حديث حول التَّوبة النَّصوح
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وعلى آله الأخيار الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم وأكرمنا بنور الفهم وافتح علينا أبواب رحمتك وانشر علينا خزائن علومك.
قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾(1)
صدق الله مولانا العلي العظيم
الحديث حول التوبة النصوح، ماهو المراد أولا من التوبة النصوح؟
المراد من التَّوبة النَّصوح:
أولاً: خلوص التوبة
المراد من التوبة النصوح هو التوبة التي تكون خالصةً لوجه الله تعالى، وذلك في مقابل من يُقلع عن الذَّنب رياءً وسُمعةً، أو يُقلع عن الذنب خوفاً، أو حياءً، أو لأيّ باعثٍ ودافعٍ غير وجه الله تعالى، فتلك توبة غيرُ نصوح، بل هي ليست توبة، فالتوبة لا تكون توبةً إلَّا أنْ تكون نصوحاً خالصةً لوجه الله تعالى، والخلوص يعني الصفاء والنقاء، ويعني أن لا يشوبَ القصد والنيَّة أيُّ شائبة أخرى غير التزلُّف والتقرُّب والتودُّد لله جلَّ وعلا.
ثانياً: التحرِّي عمّا يُحقق التوبة:
وثمة معنىً آخر للنصوح، وهو أن يتحرَّى الإنسان الفعل الذي يُنتج الغرض، فإذا كان غرضه التوبة فلا بدَّ أن يتحرَّى التائبُ كلَّ شيء يُساهمُ في تحقيق هذا الغرض، أمَّا أن يقول إنّي تائب وثمَّة أمور ومتعلّقات يتوقف عليها تحقُّق التوبة وهو لا يعتني بها، ولا يكترث لها، ولا يعيرها اهتماماً، فتلك توبةٌ غيرُ نصوح. فعندما ينوي الإنسان التوبة، ويعلم أنَّ عليه مظالم، ثمَّ لا يسعى من أجل احصائها وتحديدها أولاً ثمَّ التخلص منها ثانياً بالاعتذار أو بالضمان، فهو ممَّن لم يتُب توبةً نصوحا. ومَن أزمع التوبة وعليه فرائضُ -كثيرة، أو قليلة- كان قد فوتَّها لإهمالٍ و تفريط، ثمَّ لم يتحرَّ، ولم يسعَ من أجل الخروج من عُهدة هذه الفرائض التي هي على كاهله، وسيُسأل عنها يوم القيامة، ثم يقول إنِّي تائب! فتلك توبةٌ غير نصوح.
فالتوبة لا تكون نصوحاً إلَّا أن تكون واجدة لكلا هذين العنصرين-الخلوص، والتحرِّي- فهما قِوام التوبة.
ثالثاً: عدم العودة إلى الذنب
وحينما سُئل أهل البيت عليهم السلام عن معنى قوله تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾(2)، أفاد الأئمة عليهم السلام بأنَّ التوبة النصوح هي التي لا يترتَّب عنها أو عليها عودة إلى الذنب.
أمَّا مَن تاب ثم عاد، فهذا لم يكن قد تاب توبة نصوحا، إذ إنَّ التوبة النصوح هي التي تكون توبة لا عودة بعدها، وهذا الجواب الذي أفاده أهل البيت عليهم السلام هو تعريفٌ للتوبة النصوح بالأثر، أي أنَّ أثر التوبة النصوح هو أن لا يترتَّب عليها عودةٌ إلى الذنب.
متى لا يترتب على التوبة عودةٌ إلى الذنب؟
يترتَّب الأثر ?عدم العودة إلى الذنب- عندما تكون التوبة خالصة لوجه الله -جلَّ وعلا-، أما عندما تكون خوفاً، فإنَّه حين ينتفي الخوف يعود إلى الذنب، وعندما تكون التوبة رياءاً، فحين لا يكون الإنسان بمرأى من الناس، فسوف يعود إلى الذنب. وعندما تكون التوبة حياءً، فإذا لم يكن ثمَّة ما يوجب الحياء فسوف يعود إلى الذنب. وعندما تكون بواعث التوبة هو تحصيل مكسبٍ أو مصلحة، فعندما لا يترتَّب على التوبة تلك المصلحة أو ذلك المكسب فسوف يعود إلى الذنب. وهكذا، عندما لا تكون التوبة خالصة لوجهه ? تبارك وتعالى-، عندئذٍ سوف يعود إلى الذنب.
فالتوبة النصوح هي كما أفاد العبد الصالح الإمام الكاظم عليه السلام عندما سُئل عن قوله تعالى ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾(3) قال: "يتوب العبد ثم لا يرجع فيه"(4).
رابعاً: التوبة التي تتحقق فيها أركان معيّنة
عرّف الامام أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، التوبة النصوح بغير أثرها، فتصدّى (ع) لبيان واقع التوبة النصوح، وحقيقة التوبة النصوح، فقال: "التوبة ندمٌ بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود"(5).
تلك هي التوبة النصوح، ولها أركانٌ أربعة. وذكرت رواية أخرى ركناً خامساً للتوبة النصوح، فهي مضافاً إلى الندم، وعقد القلب على عدم العود إلى الذنب، والاستغفار باللسان، فثمة شي آخر هو الخروج عن المظالم التي وقعت من الانسان، بأن يخرج منها خروجاً تامَّاً -كما سنوضح ذلك-، تلك هي أركان التوبة النصوح.
التوبة النصوح مقام رفيع يحتاج إلى مقدَّمات
ثمة أمورٌ تكون مُمهِّدة للتوبة النصوح، وقد لا يتمكن الانسان من أن يتوفَّر على أركان التوبة النصوح إذا لم يُوطِّيء، ويُمهِّد لها. فالتوبة مرحلة ومقام سام عند الله -عز وجل-. لاحظ قوله ?تعالى شأنه- حيث وصف التوَّابين بأحبابه، فقال -عزَّ من قائل-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾(6) وورد في الحديث الشريف عن الإمام الباقر عليه السلام: "إنَّ الله تعالى أشدُّ فرحاً بتوبة عبده، من رجلٍ أضلَّ راحلته وزاده، في ليلة ظلماء، فوجدها"(7).
تأمَّلوا، ما هو حجم هذه الفرحة، وحجم هذا الابتهاج الذي ينتاب الإنسان الذي ضلَّ عن راحلته في ليلة ظلماء؟ تصوَّروا الليلة الظلماء التي تُوجب التِّيه والضلال، وعدم وجود وسيلة للخروج من تلك الفلاة وتلك البيداء الواسعة المترامية الأطراف، في ليلٍ مظلمٍ بهيم يكون منشأً لهجوم الآفات والسِّباع، فلا يجد ماينتشلهُ من كلِّ هذه المخاوف، ومن كلِّ هذه المحاذير، فيكون قد أضلَّ راحلته، ثمَّ بعد كلِّ ذلك يجد ما فقده، فأيُّ ابتهاج ينتابه حينذاك؟وأيُّ فرح يغمره في تلك اللحظة التي يجد فيها راحلته وزاده؟ إنَّ الله تعالى أشدُّ فرحاً من هذا الذي أضاع راحلته ثم وجدها!
وورد عن الرسول الكريم (ص) أنَّه قال: "لأللهُ أفرح بتوبة عبده من ثلاثة: أفرح من العقيم الوالد "لاحظوا، عقيم لا تلد، ثم تلد، كم تكون هذه العقيم فرحة بولدها؟ إن الله تعالى أكثر فرحًا بتوبة عبده من تلك العقيم التي لم تكن تلد ثم وُفقت فولدت"، وأكثر فرحاً من الضَّال الواجد "ضلَّ وتاه في الطريق، ولا يدري أيّ طريقٍ يسلك، ضياعٌ في ضياع، ثم يجد الطَّريق. أو أضلَّ وسيلته وراحلته، ولا وسيلة ولا سبيل للخروج من مأزق الطريق المترامي الأطراف، إلَّا أن يجد راحلته، ثمَّ وجدها، كم يكون مبتهجاً؟"، ومن الظمآن الوارد"(8) رجلٌ عَطِشٌ ظمآن، يتلظَّى من الظمأ، ولا ماء يرفع به ظمأه، ثم يجد الماء، كم يكون مبتهجاً؟ إنَّ الله -عز وجل- أشدُّ فرحاً من هؤلاء الثلاثة.
فالتوبة مقامٌ يرتفع بالإنسان إلى مرتبةٍ يكون فيه من أحباب الله تعالى، وممن يبتهج الله -عز وجل- بهم. فإذا كان كذلك، فإذن لا يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه المرتبة، وإلى هذه المرحلة -التي يكون فيها في مقام التوَّابين- إلَّا أن يتخطَّى مجموعة من العقبات.
المقدَّمات الممهِّدة للتوبة النصوح:
المقدمة الأولى: الاعتراف بالذنب:
أول عقبة أشارت إليها الروايات الشريفة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام هي الاعتراف بالذنب، والاعتراف بالذنب ليس توبة، ولكنه يُوطِّيء للتوبة، ويمهِّد لها. إنَّ عدم الاعتراف بالذنب هو أوّل -بل لعله أغلظ- الحجُب التي تحول بين المؤمن وبين التَّوبة، فإذا لم يكن يرى أنَّ ما ارتكبه كان ذنباً، فكيف يتوب منه؟! إذا كان لا يرى أنَّ هذا الفعل معصيةً فكيف يتوب منه؟ إذاً لابدَّ أن يعترف ويُقّر أولاً -بينه وبين نفسه- بأن ما ارتكبه كان ذنباً، وكان معصيةً، وعندئذ يكون مؤهّلا لأن يتوب إلى الله -عزَّ وجلَّ-.
يقول الإمام الباقر عليه أفضل الصلاة والسلام: "لا والله، ما أراد اللهُ تعالى من الناس إلَّا خصلتين: أن يُقِرّوا له بالنعم، فيزيدهم، وبالذنوب، فيغفرها لهم"(9) يعني أن يترتب على الإقرار بالذنب المغفرة ?أي أنّ الفاء في قوله "فيغفرها" هي فاء العاقبة-كما يبدو-؛ إذ ليس منشأ التوبة هو الإقرار وحده، وإنما الإقرار يكون مُمهِّداً للتوبة، وويترتَّب على التوبة المغفرة.
ويقول الإمام علي عليه أفضل الصلاة والسلام: "حُسن الإعتراف، يهدم الإقتراف"(10)، ويقول الإمام الباقر(ع): "والله ما ينجو من الذنب إلَّا من أقرَّ به"(11) فأولاً، لابد من الإقرار بالذنب، وإلَّا لن يتأهَّل الإنسان لأن يكون في موقع التوبة.
المقدمة الثانية: الإنتباه وعدم الغفلة:
ثمة أمر آخر، وهو الغفلة عن محاسبة النفس، فهذا ينسيه الذنوب، يذنب الذنب تلو الذنب، ثمَّ لا يعتني به، فيُغفله، فينساه -وقد كتبه عليه الكتبة الحفظة-، ثم لا يرى نفسه مذنباً، فلا يتوب. أما الإنسان الذي يراقب نفسه، ويحاسبها يوماً بيوم، ساعةً بساعة، فهذا سوف يكون مؤهلاً للتوبة.
المقدمة الثالثة: أن لا تأخذنا العزّة بالإثم:
ثمة حجابٌ آخر، ومانع يحول دون التوبة، وهو العزة بالإثم. إنَّه قد يدرك الإنسان أنه مذنب، ولا ينسى ذنبه، ويعرف أنَّه قد اقترف الذنب، ولكن تأخذه العزَّةُ بالإثم، فلا يسعى من أجل الخروج من الذنب، وتحول العزةُ بالإثم دون التوبة. فهو يُدرك أنه قد أهان صاحبه، أو تعدَّى على حقٍّ من حقوق صديقه، ولكنَّه يخشى أن يعتذر إليه، فيكون ذلك إنكساراً وذلةً، تُنافي أنفَته، واعتزازه بنفسه، لذلك فهو لا يتوب، ولا يخرج من الذنب بواسطة الاعتذار!
يُهين زوجته، وقد يضربها، وقد يعنِّفها، ثم يقول: إذا اعتذرت فتلك ذّلة!! إنَّها مؤمنة، والمؤمن إذا أُهين فلابدَّ من الخروج من هذا الذنب العظيم بواسطة الإعتذار إليه، "من كسر مؤمناً فعليه جبره"(12)، فهذا أهان زوجته، شتمها، وربما يكون قد ضربها، ثم لا يعتذر؛ لأنَّه يقول إذا اعتذرتُ فستنكسر هيبتي، وأُصبح بلا هيبةٍ أمام الأولاد و أمام زوجتي! هذا نوعٌ من العزَّة بالإثم، فإنْ لم يعتذر إلى زوجته، ولم يتب، فإنَّه سيأتي يوم القيامة حاملاً لهذا الوزر على ظهره.
كثيرٌ من المؤمنين يفعلون الخيرات والمبرَّات والطاعات، ولكنَّهم سيئي الخلق مع أصدقائهم، أو مع زوجاتهم، أو مع أقاربهم. نحن قد نقلنا سابقاً ماورد في الروايات عن قصة سعد بن معاذ، إنّ سعد بن معاذ رجلاً جليلاً عظيم القدر، وكان من خُلَّص الأصحاب للرسول الكريم صلى الله عليه وآله، وكان قد أصابه سهم فأصبح جريحاً ينزف، اضطره ذلك لأنْ يبقى في فراشه بعد غزوة الأحزاب، حيث قد أصابه سهمٌ طائش من وراء الخندق، فوقع في أكحله، ولكنّه لم يقتله، وبعد أن انتهت معركة الأحزاب قام النبي (ص) بمحاصرة اليهود، لأنَّهم قد مالؤا المشركين، ثم إنَّ اليهود طلبوا الإحتكام بينهم وبين الرسول (ص) إلى سعد، حيث كانت بينه وبينهم صحبة وتحالف قبل الإسلام، فحكم سعد بن معاذ عليهم بأنْ يخرجوا من المدينة المنورة، فأخذ الله بحكمه ورسوله (ص). هذا الرجل -بعد هذا الحكم- استُشهد، بعد أنْ أثّر فيه النَّزف والجراح. فقام الرسول صلى الله عليه وآله في جهازه ومشى في جنازته حافياً، وقد رفع عن ظهره رداءه، فالناس كانوا يقولون: بشرى لك يا سعد، مَن مثلك ورسول الله (ص) يمشي في جنازتك، حافياً ثم ساهم رسول الله(ص) في إيداعه في قبره، بعد أن صلَّى عليه، وترحَّم عليه، وجلس على شفير القبر، فأخذ الناس يغبطون سعداً، وهنا التفت إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: لا، كلُّ ذلك لن ينجيه من ضغطة القبر!! عجباً، هذا سعد، ومقامه، وصحبته، وشهادته، ومشيُ رسول الله (ص) خلف جنازته، وبعد ذلك يصاب بضغطة القبر؟! قال: "نعم، إنَّه كان زعر الأخلاق مع أهله"(13) نعم، كان الرجل مؤمناً، ومجاهداً، وفي خارج المنزل قد لا يعامل الناس كما يعامل زوجته، ولكنَّه كان سيء الخلق مع أهله لذلك يُصاب بضغطة القبر.
المقدمة الرابعة: تجنّب قرناء السوء:
وثمَّة أمرٌ آخر -وتوجد أمور كثيرة، نذكر هذا الأمر فقط؛ لضيق الوقت- وهو قرناء السوء، وبطانة السوء، هؤلاء يزيِّنون الذنب للإنسان، يزينون له الذنب، ولذلك فهولا يتوب منه. من هنا فإنّ الإنسان الذي يريد التوبة فإن عليه أن يتخلص من بطانة السوء، ومن قرناء السوء، ويعيش في أجواء الإيمان، وأجواء الهدى والصلاح، مع رفقاء يُذكِّرونه بالله، ويقرِّبونه إلى الله -عز وجل- أما قرناء السوء، ومحافل السوء، ومجالس السوء، ومنتديات السوء، فهي كلها تخلق حجباً عند الإنسان، وتمنعه من التوبة، فيتمادى في الذنب، ويضع الذنب على الذنب، يقول الإمام عليه السلام: "قال: قال رسول الله (ص): أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب، وكثرة مناقشة النساء: يعني محادثتهن، ومماراة الأحمق ويقول ولا يرجع إلى خير مجالسة الموتى، فقيل له: يا رسول الله، وما الموتى؟ قال: كل غنى مترف"(14)، هذا الإنسان يُذنب، ثم يذنب، ثم يذنب، لماذا؟ لأنه واقعٌ في أجواء تُزيّن له الذنب، لذلك هو لا يترك الذنب فلا يتوب إلى الله تعالى.
إذا تخطى المؤمن هذه المراحل والمقدمات، عندئذ يتأهَّل لمقام التوبة النصوح.
أركان التوبة النصوح:
الركن الأول: الندم:
الركن الركين والأساسي للتوبة هو الندم، وهو يعني استشعار الحسرة والأسف الشديد على ما ارتكبه واقترفه في جنب الله تعالى.
لابدَّ أن يستشعر التائب الضيق والألم في نفسه، والحسرة والأسف على ما فرَّط في جنب الله -عز وجل- فالتوبة ليست مجرَّد الاقلاع عن الذنب وحسب، أو الابتعاد عن الذنوب وحسب، وإنَّما استشعار الأسف، واستشعار الحسرة، واستشعار الألم الدائم المستمر، فكلَّما ذكر الذنب شعر بالحسرة، هذا هو الركن الأول، وهو الركن الأساسيّ، وهو المنشأ لعدم العود إلى الذنب، والإنسان الذي لم يندم على الذنب فسيعود إليه.
الركن الثاني: الخروج من تبعات الذنوب:
الأمر الثاني وهو أساسيٌّ أيضاً، وهو الخروج من تبعات الذنوب:
فالإنسان تكون عليه مظالم، آذى مؤمناً -مثلاً-، سلب حقّ أخيه، عليه دينٌ لم يقضه، وماطل في قضائه وأدائه، أتلف مال الغير ولم يضمن، أدمى أحداً، أو جرحه، أو أصابه بعطبٍ في جسده، أو ما إلى ذلك. فلم يُؤدِّ الدِّية، ولم يعتذر منه، ثمَّ يقول أنا تائب!! كلا، لا تتحقق التوبة إلّا بأداء الحقوق إلى أهلها والخروج من المظالم التي في الذمة.
يُروى أنَّ رجلاً كان يشغل منصب وزير في الديوان عند بني أمية -فهو موظف كبير-، هذا الرجل وبعد ردحٍ من الزمن نبت لحمه مما يجنيه من تلك الوظيفة، وقويَ وأشتد عظمه من هذه الأموال التي كان يكتسبها من وظيفته، ثم شعر بالندم، فكلّم صديقاً له، -وهذا الصديق كان له دخول وخروج على الإمام الصادق عليه السلام(15)- فقال له: تستأذن لي على الإمام الصادق؟ أُريد أنْ أتوب. قال له: نعم، فاستأذن له الإمام الصادق عليه السلام، فأجابه الإمام بأنْ دعه يأتي، ولما جاء الرجل ودخل وجلس، قال للإمام (ع): جُعِلت فداك، إنّي كنت في ديوان هؤلاء، فأصبتُ من دنياهم مالاً كثيراً، وأغمضت فيه "يعني تساهلتُ في تحصيل هذه الأموال بلا حساب، وربما استغل منصبه لابتزاز الناس، وغصبهم، وأخذ أموالهم، وأبرن عقوداً محاباتية، وما إلى ذلك" قال: فهل لي من مخرج؟ قال له: "نعم، اُخرج من أموالك كلها، وارجع بلا شيء، حتى هذه الثياب التي تلبسها، إن كانت من الأموال التي حصَّلتها من ديوان هؤلاء الظلمة فاخلعها أيضاً، واقترض لك ما تشتري به ثياباً إلى أن يرزقك الله، فاخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددتَ عليه ماله، ومن لم تعرف تصدَّقت به، وأنا أضمن لك على الله الجنَّة" وهو ضامنٌ، وجيهٌ عند الله، فإذا ضَمِن يَفعل.
إذن، فالذنب لا يخرج منه مرتكبُه إلَّا أن يخرج من تبعاته، رُويَ انَّ شيخاً -من النُخع- قال للإمام الباقر (ع): لم أزل والياً منذ زمن الحجاج، إلى يومي هذا، فهل لي من توبة؟ فسكت الإمام (ع) عنه، فأعاد عليه السؤال، فأعرض عنه، فأعاد عليه السؤال، فقال له الإمام (ع): مالك توبة، مالك توبة، حتى تُؤدِّي إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه عندئذ تكون لك توبة(16).
الركن الثالث: العزم على عدم العود:
الركن الثالث من أركان التوبة، هو عقد القلب -عزم شديد أكيد- على عدم العود، أما أن يقول سأتوب فعلاً، وإذا تهيَّأ له الذنب من جديد فمن المحتمل أن يرتكبه مرة أخرى، فهذا لم يتب أساساً. نعم، قد يعود بعد ذلك بسبب الضعف أو التقصير، فيكون قد تاب ثمَّ زلَّت قدمه، أما أنْ يكون حين التوبة متوقعاً عودته للذنب مرة أخرى أو محتملاً لذلك، فهو ممَّن لم يعقد العزم الأكيد والشديد، أي أنه لم يتحقَّق منه ركنٌ من أركان التوبة، فلا توبة أصلاً.
الركن الرابع: الاستغفار
نكتفي بهذا المقدار.
والحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد صنقور
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وخاتم النبيين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وعلى آله الأخيار الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم وأكرمنا بنور الفهم وافتح علينا أبواب رحمتك وانشر علينا خزائن علومك.
قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾(1)
صدق الله مولانا العلي العظيم
الحديث حول التوبة النصوح، ماهو المراد أولا من التوبة النصوح؟
المراد من التَّوبة النَّصوح:
أولاً: خلوص التوبة
المراد من التوبة النصوح هو التوبة التي تكون خالصةً لوجه الله تعالى، وذلك في مقابل من يُقلع عن الذَّنب رياءً وسُمعةً، أو يُقلع عن الذنب خوفاً، أو حياءً، أو لأيّ باعثٍ ودافعٍ غير وجه الله تعالى، فتلك توبة غيرُ نصوح، بل هي ليست توبة، فالتوبة لا تكون توبةً إلَّا أنْ تكون نصوحاً خالصةً لوجه الله تعالى، والخلوص يعني الصفاء والنقاء، ويعني أن لا يشوبَ القصد والنيَّة أيُّ شائبة أخرى غير التزلُّف والتقرُّب والتودُّد لله جلَّ وعلا.
ثانياً: التحرِّي عمّا يُحقق التوبة:
وثمة معنىً آخر للنصوح، وهو أن يتحرَّى الإنسان الفعل الذي يُنتج الغرض، فإذا كان غرضه التوبة فلا بدَّ أن يتحرَّى التائبُ كلَّ شيء يُساهمُ في تحقيق هذا الغرض، أمَّا أن يقول إنّي تائب وثمَّة أمور ومتعلّقات يتوقف عليها تحقُّق التوبة وهو لا يعتني بها، ولا يكترث لها، ولا يعيرها اهتماماً، فتلك توبةٌ غيرُ نصوح. فعندما ينوي الإنسان التوبة، ويعلم أنَّ عليه مظالم، ثمَّ لا يسعى من أجل احصائها وتحديدها أولاً ثمَّ التخلص منها ثانياً بالاعتذار أو بالضمان، فهو ممَّن لم يتُب توبةً نصوحا. ومَن أزمع التوبة وعليه فرائضُ -كثيرة، أو قليلة- كان قد فوتَّها لإهمالٍ و تفريط، ثمَّ لم يتحرَّ، ولم يسعَ من أجل الخروج من عُهدة هذه الفرائض التي هي على كاهله، وسيُسأل عنها يوم القيامة، ثم يقول إنِّي تائب! فتلك توبةٌ غير نصوح.
فالتوبة لا تكون نصوحاً إلَّا أن تكون واجدة لكلا هذين العنصرين-الخلوص، والتحرِّي- فهما قِوام التوبة.
ثالثاً: عدم العودة إلى الذنب
وحينما سُئل أهل البيت عليهم السلام عن معنى قوله تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾(2)، أفاد الأئمة عليهم السلام بأنَّ التوبة النصوح هي التي لا يترتَّب عنها أو عليها عودة إلى الذنب.
أمَّا مَن تاب ثم عاد، فهذا لم يكن قد تاب توبة نصوحا، إذ إنَّ التوبة النصوح هي التي تكون توبة لا عودة بعدها، وهذا الجواب الذي أفاده أهل البيت عليهم السلام هو تعريفٌ للتوبة النصوح بالأثر، أي أنَّ أثر التوبة النصوح هو أن لا يترتَّب عليها عودةٌ إلى الذنب.
متى لا يترتب على التوبة عودةٌ إلى الذنب؟
يترتَّب الأثر ?عدم العودة إلى الذنب- عندما تكون التوبة خالصة لوجه الله -جلَّ وعلا-، أما عندما تكون خوفاً، فإنَّه حين ينتفي الخوف يعود إلى الذنب، وعندما تكون التوبة رياءاً، فحين لا يكون الإنسان بمرأى من الناس، فسوف يعود إلى الذنب. وعندما تكون التوبة حياءً، فإذا لم يكن ثمَّة ما يوجب الحياء فسوف يعود إلى الذنب. وعندما تكون بواعث التوبة هو تحصيل مكسبٍ أو مصلحة، فعندما لا يترتَّب على التوبة تلك المصلحة أو ذلك المكسب فسوف يعود إلى الذنب. وهكذا، عندما لا تكون التوبة خالصة لوجهه ? تبارك وتعالى-، عندئذٍ سوف يعود إلى الذنب.
فالتوبة النصوح هي كما أفاد العبد الصالح الإمام الكاظم عليه السلام عندما سُئل عن قوله تعالى ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾(3) قال: "يتوب العبد ثم لا يرجع فيه"(4).
رابعاً: التوبة التي تتحقق فيها أركان معيّنة
عرّف الامام أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، التوبة النصوح بغير أثرها، فتصدّى (ع) لبيان واقع التوبة النصوح، وحقيقة التوبة النصوح، فقال: "التوبة ندمٌ بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود"(5).
تلك هي التوبة النصوح، ولها أركانٌ أربعة. وذكرت رواية أخرى ركناً خامساً للتوبة النصوح، فهي مضافاً إلى الندم، وعقد القلب على عدم العود إلى الذنب، والاستغفار باللسان، فثمة شي آخر هو الخروج عن المظالم التي وقعت من الانسان، بأن يخرج منها خروجاً تامَّاً -كما سنوضح ذلك-، تلك هي أركان التوبة النصوح.
التوبة النصوح مقام رفيع يحتاج إلى مقدَّمات
ثمة أمورٌ تكون مُمهِّدة للتوبة النصوح، وقد لا يتمكن الانسان من أن يتوفَّر على أركان التوبة النصوح إذا لم يُوطِّيء، ويُمهِّد لها. فالتوبة مرحلة ومقام سام عند الله -عز وجل-. لاحظ قوله ?تعالى شأنه- حيث وصف التوَّابين بأحبابه، فقال -عزَّ من قائل-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾(6) وورد في الحديث الشريف عن الإمام الباقر عليه السلام: "إنَّ الله تعالى أشدُّ فرحاً بتوبة عبده، من رجلٍ أضلَّ راحلته وزاده، في ليلة ظلماء، فوجدها"(7).
تأمَّلوا، ما هو حجم هذه الفرحة، وحجم هذا الابتهاج الذي ينتاب الإنسان الذي ضلَّ عن راحلته في ليلة ظلماء؟ تصوَّروا الليلة الظلماء التي تُوجب التِّيه والضلال، وعدم وجود وسيلة للخروج من تلك الفلاة وتلك البيداء الواسعة المترامية الأطراف، في ليلٍ مظلمٍ بهيم يكون منشأً لهجوم الآفات والسِّباع، فلا يجد ماينتشلهُ من كلِّ هذه المخاوف، ومن كلِّ هذه المحاذير، فيكون قد أضلَّ راحلته، ثمَّ بعد كلِّ ذلك يجد ما فقده، فأيُّ ابتهاج ينتابه حينذاك؟وأيُّ فرح يغمره في تلك اللحظة التي يجد فيها راحلته وزاده؟ إنَّ الله تعالى أشدُّ فرحاً من هذا الذي أضاع راحلته ثم وجدها!
وورد عن الرسول الكريم (ص) أنَّه قال: "لأللهُ أفرح بتوبة عبده من ثلاثة: أفرح من العقيم الوالد "لاحظوا، عقيم لا تلد، ثم تلد، كم تكون هذه العقيم فرحة بولدها؟ إن الله تعالى أكثر فرحًا بتوبة عبده من تلك العقيم التي لم تكن تلد ثم وُفقت فولدت"، وأكثر فرحاً من الضَّال الواجد "ضلَّ وتاه في الطريق، ولا يدري أيّ طريقٍ يسلك، ضياعٌ في ضياع، ثم يجد الطَّريق. أو أضلَّ وسيلته وراحلته، ولا وسيلة ولا سبيل للخروج من مأزق الطريق المترامي الأطراف، إلَّا أن يجد راحلته، ثمَّ وجدها، كم يكون مبتهجاً؟"، ومن الظمآن الوارد"(8) رجلٌ عَطِشٌ ظمآن، يتلظَّى من الظمأ، ولا ماء يرفع به ظمأه، ثم يجد الماء، كم يكون مبتهجاً؟ إنَّ الله -عز وجل- أشدُّ فرحاً من هؤلاء الثلاثة.
فالتوبة مقامٌ يرتفع بالإنسان إلى مرتبةٍ يكون فيه من أحباب الله تعالى، وممن يبتهج الله -عز وجل- بهم. فإذا كان كذلك، فإذن لا يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه المرتبة، وإلى هذه المرحلة -التي يكون فيها في مقام التوَّابين- إلَّا أن يتخطَّى مجموعة من العقبات.
المقدَّمات الممهِّدة للتوبة النصوح:
المقدمة الأولى: الاعتراف بالذنب:
أول عقبة أشارت إليها الروايات الشريفة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام هي الاعتراف بالذنب، والاعتراف بالذنب ليس توبة، ولكنه يُوطِّيء للتوبة، ويمهِّد لها. إنَّ عدم الاعتراف بالذنب هو أوّل -بل لعله أغلظ- الحجُب التي تحول بين المؤمن وبين التَّوبة، فإذا لم يكن يرى أنَّ ما ارتكبه كان ذنباً، فكيف يتوب منه؟! إذا كان لا يرى أنَّ هذا الفعل معصيةً فكيف يتوب منه؟ إذاً لابدَّ أن يعترف ويُقّر أولاً -بينه وبين نفسه- بأن ما ارتكبه كان ذنباً، وكان معصيةً، وعندئذ يكون مؤهّلا لأن يتوب إلى الله -عزَّ وجلَّ-.
يقول الإمام الباقر عليه أفضل الصلاة والسلام: "لا والله، ما أراد اللهُ تعالى من الناس إلَّا خصلتين: أن يُقِرّوا له بالنعم، فيزيدهم، وبالذنوب، فيغفرها لهم"(9) يعني أن يترتب على الإقرار بالذنب المغفرة ?أي أنّ الفاء في قوله "فيغفرها" هي فاء العاقبة-كما يبدو-؛ إذ ليس منشأ التوبة هو الإقرار وحده، وإنما الإقرار يكون مُمهِّداً للتوبة، وويترتَّب على التوبة المغفرة.
ويقول الإمام علي عليه أفضل الصلاة والسلام: "حُسن الإعتراف، يهدم الإقتراف"(10)، ويقول الإمام الباقر(ع): "والله ما ينجو من الذنب إلَّا من أقرَّ به"(11) فأولاً، لابد من الإقرار بالذنب، وإلَّا لن يتأهَّل الإنسان لأن يكون في موقع التوبة.
المقدمة الثانية: الإنتباه وعدم الغفلة:
ثمة أمر آخر، وهو الغفلة عن محاسبة النفس، فهذا ينسيه الذنوب، يذنب الذنب تلو الذنب، ثمَّ لا يعتني به، فيُغفله، فينساه -وقد كتبه عليه الكتبة الحفظة-، ثم لا يرى نفسه مذنباً، فلا يتوب. أما الإنسان الذي يراقب نفسه، ويحاسبها يوماً بيوم، ساعةً بساعة، فهذا سوف يكون مؤهلاً للتوبة.
المقدمة الثالثة: أن لا تأخذنا العزّة بالإثم:
ثمة حجابٌ آخر، ومانع يحول دون التوبة، وهو العزة بالإثم. إنَّه قد يدرك الإنسان أنه مذنب، ولا ينسى ذنبه، ويعرف أنَّه قد اقترف الذنب، ولكن تأخذه العزَّةُ بالإثم، فلا يسعى من أجل الخروج من الذنب، وتحول العزةُ بالإثم دون التوبة. فهو يُدرك أنه قد أهان صاحبه، أو تعدَّى على حقٍّ من حقوق صديقه، ولكنَّه يخشى أن يعتذر إليه، فيكون ذلك إنكساراً وذلةً، تُنافي أنفَته، واعتزازه بنفسه، لذلك فهو لا يتوب، ولا يخرج من الذنب بواسطة الاعتذار!
يُهين زوجته، وقد يضربها، وقد يعنِّفها، ثم يقول: إذا اعتذرت فتلك ذّلة!! إنَّها مؤمنة، والمؤمن إذا أُهين فلابدَّ من الخروج من هذا الذنب العظيم بواسطة الإعتذار إليه، "من كسر مؤمناً فعليه جبره"(12)، فهذا أهان زوجته، شتمها، وربما يكون قد ضربها، ثم لا يعتذر؛ لأنَّه يقول إذا اعتذرتُ فستنكسر هيبتي، وأُصبح بلا هيبةٍ أمام الأولاد و أمام زوجتي! هذا نوعٌ من العزَّة بالإثم، فإنْ لم يعتذر إلى زوجته، ولم يتب، فإنَّه سيأتي يوم القيامة حاملاً لهذا الوزر على ظهره.
كثيرٌ من المؤمنين يفعلون الخيرات والمبرَّات والطاعات، ولكنَّهم سيئي الخلق مع أصدقائهم، أو مع زوجاتهم، أو مع أقاربهم. نحن قد نقلنا سابقاً ماورد في الروايات عن قصة سعد بن معاذ، إنّ سعد بن معاذ رجلاً جليلاً عظيم القدر، وكان من خُلَّص الأصحاب للرسول الكريم صلى الله عليه وآله، وكان قد أصابه سهم فأصبح جريحاً ينزف، اضطره ذلك لأنْ يبقى في فراشه بعد غزوة الأحزاب، حيث قد أصابه سهمٌ طائش من وراء الخندق، فوقع في أكحله، ولكنّه لم يقتله، وبعد أن انتهت معركة الأحزاب قام النبي (ص) بمحاصرة اليهود، لأنَّهم قد مالؤا المشركين، ثم إنَّ اليهود طلبوا الإحتكام بينهم وبين الرسول (ص) إلى سعد، حيث كانت بينه وبينهم صحبة وتحالف قبل الإسلام، فحكم سعد بن معاذ عليهم بأنْ يخرجوا من المدينة المنورة، فأخذ الله بحكمه ورسوله (ص). هذا الرجل -بعد هذا الحكم- استُشهد، بعد أنْ أثّر فيه النَّزف والجراح. فقام الرسول صلى الله عليه وآله في جهازه ومشى في جنازته حافياً، وقد رفع عن ظهره رداءه، فالناس كانوا يقولون: بشرى لك يا سعد، مَن مثلك ورسول الله (ص) يمشي في جنازتك، حافياً ثم ساهم رسول الله(ص) في إيداعه في قبره، بعد أن صلَّى عليه، وترحَّم عليه، وجلس على شفير القبر، فأخذ الناس يغبطون سعداً، وهنا التفت إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: لا، كلُّ ذلك لن ينجيه من ضغطة القبر!! عجباً، هذا سعد، ومقامه، وصحبته، وشهادته، ومشيُ رسول الله (ص) خلف جنازته، وبعد ذلك يصاب بضغطة القبر؟! قال: "نعم، إنَّه كان زعر الأخلاق مع أهله"(13) نعم، كان الرجل مؤمناً، ومجاهداً، وفي خارج المنزل قد لا يعامل الناس كما يعامل زوجته، ولكنَّه كان سيء الخلق مع أهله لذلك يُصاب بضغطة القبر.
المقدمة الرابعة: تجنّب قرناء السوء:
وثمَّة أمرٌ آخر -وتوجد أمور كثيرة، نذكر هذا الأمر فقط؛ لضيق الوقت- وهو قرناء السوء، وبطانة السوء، هؤلاء يزيِّنون الذنب للإنسان، يزينون له الذنب، ولذلك فهولا يتوب منه. من هنا فإنّ الإنسان الذي يريد التوبة فإن عليه أن يتخلص من بطانة السوء، ومن قرناء السوء، ويعيش في أجواء الإيمان، وأجواء الهدى والصلاح، مع رفقاء يُذكِّرونه بالله، ويقرِّبونه إلى الله -عز وجل- أما قرناء السوء، ومحافل السوء، ومجالس السوء، ومنتديات السوء، فهي كلها تخلق حجباً عند الإنسان، وتمنعه من التوبة، فيتمادى في الذنب، ويضع الذنب على الذنب، يقول الإمام عليه السلام: "قال: قال رسول الله (ص): أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب، وكثرة مناقشة النساء: يعني محادثتهن، ومماراة الأحمق ويقول ولا يرجع إلى خير مجالسة الموتى، فقيل له: يا رسول الله، وما الموتى؟ قال: كل غنى مترف"(14)، هذا الإنسان يُذنب، ثم يذنب، ثم يذنب، لماذا؟ لأنه واقعٌ في أجواء تُزيّن له الذنب، لذلك هو لا يترك الذنب فلا يتوب إلى الله تعالى.
إذا تخطى المؤمن هذه المراحل والمقدمات، عندئذ يتأهَّل لمقام التوبة النصوح.
أركان التوبة النصوح:
الركن الأول: الندم:
الركن الركين والأساسي للتوبة هو الندم، وهو يعني استشعار الحسرة والأسف الشديد على ما ارتكبه واقترفه في جنب الله تعالى.
لابدَّ أن يستشعر التائب الضيق والألم في نفسه، والحسرة والأسف على ما فرَّط في جنب الله -عز وجل- فالتوبة ليست مجرَّد الاقلاع عن الذنب وحسب، أو الابتعاد عن الذنوب وحسب، وإنَّما استشعار الأسف، واستشعار الحسرة، واستشعار الألم الدائم المستمر، فكلَّما ذكر الذنب شعر بالحسرة، هذا هو الركن الأول، وهو الركن الأساسيّ، وهو المنشأ لعدم العود إلى الذنب، والإنسان الذي لم يندم على الذنب فسيعود إليه.
الركن الثاني: الخروج من تبعات الذنوب:
الأمر الثاني وهو أساسيٌّ أيضاً، وهو الخروج من تبعات الذنوب:
فالإنسان تكون عليه مظالم، آذى مؤمناً -مثلاً-، سلب حقّ أخيه، عليه دينٌ لم يقضه، وماطل في قضائه وأدائه، أتلف مال الغير ولم يضمن، أدمى أحداً، أو جرحه، أو أصابه بعطبٍ في جسده، أو ما إلى ذلك. فلم يُؤدِّ الدِّية، ولم يعتذر منه، ثمَّ يقول أنا تائب!! كلا، لا تتحقق التوبة إلّا بأداء الحقوق إلى أهلها والخروج من المظالم التي في الذمة.
يُروى أنَّ رجلاً كان يشغل منصب وزير في الديوان عند بني أمية -فهو موظف كبير-، هذا الرجل وبعد ردحٍ من الزمن نبت لحمه مما يجنيه من تلك الوظيفة، وقويَ وأشتد عظمه من هذه الأموال التي كان يكتسبها من وظيفته، ثم شعر بالندم، فكلّم صديقاً له، -وهذا الصديق كان له دخول وخروج على الإمام الصادق عليه السلام(15)- فقال له: تستأذن لي على الإمام الصادق؟ أُريد أنْ أتوب. قال له: نعم، فاستأذن له الإمام الصادق عليه السلام، فأجابه الإمام بأنْ دعه يأتي، ولما جاء الرجل ودخل وجلس، قال للإمام (ع): جُعِلت فداك، إنّي كنت في ديوان هؤلاء، فأصبتُ من دنياهم مالاً كثيراً، وأغمضت فيه "يعني تساهلتُ في تحصيل هذه الأموال بلا حساب، وربما استغل منصبه لابتزاز الناس، وغصبهم، وأخذ أموالهم، وأبرن عقوداً محاباتية، وما إلى ذلك" قال: فهل لي من مخرج؟ قال له: "نعم، اُخرج من أموالك كلها، وارجع بلا شيء، حتى هذه الثياب التي تلبسها، إن كانت من الأموال التي حصَّلتها من ديوان هؤلاء الظلمة فاخلعها أيضاً، واقترض لك ما تشتري به ثياباً إلى أن يرزقك الله، فاخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددتَ عليه ماله، ومن لم تعرف تصدَّقت به، وأنا أضمن لك على الله الجنَّة" وهو ضامنٌ، وجيهٌ عند الله، فإذا ضَمِن يَفعل.
إذن، فالذنب لا يخرج منه مرتكبُه إلَّا أن يخرج من تبعاته، رُويَ انَّ شيخاً -من النُخع- قال للإمام الباقر (ع): لم أزل والياً منذ زمن الحجاج، إلى يومي هذا، فهل لي من توبة؟ فسكت الإمام (ع) عنه، فأعاد عليه السؤال، فأعرض عنه، فأعاد عليه السؤال، فقال له الإمام (ع): مالك توبة، مالك توبة، حتى تُؤدِّي إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه عندئذ تكون لك توبة(16).
الركن الثالث: العزم على عدم العود:
الركن الثالث من أركان التوبة، هو عقد القلب -عزم شديد أكيد- على عدم العود، أما أن يقول سأتوب فعلاً، وإذا تهيَّأ له الذنب من جديد فمن المحتمل أن يرتكبه مرة أخرى، فهذا لم يتب أساساً. نعم، قد يعود بعد ذلك بسبب الضعف أو التقصير، فيكون قد تاب ثمَّ زلَّت قدمه، أما أنْ يكون حين التوبة متوقعاً عودته للذنب مرة أخرى أو محتملاً لذلك، فهو ممَّن لم يعقد العزم الأكيد والشديد، أي أنه لم يتحقَّق منه ركنٌ من أركان التوبة، فلا توبة أصلاً.
الركن الرابع: الاستغفار
نكتفي بهذا المقدار.
والحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد صنقور