أبو عبد الله الصغير والفردوس المفقود
في العام 1482 تقلد أبو عبد الله الصغير عرش غرناطة, وكان عمره لا يتجاوز 25 عاما, وكانت الأندلس الإسلامية قد تقلصت وانكمشت في المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة الأيبيرية على شكل مملكتين, يتنازع ملوكهما على كل شيء هما مملكتا ملقه وغرناطة.
وفي تلك السنة, هاجم الأسبان إمارة ملقه في محاولة للاستيلاء عليها وإبادة من بها من المسلمين, لكنهم هزموا شر هزيمة على يد أبي عبد الله الزغل, الذي طار ذكره في الآفاق كبطل شعبي بعث الحماس في نفوس المسلمين في أرجاء الأندلس, وأعطاهم بعض الأمل في إمكانية استعادة الأمجاد المفقودة, والخروج من دائرة الذل والمهانة التي يعيشونها.
أما أبو عبد الله الصغير, فقد شعر بالغيرة للشعبية الهائلة التي حصل عليها " الزغل " وأراد أن يقلده, فخرج في جيش كبير يريد قتال الأسبان, لكنه هزم شر هزيمة, واسر وبقي في الأسر عامان, ولم يخرج إلا بعد أن وقع اتفاقا سريا مع فرديناند ملك الأسبان وزوجته إيزابيلا, ينص على مساعدته في استعادة عرش غرناطة, مقابل أن يعترف بالطاعة والتبعية للتاج الاسباني, وان يدفع جزية سنوية, ويفرج عن الأسرى النصارى في سجون غرناطة, وان يقدم ابنه وبعض أبناء الأمراء رهينة للوفاء, وان يناصرهم ضد مالقا وسلطانها الزغل.
وعاد أبو عبد الله الصغير بفكر جديد إلى المسلمين في غرناطة, لماذا لا نتصالح ونتهادن مع الأسبان, فتقف الحروب ويتفرغ العمال لأعمالهم والتجار لتجارتهم, و الزراع لزراعتهم، ولم يشك احد في نبل مقصده, وشرف غايته, وهو المجاهد القديم. ولكن هذه الدعوة أحدثت الاضطراب والانقسام, الأمر الذي مكن الأسبان من السيطرة على قواعد إسلامية هامة أثناء ذلك الاضطراب, وتتابعت الأحداث, وبدأت المناطق الإسلامية تسقط الواحدة تلو الأخرى، وسقطت ملقه بعد خيانة المدعو يحيى النيار, الذي تنصر سرا وبذل جهدا كبيرا ليرغم الزغل على التسليم، وأخيرا وعلى غير ما هو متوقع من فارس مثل الزغل, فقد وقع معاهدة سرية واستسلم وغادر بعدها إلى المغرب, ثم استقر في تلمسان حيث عاش نادما متحسرا على النهاية الأليمة التي انتهى إليها.
أما "الصغير " ملك غرناطة, فقد وقع اتفاقا سريا جديدا مع الأسبان, ينص على تسليم غرناطة إذا سقطت بسطة والمرية ووادي أش وهي مدن ملقه. وقد تحقق الشرط فوجب الوفاء، لكن شعب غرناطة رفض هذه المعاهدة, وأرغم " الصغير " على الخروج للحرب ضد الأسبان الذين حشدوا جيشا قوامه ثمانون ألفا, وبدئوا بحصار غرناطة التي أظهرت في تلك الفترة أعظم صور الجهاد والتضحية والاستبسال, وكان المجاهد البطل موسى ابن أبي غسان يخرج لقتال العدو كل يوم أو ليلة, وبدا أن النصر قد أصبح قريبا لكنه بحاجة إلى مزيد من الصبر و التضحية التي مهما عظمت فقد ثبت أنها اقل كلفة وضحايا من الاستسلام - كما ظهر لاحقا-.
أما الصغير, ورغم عدم قدرته على الجهر بنيته لتسليم المدينة, لكنه اخذ يخوف الإشراف من طرف خفي, ومع ضغط الحصار ودور الطابور الخامس في نشر اليأس في نفوس الشعب اخذ يظهر هناك من يدعوا إلى التسليم, وساهم " الصغير " وحاشيته في حملة تعبئة تظهر أن لا طريق سوى طريق الاستسلام للسلامة, وللحفاظ على النفس والمال والأهل وبات الجو مهيئا للاستسلام، وتوقفت حملات القتال التي كانت تخرج من المدينة وبدأت المفاوضات مع الأسبان للاستسلام، وفي النهاية تم توقيع اتفاقية في شهر نوفمبر سنة 1491 م تنص على تسليم المدينة, وتسريح الجيش ومصادرة السلاح... الخ. مع كثير من البنود التي تنص على حفظ حقوق المسلمين, والتي صيغت لجعل الشعب المسلم يوافق على هذه المعاهدة, والى جانب هذا الاتفاق العلني عقد اتفاق سري آخر, يتضمن ثمن توقيع المعاهدة الأولى من هبات مالية وامتيازات معيشية لمن وقع الاتفاقية. وتحسبا من رفض الشعب المسلم للمعاهدة فقد نشر " الصغير " قوات جيشه لمصادرة السلاح من المواطنين, وقاموا باعتقال قادة المجاهدين وإعدامهم ليلا قبل تسليم المدينة بيوم واحد, أما بالنسبة للمفاوضين الذين شاركوا في صياغة هذه الاتفاقية فكانوا وزراء " الصغير " أبو القاسم المليح ويوسف بن كماشة، فقد تنصروا ولكن يبدوا أن مسا من الجنون قد أصاب الوزير بن كماشة, فبعد تنصره دخل احد الأديرة المسيحية ولم يعد احد يسمع به حتى مات. أما صاحب الشرطة " فتوح وادي أش " وهو المسئول عن اعتقال المجاهدين وإعدام قادتهم فقد تنصر وأصبح اسمه " الدون فيلا دي كاسترو".
أما البطل موسى بن أبي غسان فقد قرر أن لا يحيا حياة الذل ولو ساعة واحدة تحت حراب الأسبان، فحمل سيفه وهجم به على مجموعة منهم واستشهد رحمه الله بعد أن قتل عشرة من فرسانهم.
أما الأكثر إثارة للدهشة فهو أبو عبد الله الصغير الذي رفض التنصر جملة وتفصيلا على الرغم من تسليمه غرناطة, ومنع الشعب من المقاومة بكل السبل, وفي النهاية قرر المغادرة بعد أن غدا شخصا غير مرغوب به بعد رفضه التنصر.
وغادر أبو عبد الله الصغير الأندلس في أوائل اوكتوبر 1493 م ومعه بعض إتباعه وأهله والمرتبطين به، ونزل مليلة ومنها إلى فاس حيث استقر هناك وفي تلك السنة نزلت بالناس سنة رديئة, ومجاعة عظيمة, وقال الناس أنها لعنة ذلك الذي ضيع الإسلام.
وقد أقام قصرا على الطراز الأندلسي, وصار ينفق من ثمن غرناطة الذي قبضه من فرديناند وإيزابيلا, وعاش بعدها حياة مجهولة لم يعرف تفاصيلها احد، مات وهو في الخامسة والسبعين من عمره واختلف المؤرخون في سبب موته، وقيل أن انه قتل في إحدى المعارك بين سلطان فاس ومعارضيه, وقد ترك من الأولاد احمد ويوسف، حيث ذكر " المقري " المؤرخ الشهير انه رأى أبناءهما في فاس شيوخا يتسولون ويعيشون على الصدقات في العام 1618 م.
ويشاء القدر أن يظل شاهد قبره حيث كتب عليه اسمه وتاريخ ميلاده ويوم وفاته عتبة لباب منزل صغير بمدينة تلمسان, يطأه الناس بأقدامهم في دخولهم وخروجهم. هذا هو محمد بن نصر، أو أبو عبد الله الصغير, مات في قتال لا شأن له به, شيخا له 75 عاما, غريبا عن بلده, حاملا ذلا لا ينتهي, وعار الاتهام بالخيانة والتفريط يلاحقه كلما تذكرنا الفردوس المفقود.
الشبكة العربية العالمية
.
في العام 1482 تقلد أبو عبد الله الصغير عرش غرناطة, وكان عمره لا يتجاوز 25 عاما, وكانت الأندلس الإسلامية قد تقلصت وانكمشت في المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة الأيبيرية على شكل مملكتين, يتنازع ملوكهما على كل شيء هما مملكتا ملقه وغرناطة.
وفي تلك السنة, هاجم الأسبان إمارة ملقه في محاولة للاستيلاء عليها وإبادة من بها من المسلمين, لكنهم هزموا شر هزيمة على يد أبي عبد الله الزغل, الذي طار ذكره في الآفاق كبطل شعبي بعث الحماس في نفوس المسلمين في أرجاء الأندلس, وأعطاهم بعض الأمل في إمكانية استعادة الأمجاد المفقودة, والخروج من دائرة الذل والمهانة التي يعيشونها.
أما أبو عبد الله الصغير, فقد شعر بالغيرة للشعبية الهائلة التي حصل عليها " الزغل " وأراد أن يقلده, فخرج في جيش كبير يريد قتال الأسبان, لكنه هزم شر هزيمة, واسر وبقي في الأسر عامان, ولم يخرج إلا بعد أن وقع اتفاقا سريا مع فرديناند ملك الأسبان وزوجته إيزابيلا, ينص على مساعدته في استعادة عرش غرناطة, مقابل أن يعترف بالطاعة والتبعية للتاج الاسباني, وان يدفع جزية سنوية, ويفرج عن الأسرى النصارى في سجون غرناطة, وان يقدم ابنه وبعض أبناء الأمراء رهينة للوفاء, وان يناصرهم ضد مالقا وسلطانها الزغل.
أما أهالي غرناطة المسلمة, فلم يفهموا الملك على حقيقته عند رجوعه من الأسر, بل رأوا فيه مجاهدا مسلما قاتل واسر, ولم يعلموا أن الصغير قد خرج من الأسر ضعيفا متهالكا قد باع للعدو شرفه ودينه لقاء العرش.وعاد أبو عبد الله الصغير بفكر جديد إلى المسلمين في غرناطة, لماذا لا نتصالح ونتهادن مع الأسبان, فتقف الحروب ويتفرغ العمال لأعمالهم والتجار لتجارتهم, و الزراع لزراعتهم، ولم يشك احد في نبل مقصده, وشرف غايته, وهو المجاهد القديم. ولكن هذه الدعوة أحدثت الاضطراب والانقسام, الأمر الذي مكن الأسبان من السيطرة على قواعد إسلامية هامة أثناء ذلك الاضطراب, وتتابعت الأحداث, وبدأت المناطق الإسلامية تسقط الواحدة تلو الأخرى، وسقطت ملقه بعد خيانة المدعو يحيى النيار, الذي تنصر سرا وبذل جهدا كبيرا ليرغم الزغل على التسليم، وأخيرا وعلى غير ما هو متوقع من فارس مثل الزغل, فقد وقع معاهدة سرية واستسلم وغادر بعدها إلى المغرب, ثم استقر في تلمسان حيث عاش نادما متحسرا على النهاية الأليمة التي انتهى إليها.
أما "الصغير " ملك غرناطة, فقد وقع اتفاقا سريا جديدا مع الأسبان, ينص على تسليم غرناطة إذا سقطت بسطة والمرية ووادي أش وهي مدن ملقه. وقد تحقق الشرط فوجب الوفاء، لكن شعب غرناطة رفض هذه المعاهدة, وأرغم " الصغير " على الخروج للحرب ضد الأسبان الذين حشدوا جيشا قوامه ثمانون ألفا, وبدئوا بحصار غرناطة التي أظهرت في تلك الفترة أعظم صور الجهاد والتضحية والاستبسال, وكان المجاهد البطل موسى ابن أبي غسان يخرج لقتال العدو كل يوم أو ليلة, وبدا أن النصر قد أصبح قريبا لكنه بحاجة إلى مزيد من الصبر و التضحية التي مهما عظمت فقد ثبت أنها اقل كلفة وضحايا من الاستسلام - كما ظهر لاحقا-.
أما الصغير, ورغم عدم قدرته على الجهر بنيته لتسليم المدينة, لكنه اخذ يخوف الإشراف من طرف خفي, ومع ضغط الحصار ودور الطابور الخامس في نشر اليأس في نفوس الشعب اخذ يظهر هناك من يدعوا إلى التسليم, وساهم " الصغير " وحاشيته في حملة تعبئة تظهر أن لا طريق سوى طريق الاستسلام للسلامة, وللحفاظ على النفس والمال والأهل وبات الجو مهيئا للاستسلام، وتوقفت حملات القتال التي كانت تخرج من المدينة وبدأت المفاوضات مع الأسبان للاستسلام، وفي النهاية تم توقيع اتفاقية في شهر نوفمبر سنة 1491 م تنص على تسليم المدينة, وتسريح الجيش ومصادرة السلاح... الخ. مع كثير من البنود التي تنص على حفظ حقوق المسلمين, والتي صيغت لجعل الشعب المسلم يوافق على هذه المعاهدة, والى جانب هذا الاتفاق العلني عقد اتفاق سري آخر, يتضمن ثمن توقيع المعاهدة الأولى من هبات مالية وامتيازات معيشية لمن وقع الاتفاقية. وتحسبا من رفض الشعب المسلم للمعاهدة فقد نشر " الصغير " قوات جيشه لمصادرة السلاح من المواطنين, وقاموا باعتقال قادة المجاهدين وإعدامهم ليلا قبل تسليم المدينة بيوم واحد, أما بالنسبة للمفاوضين الذين شاركوا في صياغة هذه الاتفاقية فكانوا وزراء " الصغير " أبو القاسم المليح ويوسف بن كماشة، فقد تنصروا ولكن يبدوا أن مسا من الجنون قد أصاب الوزير بن كماشة, فبعد تنصره دخل احد الأديرة المسيحية ولم يعد احد يسمع به حتى مات. أما صاحب الشرطة " فتوح وادي أش " وهو المسئول عن اعتقال المجاهدين وإعدام قادتهم فقد تنصر وأصبح اسمه " الدون فيلا دي كاسترو".
أما البطل موسى بن أبي غسان فقد قرر أن لا يحيا حياة الذل ولو ساعة واحدة تحت حراب الأسبان، فحمل سيفه وهجم به على مجموعة منهم واستشهد رحمه الله بعد أن قتل عشرة من فرسانهم.
أما الأكثر إثارة للدهشة فهو أبو عبد الله الصغير الذي رفض التنصر جملة وتفصيلا على الرغم من تسليمه غرناطة, ومنع الشعب من المقاومة بكل السبل, وفي النهاية قرر المغادرة بعد أن غدا شخصا غير مرغوب به بعد رفضه التنصر.
وغادر أبو عبد الله الصغير الأندلس في أوائل اوكتوبر 1493 م ومعه بعض إتباعه وأهله والمرتبطين به، ونزل مليلة ومنها إلى فاس حيث استقر هناك وفي تلك السنة نزلت بالناس سنة رديئة, ومجاعة عظيمة, وقال الناس أنها لعنة ذلك الذي ضيع الإسلام.
وقد أقام قصرا على الطراز الأندلسي, وصار ينفق من ثمن غرناطة الذي قبضه من فرديناند وإيزابيلا, وعاش بعدها حياة مجهولة لم يعرف تفاصيلها احد، مات وهو في الخامسة والسبعين من عمره واختلف المؤرخون في سبب موته، وقيل أن انه قتل في إحدى المعارك بين سلطان فاس ومعارضيه, وقد ترك من الأولاد احمد ويوسف، حيث ذكر " المقري " المؤرخ الشهير انه رأى أبناءهما في فاس شيوخا يتسولون ويعيشون على الصدقات في العام 1618 م.
ويشاء القدر أن يظل شاهد قبره حيث كتب عليه اسمه وتاريخ ميلاده ويوم وفاته عتبة لباب منزل صغير بمدينة تلمسان, يطأه الناس بأقدامهم في دخولهم وخروجهم. هذا هو محمد بن نصر، أو أبو عبد الله الصغير, مات في قتال لا شأن له به, شيخا له 75 عاما, غريبا عن بلده, حاملا ذلا لا ينتهي, وعار الاتهام بالخيانة والتفريط يلاحقه كلما تذكرنا الفردوس المفقود.
الشبكة العربية العالمية
.