أداة تخصيص استايل المنتدى
إعادة التخصيصات التي تمت بهذا الستايل

- الاعلانات تختفي تماما عند تسجيلك
- عضــو و لديـك مشكلـة فـي الدخول ؟ يــرجى تسجيل عضويه جديده و مراسلـة المديــر
او كتابــة مــوضـــوع فــي قســم الشكـاوي او مـراسلــة صفحتنـا على الفيس بــوك

حسن الفقير..قصة حقيقية

العـ عقيل ـراقي

اجملُ شيء التجاهل..
إنضم
1 مايو 2014
المشاركات
41,108
مستوى التفاعل
12,076
النقاط
1,001
الإقامة
العراق
610873627_2176497886213318_7719568745503337552_n.jpg


حسن الفقير… سيرة جنونٍ وُلد من الظلم
لم يكن مجنونًا…لكنهم سمّوه كذلك.
في مخيم «جهرم» للمهجّرين العراقيين في إيران، كان اسم حسن الفقير يتردّد على ألسنة الناس مقرونًا بالابتسامة والحزن معًا. شابٌّ هادئٌ إلى حدِّ الوجع . كانت ابتسامته الخجولة لا تفارق محيّاه، فمالت إليه القلوب، وميّزه الناس عن سائر من سلبهم القهر عقولهم.
لكن حسن لم يولد مجنونًا…
كان يومًا طالبًا جامعيًا، يحمل حلمًا بسيطًا: شهادة، وبيتًا صغيرًا، وزوجةً أحبّها بطهر.
كانت خطيبته طالبةً مثله، متديّنة، عفيفة، شريفة. تعاهدا على الزواج بعد التخرّج، وكأن المستقبل كان صفحة بيضاء تنتظر اسميهما. غير أن يد البعث، حين تمتد، لا تترك للبياض مكانًا.
داهمت السلطات بيت العائلة فجأة. تهمة جاهزة، كعادتها: التبعية الإيرانية… الكرد الفيليون. اقتلعوا الأهل من الجذور، وساقوهم نحو المجهول. كان حسن غائبًا ساعة المداهمة، وحين بلغه الخبر، ترك جامعته، وهرب إلى بيت خاله في البصرة، أيامًا قليلة، لا يستطيع أكثر… فالقلب هناك، والدراسة هناك، والخطيبة هناك.
عاد.دخل الجامعة.بحث عنها.لم يجدها.سأل… فخفضوا رؤوسهم.نادى… فسكتوا.الخوف كان أسبق من الكلمات.
حتى دلّه صديقٌ موثوق على الحقيقة:
«أخذوهم جميعًا… كما أخذوا أهلك».
فرح حسن.نعم، فرح…لأنه ظنّ أن التهجير طريق اللقاء.
سلّم نفسه للشرطة بملء إرادته، منتظرًا أن يُساق خلف أهله، خلف خطيبته. خمسة أيام مرّت، لا تهجير… بل سجن. ثم بدأ السؤال، ثم الألم، ثم التعذيب.
سألوه عن علاقته بخطيبته، بأبيها.قال: «علاقة شريفة… زواج لا غير».لم يُصدَّق.اتهموه بالانتماء، بالتحريض، بحزب الدعوة.أنكر، أقسم، تألم…ولا جدوى.قالوا له أخيرًا:
«أنت عنيد… لكن لدينا طريقتنا».
أدخلوه غرفةً مظلمة.
وفيها… كانت خطيبته.معلّقة من السقف.عارية.
والدم ينزف منها قطرةً… قطرةً… كأن الأرض تشرب وجعها.
ناداها.اقترب.تكلّم… فلم تُجب.كانت في أنفاسها الأخيرة.
لكن عينيها… كانتا تصرخان. قرأ حسن النظرات كما تُقرأ الوصايا.هل تقول له: «اغضض بصرك»؟ هل تعتذر؟هل تودّعه؟ هل توصي بزواجٍ بعد موتها؟أم تريد أن تقول سرًّا لم يسعفها الوقت؟ أدارَت عينيها فيه بلا صوت.
وهو ينسى جراحه، ينسى القيود، ينسى الجلادين.
ثم…كانت النظرة الأخيرة.وفارقت الحياة.
كانت تلك النظرة أقسى من كل السياط.
مزّقت قلبه… إلى الأبد.صرخ.عوى.بكى حتى غاب عن الوعي.
وحين أفاق بعد أيام…أفاق بلا عقل.
سلّمهم جسدًا حيًّا، وروحًا مكسورة.
فلما يئسوا منه، رموه على الحدود مع المهجّرين.
دخل المخيم مجنونًا…وأهله هناك.جاءوا مسرعين، بلهفة، بدموع.صرخت أمه باسمه.احتضنته.ناداه أبوه بأعلى صوته:
«بوية حسن… بوية».لكن حسن لم يعرفهم.
كان ينظر… ولا يرى.انتظروا أيامًا، لعل العقل يعود.
لم يعد.تركوه مكرهين، وقلوبهم معلّقة بالمخيم، يلتفتون كلما ابتعدوا، لعل أحدًا يناديهم: ارجعوا… حسن شُفي.
ولم ينادِ أحد.استقر حسن بين مجانين المخيم، ترعاه يدٌ طيبة اسمها أبو علي.
ثلاث سنواتٍ عاشها هناك، روحًا بلا ذاكرة.
حتى وجدوه ذات صباح…
ميتاً في حمّام المخيم. ببجامته. لفّ الحزن المخيم كله.
بكوه… لأنهم أحبّوه.أحبّوه لأنه كان قصّتهم المختصرة، وشاهدهم الصامت، ودليل الجريمة.
دُفن عام 1983 في مقبرة المخيم،
ليلتحق بخطيبته، ويكمل عرسه هناك…
أمام ربٍّ عادل، يشكو إليه ظلم البعث وجرائمه.
وأخذ معه السرّ الأخير:
هل أفاق لحظةً فتذكّرها؟
أم ضاق الجنون بالحياة؟
أم كانت النظرة الأخيرة لا تزال معلّقة في عينيه؟
نترك ذلك لرب العالمين… كي لا نصاب نحن بالجنون.


لله درُك يا عراق
كم من مصائب بين جواريرك الحزينة

الناقل
العـ عقيل ـراقي
 

عطري وجودك

Well-Known Member
إنضم
5 أغسطس 2019
المشاركات
83,413
مستوى التفاعل
4,012
النقاط
213
سلمت الأيادي ع الجلب المميز
يعطيك العافيه
 

الذين يشاهدون الموضوع الآن 1 ( الاعضاء: 0, الزوار: 1 )