- إنضم
- 13 مايو 2024
- المشاركات
- 54,865
- مستوى التفاعل
- 42,191
- النقاط
- 1,410
- الاوسمة
- 1
- الإقامة
- فُي قٌلُِبَ آلُِحٍڪآية
في داخلي مدينةٌ مهجورة، لا يعرف أحدٌ طرقها، ولا يعرف كيف يصل إلى أحيائها البعيدة. مدينةٌ كانت يومًا تعجّ بالحياة، ثم مرّت بها أشياء كثيرة، فغادرها بعض أهلها، وانطفأت أنوار شوارعها، وأُغلقت نوافذها على أصواتٍ قديمة لم يعد لها صدى.
في زواياها ذكرياتٌ لم تمت تمامًا، لكنها لم تعد قادرة على الحياة أيضًا؛ بقيت معلّقة بين الماضي والحاضر، كصورٍ باهتة على جدران بيتٍ هجره أصحابه منذ زمن. هناك أماكن لا أزورها إلا في داخلي، وأبوابٌ لا أفتحها لأحد، لأن خلفها حكاياتٍ لا أعرف كيف أرويها دون أن يعود معها كل ذلك الوجع.
تعلمتُ أن أبتسم حين يكون داخلي بحاجة إلى البكاء، وأن أجيب بهدوء: «أنا بخير»، بينما شيءٌ ما في روحي ينهار بصمت. تعلّمت كيف أمارس يومي بصورة طبيعية، أتكلم، وأضحك، وأشارك الآخرين تفاصيل الحياة، ثم أعود إلى وحدتي لأجد نفسي أمام كل ما حاولت طوال النهار ألا أفكر فيه.
وليس كل ما يؤلمنا يترك أثرًا يمكن رؤيته؛ فهناك جراحٌ لا تظهر على الجسد، لكنها تغيّر ملامح الروح. وهناك حروبٌ لا يسمع أحدٌ دويّها، لأنها لا تقع في الشوارع ولا بين الجيوش، بل تحدث في أعماق إنسان يحاول كل يوم أن يقنع نفسه بأنه قادر على الاستمرار.
كم من شخصٍ يبدو أمام الآخرين ثابتًا، قويًا، متماسكًا، بينما يسقط في داخله آلاف المرات حين يغلق باب غرفته، ويصبح وحيدًا مع أفكاره. بعض الناس لا يحتاجون إلى من ينقذهم بقدر ما يحتاجون إلى شخصٍ يشعر بهم، إلى قلبٍ لا يطلب منهم تفسيرًا طويلًا، ولا يسألهم لماذا تغيّروا، بل يكتفي بأن يقول: «أنا هنا».
وأحيانًا لا نبحث عن السعادة كما يتخيلها الآخرون؛ لا نريد حياةً مثالية، ولا أيامًا تخلو من المشكلات، ولا عالمًا يسير دائمًا كما نشتهي. كل ما نتمناه في بعض الأيام أن يخفّ هذا الثقل قليلًا، أن نستيقظ دون أن نشعر بأن شيئًا ما يجثم فوق صدورنا، وأن تمرّ ساعات النهار دون أن نخوض معركة جديدة مع أنفسنا.
نريد فقط أن تهدأ الضوضاء التي لا يسمعها أحد، أن تتوقف الأسئلة التي لا تجد إجابة، وأن تتصالح أرواحنا مع الأشياء التي عجزنا عن تغييرها. نريد أن ننام دون أن نستعيد كل ما حدث، وأن نستيقظ دون أن نخاف مما سيحدث.
وربما أقسى ما في الأمر أن الإنسان قد يعتاد حمل أوجاعه إلى درجة أن الآخرين يظنون أنه لم يعد يتألم. يعتاد الصمت حتى يصبح الصمت جزءًا من شخصيته، ويعتاد إخفاء انكساراته حتى ينسى الجميع أن خلف هذا الهدوء قلبًا يتعب أيضًا.
لكن في تلك المدينة المهجورة، رغم كل الخراب، لا يزال هناك ضوءٌ صغير لم ينطفئ تمامًا. ربما هو الأمل، وربما هو ذلك الجزء من الروح الذي يرفض أن يستسلم، ويؤمن بأن بعض الأبواب ستُفتح يومًا، وأن الشوارع التي غطّاها الغبار يمكن أن تعود إليها الحياة.
فليس كل ما تهدّم في داخلنا نهايةً للحكاية؛ أحيانًا يكون الخراب مجرد مساحةٍ نحتاج إلى إعادة بنائها بهدوء، بعيدًا عن أعين الآخرين، وبالطريقة التي تشبهنا.
وربما لا نحتاج في النهاية إلى أن يفهم العالم كل ما يحدث في داخلنا… يكفينا أن نجد طريقًا يعود بنا إلى أنفسنا، وأن نستعيد شيئًا من السلام الذي أضعناه ونحن نحاول أن نظهر للجميع بأننا بخير.
في زواياها ذكرياتٌ لم تمت تمامًا، لكنها لم تعد قادرة على الحياة أيضًا؛ بقيت معلّقة بين الماضي والحاضر، كصورٍ باهتة على جدران بيتٍ هجره أصحابه منذ زمن. هناك أماكن لا أزورها إلا في داخلي، وأبوابٌ لا أفتحها لأحد، لأن خلفها حكاياتٍ لا أعرف كيف أرويها دون أن يعود معها كل ذلك الوجع.
تعلمتُ أن أبتسم حين يكون داخلي بحاجة إلى البكاء، وأن أجيب بهدوء: «أنا بخير»، بينما شيءٌ ما في روحي ينهار بصمت. تعلّمت كيف أمارس يومي بصورة طبيعية، أتكلم، وأضحك، وأشارك الآخرين تفاصيل الحياة، ثم أعود إلى وحدتي لأجد نفسي أمام كل ما حاولت طوال النهار ألا أفكر فيه.
وليس كل ما يؤلمنا يترك أثرًا يمكن رؤيته؛ فهناك جراحٌ لا تظهر على الجسد، لكنها تغيّر ملامح الروح. وهناك حروبٌ لا يسمع أحدٌ دويّها، لأنها لا تقع في الشوارع ولا بين الجيوش، بل تحدث في أعماق إنسان يحاول كل يوم أن يقنع نفسه بأنه قادر على الاستمرار.
كم من شخصٍ يبدو أمام الآخرين ثابتًا، قويًا، متماسكًا، بينما يسقط في داخله آلاف المرات حين يغلق باب غرفته، ويصبح وحيدًا مع أفكاره. بعض الناس لا يحتاجون إلى من ينقذهم بقدر ما يحتاجون إلى شخصٍ يشعر بهم، إلى قلبٍ لا يطلب منهم تفسيرًا طويلًا، ولا يسألهم لماذا تغيّروا، بل يكتفي بأن يقول: «أنا هنا».
وأحيانًا لا نبحث عن السعادة كما يتخيلها الآخرون؛ لا نريد حياةً مثالية، ولا أيامًا تخلو من المشكلات، ولا عالمًا يسير دائمًا كما نشتهي. كل ما نتمناه في بعض الأيام أن يخفّ هذا الثقل قليلًا، أن نستيقظ دون أن نشعر بأن شيئًا ما يجثم فوق صدورنا، وأن تمرّ ساعات النهار دون أن نخوض معركة جديدة مع أنفسنا.
نريد فقط أن تهدأ الضوضاء التي لا يسمعها أحد، أن تتوقف الأسئلة التي لا تجد إجابة، وأن تتصالح أرواحنا مع الأشياء التي عجزنا عن تغييرها. نريد أن ننام دون أن نستعيد كل ما حدث، وأن نستيقظ دون أن نخاف مما سيحدث.
وربما أقسى ما في الأمر أن الإنسان قد يعتاد حمل أوجاعه إلى درجة أن الآخرين يظنون أنه لم يعد يتألم. يعتاد الصمت حتى يصبح الصمت جزءًا من شخصيته، ويعتاد إخفاء انكساراته حتى ينسى الجميع أن خلف هذا الهدوء قلبًا يتعب أيضًا.
لكن في تلك المدينة المهجورة، رغم كل الخراب، لا يزال هناك ضوءٌ صغير لم ينطفئ تمامًا. ربما هو الأمل، وربما هو ذلك الجزء من الروح الذي يرفض أن يستسلم، ويؤمن بأن بعض الأبواب ستُفتح يومًا، وأن الشوارع التي غطّاها الغبار يمكن أن تعود إليها الحياة.
فليس كل ما تهدّم في داخلنا نهايةً للحكاية؛ أحيانًا يكون الخراب مجرد مساحةٍ نحتاج إلى إعادة بنائها بهدوء، بعيدًا عن أعين الآخرين، وبالطريقة التي تشبهنا.
وربما لا نحتاج في النهاية إلى أن يفهم العالم كل ما يحدث في داخلنا… يكفينا أن نجد طريقًا يعود بنا إلى أنفسنا، وأن نستعيد شيئًا من السلام الذي أضعناه ونحن نحاول أن نظهر للجميع بأننا بخير.
