامية ، ولم تُحَلّ مشكلتُهَا الإنفصالية إلاَّ مؤخَّرًا في عهد البطل الإسلامي الشهير نور الدين محمود رحمه الله .

عاد عماد الدين زنكي إلي الموصل فوجد أن هناك مشكلة أخري تفجَّرت ، وهي أن أحد القادة التركمان - وكان إسمه قفجاق بن أرسلان تاش التركماني - قد تمركز في مدينة شهرزور شرق الموصل ، وجمع حوله عددًا هائلاً من الأنصار ، وصار مهدِّدًا بصورة مباشرة لمعقل عماد الدين زنكي في الموصل .. ومما زاد من خطورته أنه كان علي عَلاقة طيبة جدًّا بالسلطان مسعود ؛ فخاف عماد الدين زنكي أن يتلقَّي أوامر سرِّيَّة من السلطان مسعود بغزو الموصل ، ومن ثَمَّ فقد إنطلق عماد الدين زنكي من فوره إلي هذه المنطقة ، وكانت واقعةً بين الجبال وفي منتهي الحصانة ، وإقتتل معهم عماد الدين قتالاً شديدًا ، ثم كتب اللهُ له النصر ، وفرَّ جنود قفجاق في كل ناحية ، وإنطلق عماد الدين زنكي لحصار القلاع والحصون في المنطقة فأسقطوها جميعًا ، وسيطر عماد الدين زنكي علي كل المحاور في هذه الجبال سيطرة تامَّة؛ ومع ذلك فقد قام عماد الدين زنكي بما لا يُتوقَّع في مثل هذه الظروف ، فقد أعطي الأمان لقفجاق ، ووعده وعدًا حسنًا إن هو عاد إليه .

وبالفعل عاد قفجاق إلي عماد الدين زنكي ، فأكرمه عماد الدين وولاَّه المناطق التي كانت معه قبل ذلك ، وجعله تابعًا له ، وقد حَفِظ قفجاق هذا الجميل لعماد الدين زنكي ولأولاده من بعده ، ودخل في خدمة آل زنكي ، وظلَّ هو وأولاده أوفياء علي العهد إلي ما بعد سنة ستمائة من الهجرة ! أي أكثر من ستين سنة بعد هذا الحدث .. فإنظر إلي جميل صُنْع عماد الدين زنكي ، وكيف رسَّخ الأمن في ربوع المنطقة بعفوٍ جميل ، وسياسة حسنة .

وفي سنة 535هـ\ 1140م قام ركن الدولة داود بن سقمان بالهجوم علي مدينة مَيَّافارقِين التابعة لحسام الدين تمرتاش ، الذي إستغاث بدوره بعماد الدين زنكي ، فأسرع عماد الدين زنكي وهجم علي بعض أملاك ركن الدولة داود في أماكن أخري ؛ وذلك لتخفيف الضغط علي مَيَّافارقِين ، وإختار عماد الدين زنكي أن يهجم علي قلعة بهمرد القريبة من حصن كيفا ، وكان هذا الإختيار ذكيًّا بارعًا ؛ حيث كان يقود القلعة قرا أرسلان بن داود ، إضافةً إلي قرب القلعة من حصن كيفا ، وهذا أزعج داود بن سقمان جدًّا ؛ لخوفه أوَّلاً علي إبنه المحاصَر في قلعة بهمرد ، ولخوفه ثانيًا علي أهمِّ معاقله وعقر داره حصن كيفا القريبة من قلعة بهمرد ، وهذا الخوف دفعه إلي رفع الحصار عن ميَّافارقين والتوجُّه إلي قلعة بهمرد ، ولكن عماد الدين زنكي كان قد حقَّق الإنتصار بالفعل، ومَلَك قلعة بهمرد المهمَّة ، وهذا أدَّي إلي إستقرار وضعه ؛ حيث خشي داود بن سقمان أن يدخل في صدام مباشر مع عماد الدين زنكي .

وفي سنة 536هـ\ 1141م إستطاع عماد الدين زنكي أن يضمَّ آمد إلي حكمه ، وأن يُدْخِل أبا منصور إيكلدي حاكمها في طاعته ، ومن ثَمَّ ترسَّخت أقدامه بشكل أكبر في ديار الجزيرة ؛ ولكن هذه السيطرة أقلقت حسام الدين تمرتاش من جديد ، فأظهر التمرُّد ، ومدَّ خطوط التفاهم مع خصمه ركن الدولة داود بن سقمان ؛ ليعقد حلفًا مشتركًا بعد عداء عدَّة سنوات !

لقد كانت أرض الجزيرة فعلاً تموج بالفتن والأهواء !

لجأ عماد الدين زنكي إلي الطرق السياسيَّة لتفتيت هذا الحلف المعادي ، فتراسل مع ركن الدولة داود بن سقمان ، وعرض عليه أن يتحالف معه هو ويترك حسام الدين تمرتاش ، وقد فكَّر داود في الأمر ، فوجد أن عماد الدين زنكي أقوي كثيرًا من حسام الدين تمرتاش ، وأن البلاد ستئُول إليه بالقوَّة إن أصرَّ علي الصدام ، وأن عماد الدين زنكي لم يغدر في حلفه السابق مع حسام الدين تمرتاش ، بل أعطاه عدَّة قلاع وحصون كهدايا وهبات ، وأن الغدر أتي من حسام الدين تمرتاش في حقِّ عماد الدين زنكي ، وقد يأتي منه مرَّةً أخري في حقِّ داود نفسه .. وهكذا إجتمعت العوامل في ذهن داود بن سقمان علي الموافقة علي فكِّ تحالفه مع حسام الدين تمرتاش ، والتحالفِ مع عماد الدين زنكي !

وهكذا إزدادت قوَّة عماد الدين زنكي بينما وجد حسام الدين تمرتاش نفسه وحيدًا في أرض الجزيرة !! ولم يكتفِ عماد الدين زنكي بذلك بل توسَّع جنوبًا وضمَّ مدينة الحَدِيثَة ثم عانة ، وبذلك صارت سيطرته علي منطقة الجزيرة أقوي وأعظم .

إستغلَّ عماد الدين زنكي إستقرار الأوضاع وقوَّة مركزه ، فأسرع في سنة 537هـ\ 1142م بإنفاذ حملة واسعة تهدف إلي السيطرة علي عدَّة حصون في أقاصي ديار بكر وفي أعالي الجزيرة ، فسيطر علي أماكنَ لم يَصِلْ إليها قبل ذلك أحدٌ من السلاجقة أو غيرهم ، فضمَّ طَنْزَة وأسعرد وحِيزَان ، وكذلك ضمَّ عدَّة حصون مثل : الدوق ، ومطليس ، وبانسبة ، وذي القرنين ،وترك في هذه المدن والحصون مَنْ يحفظها من رجاله ، وبذلك وصل الإستقرار في منطقة الجزيرة إلي درجة لم يَصِلْ إليها قبل ذلك .. ويمكن القول أن الطريق الآن أصبح مفتوحًا بشكل آمن إلي إمارة الرها ، اللهم إلا من بلاد حسام الدين تمرتاش ، الذي أدرك عماد الدين زنكي أنه ضعيف ، وأن ضعفه هذا سيمنعه من إعتراض طريق عماد الدين زنكي إذا أراد غزو الرها .

ولم تكن هذه التحرُّكات الثابتة في أرض الجزيرة لتُلْهِيَ عماد الدين زنكي عن متابعة الأمن في إمارته الواسعة ، فكان بالمرصاد لكل محاولة تهدف إلي إثارة الفتنة أو زعزعة الأمن ؛ فمن ذلك صرامته في التعامل مع ثورة قامت عليه في مناطق الأكراد الهكارية شرق الموصل ، وذلك حين مات زعيمهم أبو الهيجاء الهكاري الذي كان مواليًا لعماد الدين زنكي ، فقام من بعده نائبه باو ألارجي ، وأحدث صراعًا في المنطقة يخرج به عن سيطرة عماد الدين زنكي ، فعاد إليه عماد الدين زنكي مسرعًا ، وإصطدم معه ، وإنتصر عليه ، وملك مركزهم الرئيسي ، وهو قلعة آشب ، وضمَّ إليها عدَّة قلاع أخري في المنطقة .

ومن مظاهر يقظته كذلك أنه تعرَّض لهجوم صليبي في بعض المناطق القريبة من حلب ، فقامت الحامية الحلبية بالتصدِّي لهذا الهجوم ، وقتلتْ من الصليبيين سبعمائة ، وظفرت بالكثير من الغنائم .

وعندما ظهرت بعض الإضطرابات في مناطق الأكراد المهرانية - وهم يقطنون في عدد من القلاع في المنطقة الجبلية المتاخمة لجزيرة إبن عمر ، وأهمها قلعة كواشي - تصدَّي لهم عماد الدين زنكي ، وأخضعهم بكل حسم ، ومن ثَمَّ عاد الأمن والأمان لربوع دولته كلها .

وهكذا في نهاية سنة 537هـ وبداية سنة 538هـ كانت أمور عماد الدين زنكي قد إستقرَّت كثيرًا ، وصار من الممكن له أن يقوم بخطوات عملية ، وبخطَّة واضحة تهدف إلي غزو الإمارة العتيدة : الرها !

لقد مرَّت حتي الآن خمس سنوات - منذ سنة 533 وإلي سنة 538هـ - لم يحدث فيها صدام يُذكر مع الصليبيين ، ولكنها لم تكن سنواتٍ خاملةً ، بل كان فيها إعداد متَّصل ، وتنظيم مستمرٌّ ، وما غابت قضية جهاد الصليبيين عن ذهن عماد الدين زنكي أبدًا ، بل لم تغبْ قضية إمارة الرها بالذات عن تفكير البطل الجليل عماد الدين زنكي ، فكان الأمر كما ذكر إبن القلانسيّ رحمه الله في كتابه (ذيل تاريخ دمشق) : "فكان ذِكْر هذه المدينة جائلاً في خلده ، وأمرها ماثلاً في خاطره وقلبه" .

وبدأ عماد الدين زنكي يرتِّب أوراقه ، ويُعِدُّ عُدَّته ، ويرسم خطَّته ؛ لينظِّم هجومًا شاملاً علي إمارة الرها ، وبينما هو في هذا الإعداد إذ بالأحداث تتكاثف في سنة 538هـ\ 1143م لتُمَهِّد الطريق لعماد الدين زنكي لينفِّذ خطَّته !

ولا يقولنَّ أحدٌ أن هذه مصادفة عجيبة! فإن الأمور تجري بالمقادير ، ولقد رأي اللهُ الإخلاصَ في قلب عماد الدين زنكي ، والإتقان في عمله ، فساعده في أحواله ، ويسَّر له أمور ه، خاصَّةً وهو يكافِح من أجل قضية إسلامية ، ومهمة شرعية ، هي من أعظم المهامِّ مطلقًا ، وهي مهمَّة تحرير بلاد المسلمين من الأعداء العاصبين .

وتعالَوْا نرصد بعض الحوادث التي تمَّت في سنة 538هـ وأوائل سنة 539هـ (1143- 1144م) ، والتي فتحت طريق عماد الدين زنكي إلي الرها !

أولاً : تُوُفِّيَ في سنة 538هـ\ 1143م الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين ، وتولَّي من بعده ابنه مانويل كومنين. ولا شكَّ أن الأزمة التي حدثت بوفاة يوحنا كومنين - الذي حكم إمبراطوريته خمسة وعشرين عامًا كاملة - كانت أزمة كبيرة ، وإضطر مانويل أن يصرف كل جهوده لتنظيم الأمور الداخلية في الإمبراطورية ؛ وهذا أخرج الإمبراطورية الكبيرة من معادلة الصراع ، فلم يكن عندها الوقت أو القوَّة للتدخُّل لصالح إمارة الرها ، وكانت هذه نقطة مهمَّة ؛ لأننا رأينا قبل ذلك تحالفًا بيزنطيًّا صليبيًّا في سنة 532هـ ، أي منذ ستِّ سنوات فقط ، وكان جوسلين الثاني أمير الرها مشارِكًا في هذا التحالف ، ولا شكَّ أن تحالفًا كهذا كان من الممكن أن يُعَطِّل خطط عماد الدين زنكي لغزو الرها، لكنَّ الله سلَّم .

ثانيًا : نتيجة وفاة الإمبراطور يوحنا كومنين طمع ريموند بواتييه أمير أنطاكية في إقليم قليقية ، والذي سيطرت عليه الإمبراطورية البيزنطية أثناء حملتها علي المنطقة سنة 532هـ ، وبالتالي تقدَّم ريموند بواتييه بقوَّاته وإحتلَّ إقليم قليقية .. وهذا - لا شكَّ - أغضب الإمبراطورية البيزنطية ؛ لينشأ بينها وبين أمير أنطاكية صراع ونزاع حول هذا الإقليم ، وهذا النزاع الخطير صرف ذهن ريموند بواتييه تمامًا عن إمارة الرها ، وبالتالي فَقَدت إمارة الرها مناصرة أقرب الإمارات الصليبية إليها .

ثالثًا : تُوُفِّيَ فجأةً الملك فولك الأنجوي ملك بيت المقدس علي إثر جراحة أُصيب بها في رحلة صيد ! وترك ولدين صغيرين هما : بلدوين الثالث وكان عمره ثلاثة عشر عامًا ، وعموري أو إيموري وكان عمره سبع سنوات فقط .. وهكذا وُضِع الطفل بلدوين الثالث علي كرسيِّ المملكة ، وتولَّت أمُّه ميلزاند بنت بلدوين الثاني - وهي الزوجة الخائنة التي تحدَّثنا عنها قبل ذلك - منصبَ الوصاية علي الحكم !

وبذلك صارت الأمور في يد هذه المرأة ، وهي تحكم باسم الطفل بلدوين الثالث .. ولا شكَّ أن هذا الإضطراب أضعف كثيرًا من هيبة مملكة بيت المقدس ، وتفرَّق شمل الإمارات الصليبية ؛ حيث كان من المعتاد أن يقوم ملك بيت المقدس بتجميع جهودهم ، وفكِّ نزاعاتهم وحلِّها ، أمَّا الآن فالزعماء العسكريُّون أمثال ريموند بواتييه وجوسلين الثاني لن يستمعوا لقول امرأة ، ولا لحُكْم طفلٍ !

رابعًا : نشب صراع معلن بين الأمير جوسلين الثاني أمير الرها والأمير ريموند بواتييه أمير أنطاكية ، واللذان كانا علي درجة كبيرة من العداء والكراهية والغيرة ، وكان التنافس بينهما شديدًا علي أملاك المسلمين المتوسطة بينهما ، وكان الذي يكتم هذا الصراع وينهيه وجود الملك فولك كسلطة أعلي لكلِّ الصليبيين في بلاد المسلمين ، أمَّا عند وفاة الملك فولك فلم يعد هناك مَنْ يفكُّ إشتباك الأميرين ، ومن ثَمَّ أصبح الاختلاف بينهما صريحًا معلنًا .

خامسًا : تُوُفِّيَ فجأة أيضًا ركن الدولة داود بن سقمان ، الزعيم الأرتقي الخطير ، وهو وإن كان محالفًا لعماد الدين زنكي في أيامه الأخيرة إلاَّ أنه شخصيَّة غير مأمونة ، وبالتالي فقد ينقلب علي عماد الدين زنكي في أية لحظة ، وقد يضرب عماد الدين زنكي في ظهره ، ولم يكن يمانع في التحالف مع الصليبيين إذا لزم الأمر للدفاع عن أملاكه وحصونه .. وقد تولَّي من بعده إبنه قرا أرسلان بن داود ، وكان علي خلافِ أبيه تمامًا ، فكان مفتقرًا للحكمة السياسية ، والقدرة القتالية التي كان يتمتع بها أبوه ، بل إنه وفي أيام حكمه الأولي قرَّر التحالف مع جوسلين الثاني أمير الرها ، وهذا وإن كان يبدو خطيرًا إلاَّ أنه كشف أوراقه مبكِّرًا ، وأعطي عماد الدين زنكي المبرِّر الكافي لضربه ، وللهجوم علي بلاده ، وكان هذا أمرًا سهلاً بالنسبة لعماد الدين زنكي ؛ وذلك لقلَّة خبرة قرا أرسلان ، وضعف تأثيره علي جنوده .

وهكذا تضافرت هذه الأحداث مجتمعة علي عزل إمارة الرها ؛ حيث إنها فقدت العون من إمارة أنطاكية ومن مملكة بيت المقدس ، كما فقدته من الإمبراطورية البيزنطية ، وإضافةً إلي ذلك فقد فَقَدت أرض الجزيرة شخصيَّة عنيدة ، هي شخصية ركن الدولة داود بن سقمان ، وبذلك خارت قوَّتها أمام البطل عماد الدين زنكي !!

وها قد صار الطريق إلي الرها مفتوحًا !

نظر عماد الدين زنكي نظرة عسكرية إلي إمارة الرها فوجد أنها قد قُطِّعَت أوصالها من الأعوان نتيجة وفاة الإمبراطور يوحنا كومنين والملك فولك الأنجوي ، ونتيجة صراعها مع إمارة أنطاكية ، ولم يبقَ لها من اتِّصال إلاَّ مع الأراتقة في أرض الجزيرة عن طريق أميرهم الجديد قرا أرسلان ابن داود ، فأراد عماد الدين زنكي أن يقطع هذا الاتصال ليعزل إمارة الرها نهائيًّا عن العالم المحيط ؛ وبالتالي يسهل عليه ضربها بعد ذلك .. ولهذا قام عماد الدين زنكي في نفس السنة في 538هـ\ 1143م بحملة عسكرية تهدف إلي إسقاط الحصون الصليبية الواقعة في إقليم شبختان - وهو من أقاليم الجزيرة ، وهو الإقليم الفاصل بين حدود إمارة الرها وبين أملاك قرا أرسلان - وبذلك يعزل الحليفين عن بعضهما البعض .. وبالفعل نجح عماد الدين زنكي في إسقاط عدَّة حصون صليبية في هذا الإقليم ، منها : جملين ، والموزر ، وتل موزن ، وغيرها ؛ وبذلك حقَّق ما يريد ، وصارت إمارة الرها معزولة عُزْلَة تامَّة ، ولم يَعُدْ أمام عماد الدين زنكي إلاَّ أن يتوجَّه إليها بجيشه .

وبينما هو في هذا التوقيت يجهِّز نفسه للمهمَّة الكبري إذ جاءته الأخبار بمفاجأة مفزعة كادت تغيِّر كل خططه ، وتفسد عليه كل إعداده !

لقد جاءت الأخبار من بغداد أن السلطان مسعودًا السلجوقي يتجهَّز لغزو عماد الدين زنكي وإنتزاع الإمارة منه !

في هذا التوقيت يُريد السلطان مسعود أن يقاتل عماد الدين زنكي !! إنه - ولا شكَّ - مصابٌ بعدَّة أمراض نفسيَّة وأخلاقيَّة ! إنه مصاب بمرض الحَوَل السياسي ؛ فلا يعرف إلي أين يجب أن يوجِّه حربه ، وإلي أي طريقٍ ينبغي أن يسير بجيوشه !

وهو - في نفس الوقت - مصاب بضعف شديد في الدين ، فلا يمانِع من أن يفكَّ وَحْدة المسلمين في هذا التوقيت العصيب ، ولا يتردَّد في إرتكاب أمر يُشفِي غليل الصليبيين ، ويُتعِس المسلمين !

وهو أيضًا مصاب بإنهيار في الأخلاق فيُقبِل علي ضرب مجاهد في ظهره ، ويُسرِع في نصب كمين لجيوش المؤمنين !

إنها كارثة بكلِّ المقاييس !

 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

- إسترداد الرها !

وفي أواخر شهر ربيع الثاني من سنة (539هـ) نوفمبر 1144م ، خرج عماد الدين زنكي بجيش كثيف من الموصل متوجِّهًا صوب الرها ، وقد أمر جميع الأمراء والجنود ألا يتخلفوا عن هذه الموقعة المهمَّة ، فخرجوا جميعًا ..

لقد خرج بالجيش الذي بذل عمره في إعداده ، وتوجه بجيشه هذا إلى مدينة آمد التابعة للأراتقة ؛ ليُوهِم جوسلين الثاني وعيونه أنه لا يريد الرها ولا يفكر فيها , وقد إنطلت الخدعة على جوسلين الثاني ، خاصةً أن عماد الدين زنكي كان مشغولاً طوال السنوات الست السابقة في معاركه في أرض الجزيرة مع الأراتقة ، فلا جديد في الحدث ..

وكما رتَّب عماد الدين زنكي تمامًا خرج جوسلين الثاني في جيشه ، وإتجه جنوبًا ليقطع الإمدادات العسكرية الإسلامية القادمة من حلب ، وبسرعة نقلت عيون عماد الدين زنكي الأخبار إلى عماد الدين زنكي ، فغيَّر من إتجاهه في لحظات ، وإتجه إلى الرها من طريق وأرسل حاجبه صلاح الدين الياغيسياني من طريق آخر ، وكان هذا الإنفصال ليشتِّت عيون الصليبيين إذا رصدت التحركات ! وكانت حركة الجيش في معظمها في الليل ، وكانت الليلة التي إقتربوا فيها من الرها شديدة المطر ، وبردها قارسًا ، لكن ذلك لم يمنعهم من التقدم ، إنما منع عيون الصليبيين من رصد الأمور .

وإنقشع الظلام وظهر نور الصبح ليوم 28 من ربيع الثاني 539هـ \ 25 من نوفمبر 1144م ، ومع نور الصبح إكتشف الصليبيون في داخل المدينة أن الجيوش الإسلامية تحيط بها من كل جانب !

وصلت الأخبار المفزعة إلى جوسلين الثاني بعد فوات الأوان ، فخشي أن يعود إلى الرها فيصطدم بالقوات الإسلامية الكثيفة ، فقرر أن يذهب إلى مدينة تلِّ باشر التابعة له ، والتي يفصلها عن مدينة الرها نهر الفرات ؛ وذلك كي يكون قريبًا من الأحداث ، ويدرك التطورات أولاً بأول ، ولكنه في نفس الوقت محميٌّ بعائق مائي كبير هو نهر الفرات ، يعطيه الوقت الكافي للهرب إن لزم الأمر !

ثم إن جوسلين الثاني أرسل رسائل إستغاثة عاجلة إلى أنطاكية على الرغم من الخلاف بينه وبين ريموند بواتييه ، وكذلك إلى مملكة بيت المقدس إلى الملكة ميلزاند على الرغم من ضعفها ، وبُعد المسافة بينهما .

أما بالنسبة لريموند بواتييه فقد رفض أن يساعد جوسلين الثاني متعلِّلاً بإنشغاله في حربه في إقليم قليقية ضد الدولة البيزنطية ، وأما الملكة ميلزاند فقد أرسلت قوة عسكرية عاجلة على رأسها فيليب أمير نابلس ، وأليناند بورس أمير الجليل ، غير أن المسافة الطويلة جعلتهم يصلون بعد فوات الأوان !

أما عماد الدين زنكي فقد حرَّكت هجمته الجهادية الروح في عموم المسلمين ، فتقدَّم معه الآلاف من المتطوعة من شمال العراق ، حتى صار عدد جيشه يخرج عن الإحصاء ، وأغلق عماد الدين زنكي بإحكام كل الطرق المؤدية للرُّها ؛ حتى يمنع أي فرصة إغاثة للمدينة ، ونَصَب البطل المغوار آلات الحصار الضخمة حول الأسوار ، ومنها عدَّة عشرات من المجانيق ، وبدأ القصف الفوري للمدينة ، ولم يتوقف هذا القصف لحظة واحدة طيلة أيام الحصار .

وشعر الصليبيون داخل المدينة بالخطر الشديد ؛ فجوسلين قد أخذ معه معظم القادة اللامعين ، ولم يعد هناك من يمتلك المؤهلات العسكرية لهذه المهمَّة الشاقة .. وإزاء هذا الموقف تقدم الأساقفة النصارى لقيادة المقاومة ، وكان على رأسهم بالطبع الأسقف الكاثوليكي هيو الثاني ، وكان معه الأسقف الأرمني يوحنا ، والأسقف اليعقوبيُّ باسيل ، ويبدو أن عماد الدين زنكي كانت له عيون في داخل المدينة ، فوصلت إليه هذه الأخبار ، فأراد أن يفرِّق هذه التجمعات النصرانية ، فراسل أساقفة النصارى الشرقيين : اليعاقبة والأرمن ، وعرض عليهما التسليم مقابل الأمان ، وقد رفضا في البداية ، ولكنهما مالا في النهاية إلى التسليم ، إلا أن الأسقف الكاثوليكي هيو الثاني أصرَّ على المقاومة ، وأجبرهما على إكمال المهمة العسكرية .

وبدأت المدينة تدخل في مرحلة حرجة جدًّا حيث قلَّت المؤن والأغذية ، ولم يكن هناك أي فرصة لوصول جوسلين الثاني ، أو لإختراق الإستحكامات العسكرية الدقيقة التي نَصَبها عماد الدين زنكي في كل المحاور المؤدية للمدينة .

وكان مع عماد الدين زنكي فرقة متخصصة في هدم الأسوار إسمها فرقة النقَّابين ، أي الذين يُنقِّبون الأسوار ، فتقدمت هذه الفرقة ، وبدأت تمارس عملها بنشاط ، وهي تحت حماية القصف المستمر من المجانيق الإسلامية .. ومع مرور الوقت بدأت تظهر تباشير النجاح ، وبرغم المقاومة الشرسة إلا أن أحد أجزاء السور بدأت تتأثَّر ، وضاعف المجاهدون من جهدهم ، ولم يتوقف العمل لحظة ، ولم يتوان أحد مطلقًا عن بذل كل الطاقة .

وفي يوم 26 من جمادى الآخرة 539هـ\ 23 من ديسمبر 1144م ، وبعد ثمانية وعشرين يومًا كاملة من الحصار ، أَذِن الله لجزءٍ من السور أن ينهار !

وإشتعل الحماس في الجيش المسلم ، وعلت صيحات التكبير من كل مكان ، وإنهمرت جموع المسلمين إلى الجزء المنهار من السور ، وإنحدروا كالسيل داخل المدينة الحصينة ، وسرعان ما فُتحت الأبواب من الداخل ، ودخلت الجيوش الكثيفة يتقدمها البطل الفذُّ عماد الدين زنكي لترتطم الجيوش الإسلامية بالحامية الصليبية المرابضة داخل المدينة ، وكان أول مَن حمل على الصليبيين هو عماد الدين زنكي نفسه ! وسرعان ما إحتدم الصراع في كل مكان ، وعمَّت الفوضى أرجاء المدينة ، وإرتفعت سحب الغبار في كل مكان ، وسالت الشوارع بالدماء ، وتناثرت الأشلاء ، وسيطر المسلمون في لحظات على الأبراج والأسوار والأبواب ، وكذلك على كل المحاور في داخل المدينة ، وسقط القتلى من الصليبيين بالآلاف ، وألقى الله الرعب في قلوبهم ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) .

وسقط الأسقف هيو الثاني صريعًا تحت الأقدام ، وبسقوطه إنهارت معنويات الصليبيين تمامًا ، فلاذوا بالفرار إلى القلعة الموجودة في داخل المدينة وإنطلق الجنود المسلمون في كل مكان يملئون أيديهم من الثروات الضخمة ، والسبي الكثير ، والغنائم التي لا تُحصى ، وإنطلقت فرقة إسلامية قوية لحصار القلعة ، وما هو إلا يومان وسقطت القلعة ، وقَتَل عماد الدين زنكي مَن كان فيها من الصليبيين ، بينما أبقى على الأرمن واليعاقبة .

لقد كان يومًا من أيام الله ..

وكان يومًا من أيام الإسلام المشهودة !

وعندما ظهر تفوق المسلمين الواضح ، وإستتبت الأمور لعماد الدين زنكي أصدر أمره فورًا بوقف عمليات القتل ، وتأمين الجميع إلا الصليبيين العسكريين ، فإنهم كانوا يُقتلون ، وأُخذت النساء والأطفال سبيًا .

أما الأرمن واليعاقبة فقد أصدر عماد الدين زنكي عفوًا عامًّا عنهم ، مع أنهم كانوا يشتركون مع الصليبيين في الدفاع عن المدينة ، إلا أنه قدَّر ظروفهم ، وأدرك أنهم قُهِروا على ذلك ، فسامحهم وعذرهم !

ثم أعرب عماد الدين زنكي عن سياسته تجاه هذا البلد المهم بعد فتحه ، فقال : "إن ذلك البلد لا يجوز في السياسة تخريب مثله" ؛ فعماد الدين زنكي رأى أن الرها مدينة عظيمة لا ينبغي أن يدمِّرها ويتركها خاويةً على عروشها ، ولكن عليه أن يحافظ عليها ويحميها , وفي سبيل ذلك قرر عماد الدين زنكي عدة قرارات هي من أروع القرارات الإنسانية التي من الممكن أن يتخذها فاتحٌ أو منتصر !

أولاً : منع الإعتداءات على أملاك الأرمن واليعاقبة .

ثانيًا : على كل الجنود المسلمين أن يُعيدوا إلى الأرمن واليعاقبة (وهم النصارى الشرقيون الذين يعيشون في البلد منذ عشرات السنين ، أي سكان البلد الأصليين) كُلَّ ما أخذوه من أموال أو غنائم أو سبي أو غيره .. فأعاد الجنود كل ما أخذوه ، وعادت البلد إلى الحال التي كانت عليه قبل الفتح الإسلامي !

ثالثًا : إطلاق الحرية الدينية لهم ، وعدم المساس مطلقًا بكنائسهم .

رابعًا : إعطاء الأرمن واليعاقبة صورة من الحكم الذاتي لتصريف أحوالهم داخل المدينة دون الرجوع للمسلمين ، على أن تكون تبعيتهم للحكومة الإسلامية .

خامسًا : تخصيص الأساقفة بالعطف والرعاية وإسداء الهدايا ؛ فهؤلاء هم الذين يقودون شعوبهم .

سادسًا : دعوة الأرمن الذين هجروا البلد نتيجة إضطهاد الصليبيين إلى العودة مرة ثانية إلى الرها للعيش في أمانٍ في ظل الحكم الإسلامي .

وهكذا بهذه السياسة الحكيمة ، وبهذه الروح المتسامحة إستقرت الأوضاع في مدينة الرها ، وعادت إلى أيدي المسلمين بعد أكثر من خمسين سنة كاملة ، وعادت بهيئتها التي كانت عليها قبل أن يمتلكها الصليبيون ، وذلك كمدينة ذات طابع نصراني تحت حكم إسلامي .

لقد كان نصرًا خالدًا حقًّا تَوَّج الله به جَهْد البطل القدير عماد الدين زنكي ، ويكفي في وصف هذا النصر ما ذكره إبن الأثير في كتابه (الباهر) حين قال : "لم ينتفع المسلمون بمثله ، وطار في الآفاق ذكرُه ، وطاف بها نشره ، وسارت به الرفاق ، وإمتلأ به المحافل في الآفاق ، وكان هذا فتح الفتوح حقًّا ، وأشبههم ببدر صدقًا ..." .

ولم يكتف عماد الدين زنكي رحمه الله بإسقاط مدينة الرها ، بل أسرع إلى كل الحصون المجاورة والتابعة لإمارة الرها فأسقطها في الحال ، وكان أهمها حصن مدينة سروج الذي سقط في رجب 539هـ\ يناير 1145م ، وبعد أقل من شهرٍ من سقوط الرها .

وبذلك لم يبق في إمارة الرها إلا بعض المدن الصغيرة غرب الفرات وأهمها تل باشر التي يتمركز فيها جوسلين الثاني ، مما يعني تقريبًا إنهيار الإمارة الصليبية التي كانت أول الإمارات الصليبية تأسيسًا ، فأصبحت كذلك أولها سقوطًا !

ولا شك أن نصرًا مجيدًا كهذا كان له من الآثار ما لا يحصى ، ونستطيع أن نرصد من هذه الآثار ما يلي :

أولاً : إرتفعت الروح المعنوية للمسلمين إرتفاعًا هائلاً ، ليس في إمارة عماد الدين زنكي فقط ، ولكن في كل ربوع الدنيا ، وأقيمت الإحتفالات ، ونُظِمت الأشعار ، وشغلت هذه الإنتصارات كل الخطباء ؛ فهذه لم تكن آمالاً بالنصر ، أو وعودًا بالنجاح ، ولكنها كانت نتائجَ حقيقية ، وآثارًا ملموسة .

ثانيًا : في المقابل حدثت صدمة نفسيَّة هائلة للصليبيين ، فلم يكن جوسلين الثاني يتوقع أبدًا أن تسقط حصون الرها المنيعة ، وكان يتخيل أنها حملة ككل الحملات التي حدثت على مدار السنوات السابقة ، وهذا شلَّ حركته تمامًا ، فما جَرُؤ على التقدُّم بجيشه للدفاع عن المدينة .

ولا شك أن هذا ترك في نفسه وفي نفوس أصحابه وأمرائه ، رواسبَ عميقة ستؤثِّر جدًّا على تصرفاتهم مستقبلاً .. كما أننا لم نلاحظ أي جهود من الإمارات الصليبية الأخرى لإستعادة هذه الإمارة العتيدة ، مما يؤكِّد على إحباطهم التام من إمكانية النصر .

ثالثًا : دخل المسلمون بعد هذا الفتح المبين مرحلة التوازن مع الصليبيين ، ففي خلال السنوات الخمسين السابقة ، كانت قوة الصليبيين دائمًا أعلى ، وحتى عندما كان المسلمون يحقِّقون نصرًا ، فإنهم كانوا يحققونه على بعض الجيوش والأفراد ، ثم يعود كل فريق إلى مدنه وأملاكه دون أن يفقد منها شيئًا ، وحتى عندما كان يحدث أن يحرِّر المسلمون حصنًا أو مدينة كان سرعان ما يسترده الصليبيون ، أما الآن فقد توازنت القوى ، وأصبح للمسلمين القدرة على الوقوف وجهًا لوجه مع الصليبيين ، وتغيرت الإستراتيجية من مجرَّد الدفاع عند حدوث هجوم إلى إستخدام مبدأ الهجوم خير وسيلة للدفاع .

رابعًا : أيقظت هذه الهزيمة المريعة للصليبيين أوربا الغربية ، بعد أن كانوا قد اطمأنُّوا إلى أحوال الصليبيين في الشرق ، وبدأت تظهر فيها دعوات لإنقاذ الصليبيين في الإمارات الصليبية ، بل وأرسلت الملكة ميلزاند رسالة إستغاثة إلى البابا في روما تستنهض فيه الهمَّة لجمع نجدة كبيرة للصليبيين .. وهذه الحركة الأوربية ستكون نواة للحملة الصليبية الثانية بعد ذلك بسنوات قليلة .

خامسًا : غيَّر هذا النصر من سياسة إمارة أنطاكية تجاه الإمبراطورية البيزنطية ، فبعد أن تجرَّأ ريموند بواتييه وإحتل إقليم قليقية ، وَجَد نفسه الآن وحيدًا أمام القوة الإسلامية الجديدة ؛ وهذا دفعه إلى بدء مباحثات مع الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنين يعرض عليه التعاون ضد المسلمين ، وهذا سيسحب الإمبراطورية البيزنطية مرة أخرى إلى حلبة الصراع بين المسلمين والنصارى .

سادسًا : سكنت تمامًا بعد هذا النصر العظيم محاولات السلطان مسعود لإقصاء عماد الدين زنكي عن الحكم والإمارة ، فقد أدرك حجمه بالقياس إلى حجم البطل الكبير ، وعَلِم أن أي محاولة لإقصائه لن تقبل البتَّة من عموم المسلمين ؛ ومن ثَمَّ فقد ظلت العلاقات طيبة إلى آخر عهد عماد الدين زنكي .

سابعًا : هزَّ هذا النصر الكبير مشاعر الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله ، وكان رجلاً تقيًّا حسن الخُلُق ، فما تردد أن يُرسِل التشريفات الكثيرة لعماد الدين زنكي ، بل وأنعم عليه بعددٍ من الألقاب لم يكن من المعتاد أن تُعطى للأمراء والقادة ؛ مما أضفى على عماد الدين زنكي شكلاً جديدًا .. وهذه الألقاب مثل الملك العادل ، وركن الإسلام ، والأمير المظفر ، وعمدة السلاطين ، وزعيم جيوش المسلمين ، وملك الأمراء ! وكانت هذه الألقاب كلها تُوحي بالاستقلالية والزعامة ، وعدم التبعية لأحد ، وكانت تضع فوق أكتاف عماد الدين زنكي مسئوليات كبيرة إلى جوار المسئوليات التي يحملها .

ثامنًا : كانت هذه الإنتصارات ، وهذه المواقف من السلطان مسعود والخليفة المقتفي إيذانًا بميلاد الدولة الزنكيَّة ، التي يصبح فيها عماد الدين زنكي بمنزلة المؤسِّس الذي يتوارث أولاده من بعده الحكم في دولته ، والتي تَدِين كثيرٌ من العائلات والقبائل لهم بالولاء ، والذين تصبح لهم القيادة والريادة للعالم الإسلامي كله بعد ذلك ، ولتتسلم بذلك الدولة الزنكية الرايةَ من الدولة السلجوقية ، ويتحقق قول ربِّنا سبحانه وتعالى : (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) .

تاسعًا : هدأت حركة الأراتقة تمامًا في أرض الجزيرة بعد هذا النصر ، ولم نسمع أي إعتراض من قرا أرسلان بن داود ، ولا من حسام الدين تمرتاش ، مع أنهما لم يُعلِنا الإنضمام تحت لواء عماد الدين زنكي ، ولكن النصر المهيب الذي تحقق أشعر كل منهما بحجمه ، فقَنِع بما يملك منتظرًا ما تأتي به الأيام !

عاشرًا : من الناحية العسكرية فإن هذا النصر طهَّر كل الطرق بين الموصل والشام من الصليبيين ، وفتح العراق بكل إمكانياته على ساحة الصراع الإسلامي الصليبي ، وصار إنتقال الجنود من العراق وفارس إلى الشام آمنًا ، هذا فضلاً عن الإضافة الإقتصادية الهائلة التي تمتعت بها الدولة الإسلامية بدخول مناطق الرها الثرية في دائرة حكمها .، وكذلك إرتفاع حالة الأمن إلى أعلى درجاتها بعد أن أصبح وادي الفرات بكامله واديًا إسلاميًّا !

فهذه كانت بعض الآثار التي ترتبت على نصر الرها ، وعلى سقوط الإمارة الصليبية التي كثيرًا ما دوَّخت المسلمين ، ولكن لا بد لكل ظالمٍ من نهاية ، ولا بد لكل ليلٍ من فجر ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ .
 

بسبس بسبس

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
5 نوفمبر 2014
المشاركات
183
مستوى التفاعل
3
النقاط
0
العمر
29
الإقامة
العراق
رد: قصة الحروب الصليبية

عاشت ايدك دلبي روعه يسلمو على الطرح
 

MS.Shaghaf

مشرفه عامه و مسووله المسابقات
LV
0
 
إنضم
8 سبتمبر 2013
المشاركات
247,198
مستوى التفاعل
1,012
النقاط
0
الإقامة
سليمانية
رد: قصة الحروب الصليبية

عاشت الايادي
 

الذين يشاهدون الموضوع الآن 0 ( الاعضاء: 0, الزوار: 0 )