بداخلي طفلةٌ صغيرة ، لم تكبر رغم مرور السنوات، ما زالت تسكن زوايا قلبي بهدوء ، وتطلّ من عينيّ كلما مرّت لحظةُ فرحٍ عابرة، أو داعبتني ذكرى جميلة من زمنٍ بسيط ..
طفلةٌ ما زالت تؤمن أن الحياة أوسع من الحزن، وأن الأحلام يمكن أن تتحقق بالدعاء والصبر، وأن الأشياء الصغيرة قادرة على صنع سعادةٍ لا توصف .. مازالت تفرح برسالةٍ لطيفة، وبوردةٍ تُهدى إليها دون سبب، وبسماءٍ تمطر فجأة، وبأغنيةٍ قديمة تعيد إليها شيئًا من ملامح الطفولة.
بداخلي طفلةٌ تحب اللعب بالكلمات، والرسم على أطراف الدفاتر، وتأمل الغيوم وكأنها لوحاتٌ متحرّكة، وتؤمن أن القمر صديقٌ قديم يعرف أسرارها كلها. طفلةٌ تركض نحو الفرح بعفوية، وتغضب سريعًا ثم تنسى سريعًا، وتسامح بقلبٍ نقيّ لا يعرف الحقد. تبكي من موقفٍ بسيط، وتضحك من قلبها دون حساب، وتبحث دائمًا عن الأمان في صوتٍ حنون، وفي حضنٍ يشبه الوطن.
ورغم أن الحياة علّمتني الكثير، وأرهقتني أحيانًا بقسوتها، ما زالت تلك الطفلة تقاوم داخلي، ترفض أن تنطفئ، وتُصرّ أن ترى الجمال في كل شيء .. كلما كسرتني الأيام، جاءت تمسح عن قلبي غبار التعب، وتهمس لي بأن الغد أجمل، وبأن بعد العتمة نورًا، وبعد البكاء ضحكة، وبعد الخذلان تعويضًا من الله. هي الجزء الذي يُبقيني حيّة، والنبض الذي يُنعش روحي كلما أثقلها الواقع.
بداخلي طفلةٌ تعشق التفاصيل الصغيرة، وتؤمن بالمعجزات، وتكتب الأمنيات على صفحات الغيم، وتنتظر الفرح كما ينتظر الصباح أول خيطٍ من نور. وربما أكبر في أعين الناس يومًا بعد يوم، لكن تلك الطفلة ستبقى داخلي… بريئة، حالمة، نقية، تُزيّن عالمي بالأمل، وتُذكّرني دائمًا أن أجمل ما في الإنسان قلبٌ لم تُفسده الحياة بعد.
