- إنضم
- 13 مايو 2024
- المشاركات
- 54,848
- مستوى التفاعل
- 42,127
- النقاط
- 1,410
- الاوسمة
- 1
- الإقامة
- فُي قٌلُِبَ آلُِحٍڪآية
فليس أكثر الناس هدوءًا بالضرورة أكثرهم راحة، ولا أكثرهم ضحكًا أكثرهم سعادة.
فأحيانًا يكون الهدوء مهارةً تعلّمها الإنسان بعد طول ضجيج، ويكون الضحك ستارًا أنيقًا يخفي خلفه قلبًا أنهكته أشياء لم يجد لها اسمًا، ولا وجد الشخص الذي يستطيع أن يرويها له دون أن يخشى أن يُساء فهمه.
هناك حقيقة لا يخبرنا بها أحد:أن الإنسان لا يتعب دائمًا مما مرّ به، بقدر ما يتعب مما اضطر إلى إخفائه بعد أن مرّ به.
يتعب من الكلمات التي ابتلعها في اللحظة التي كان يحتاج فيها أن يقولها، ومن العتاب الذي بقي عالقًا في حلقه لأنه خاف أن يخسر من يحب، ومن الدموع التي مسحها سريعًا قبل أن يراها أحد، ومن الأسئلة التي ظل يبحث لها عن إجابة ولم يجد، ومن المشاعر التي أخفاها طويلًا حتى نسي كيف يعبّر عنها.
يتعب الإنسان من محاولته المستمرة لأن يبدو بخير، بينما شيء في داخله ليس بخير على الإطلاق.
ولهذا قد تسمع أحدهم يقول ببساطة:
«أنا بخير.»
ولا تعني هذه الجملة دائمًا أنه بخير فعلًا؛
قد تعني فقط أنه لا يعرف من أين يبدأ الحكاية، ولا كيف يشرح كل ذلك الركام المتراكم في داخله.
فكيف يمكن لإنسان أن يشرح حزنًا تراكمت تفاصيله على مدى سنوات؟
وكيف يصف شعورًا لم يجد له منذ البداية كلمات مناسبة؟
وكيف يخبر الآخرين بأنه متعب، وهو نفسه لا يعرف أي جزء منه يحتاج إلى الراحة أولًا؟
نحن لا نرى من الإنسان إلا الوجه الذي اختار أن يريَنا إياه.
نرى ابتسامته، ولا نعرف كم مرة بكى بعيدًا عن العيون.
نسمع ضحكته، ولا نعرف كم معركة خاضها قبل أن يستطيع أن يضحك بهذه الخفة.
نرى هدوءه، ولا نعرف كم عاصفة مرّت في داخله حتى أصبح يتقن الصمت.
ونسمع كلماته الواثقة، ولا نعرف كم مرة كان ينهار في داخله ثم يجمع نفسه ويعود إلى الآخرين وكأن شيئًا لم يكن.
فليس كل صامتٍ مرتاحًا، ولا كل مبتسمٍ سعيدًا، ولا كل قويٍّ لم ينكسر يومًا.
بعض الناس يضحكون لأنهم لا يريدون أن يثقلوا على أحد، ويتحدثون كثيرًا حتى لا يتركوا للصمت فرصةً لفضح ما في داخلهم، ويبدون أقوياء لأنهم لم يجدوا في حياتهم مساحةً آمنة ليكونوا ضعفاء فيها.
وقد يكون أكثر الناس احتواءً للآخرين هو أكثرهم احتياجًا إلى من يحتويه.
وقد يكون الشخص الذي يطمئن الجميع كل ليلة، هو نفسه من يحتاج إلى من يسأله بصدق:
«وأنت… كيف حالك حقًا؟»
نحن بارعون في الحكم على الظاهر، لكننا عاجزون عن رؤية المعارك الخفية التي يخوضها الآخرون.
نحكم على شخص من ابتسامته، أو من هدوئه، أو من قلة شكواه، ثم ننسى أن لكل إنسان حكاية لا تظهر كاملة على وجهه.
هناك وجوهٌ مرّت بحروب لم يسمع بها أحد.
وقلوبٌ حملت فوق طاقتها ثم واصلت السير.
وأرواحٌ اعتادت أن تخفي تعبها حتى أصبح إخفاؤه جزءًا من شخصيتها.
ولعل أقسى أنواع التعب ليس أن تبكي، بل أن تحتاج إلى البكاء ولا تستطيع.
ليس أن تتحدث عن وجعك، بل أن تحمل وجعك طويلًا حتى يصبح الحديث عنه أصعب من احتماله.
وليس أن تنهار أمام أحد، بل أن تظل متماسكًا لأنك لم تجد شخصًا تشعر معه بالأمان الكافي لتنهار.
لهذا، لا تتعجل الحكم على أحد.
كن أكثر رحمةً في نظرتك إلى الآخرين؛ فأنت لا تعرف ما الذي يخوضونه حين يعودون إلى غرفهم، ولا تعرف كم فكرةً تؤلمهم قبل أن يغمضوا أعينهم، ولا تعرف كم مرة قالوا لأنفسهم: «سأكون بخير»، فقط لأنهم لم يجدوا خيارًا آخر.
فبعض التعب لا يظهر على الجسد، وبعض الحزن لا تفضحه العين، وبعض الانكسارات لا يصدر عنها صوت.
وقد لا يكون أكثر ما أتعبنا هو ما حدث لنا، بل كل ما اضطررنا إلى إخفائه بعد حدوثه؛
كل كلمة لم نقلها، وكل دمعة حبسناها، وكل خوف تظاهرنا بعدم وجوده، وكل ألم ابتلعناه حتى لا نبدو ضعفاء أمام الآخرين.
لقد أتعبتنا الأشياء التي بقيت حبيسة في أعماقنا، تنتظر منذ سنوات شخصًا واحدًا فقط…
شخصًا لا يقاطع، ولا يحكم، ولا يقلل من وجعنا، ولا يطلب منا أن نكون أقوياء.
شخصًا نستطيع أمامه أن نخلع ذلك الوجه الذي ارتديناه طويلًا، وأن نقول للمرة الأولى دون خوف:
«لست بخير… لكنني تعبت من التظاهر بأنني بخير.»
وربما، في تلك اللحظة تحديدًا، لا نحتاج إلى حلٍّ لكل شيء؛
نحتاج فقط إلى قلبٍ آمن، ويدٍ لا تتركنا، وأذنٍ تسمع الحكاية كاملة…
فبعض الأرواح لا تحتاج إلى من ينقذها، بقدر ما تحتاج إلى من يمنحها أخيرًا الإذن بأن تتعب.