أداة تخصيص استايل المنتدى
إعادة التخصيصات التي تمت بهذا الستايل

- الاعلانات تختفي تماما عند تسجيلك
- عضــو و لديـك مشكلـة فـي الدخول ؟ يــرجى تسجيل عضويه جديده و مراسلـة المديــر
او كتابــة مــوضـــوع فــي قســم الشكـاوي او مـراسلــة صفحتنـا على الفيس بــوك

خريف الخراب

آهات حالمه

طاقم الإدارة
LV
2
 
إنضم
5 أغسطس 2019
المشاركات
127,680
مستوى التفاعل
24,190
النقاط
187
الاوسمة
2
خريف الخراب
في زمنٍ كانت فيه الشاشاتُ الزرقاءُ ملاذَ الحالمين، ونبضاتُ الأحرفِ المشحونة بالبريد الإلكتروني أصدقَ من كلامِ الشفاه، كان هو... شاباً يرتدي الخجلَ كظلٍّ ثقيل، يلوذُ بالصمت في عالمٍ صاخب، ويهرب من مواجهة العيون إلى عتمة غرفته.
كان له صديقٌ هو وجهه الآخر؛ جريءٌ، نابضٌ بالحياة، يعلم ما يدور في صدر صاحبه الخجول دون أن يتكلم. وفي ليلةٍ من ليالي الشتاء، جاءه الصديق بابتسامةٍ غامضة، وكتب له على ورقةٍ صغيرة بريداً إلكترونياً (Email)، وقال له: «هذه نافذتك على العالم.. تحدّث معها، فلعلّ خلف الحروف ما يداوي خجلك».
تردد الشاب طويلاً، لكنه استجمع شجاعته وأرسل الرسالة الأولى.
ومنذ تلك الليلة، انقلبت حياته. كانت "هي" خلف الشاشة كائناً من نور وفهم، تقرأ صمته قبل كلامه، وتحتوي خجله بعباراتٍ دافئة تُشبه بلسم الروح. لم يرَ وجهها قط، ولم يسمع نبرة صوتها، لكنه أحبَّ صورتها الرمزية (Avatar) التي اختارتها: فراشة رقيقة ملونة.
تعلق بالفراشة حتى غدا مهووساً بعالمها. ولأن تلك الفراشة كانت في أصلها دودة قزّ حليمة، تبني شرنقتها بصبر لتطير، فقد صار الشاب -بإيحاءٍ من أحاديثهما العميقة- مناصراً شرساً لدودة القز. كان يثور ويغضب حين يرى الصيادين يستخدمونها كـ "طُعمٍ رخيص" لصيد السمك على ضفاف الأنهار؛ يراها جريمةً بحق الجمال، وكيف يُباد مشروع فراشةٍ حالمة من أجل نزوة صياد؟ كان يكتب لها عن معاركه الصغيرة هذه، وكانت "هي" تبادله الضحك والثناء، وتُثبّت في قلبه هذا الحنوّ الرقيق.
ثم.. حلّ خريف الخراب.
اندلعت الحرب في بلادهم كإعصارٍ لا يرحم. انقطع التيار الكهربائي، وتهاوت أبراج الاتصال، وغرقت المدن في صمتٍ مطبق إلا من صوت القذائف. انقطعت رسائل الفراشة، وغاب الصديق أيضاً في معمعة النزوح والقتال. عاش الشاب في برزخٍ من القلق والانتظار القاتل، يرقب السماء لعلها تمطر رسالة.
ومع انقشاع غبار إحدى المعارك، هبط عليه الخبر كالصاعقة: لقد استشهد صديقه المقرب.
بكى صاحبه بدموعٍ حارقة، وشعر أن نصف روحه قد دُفن تحت التراب. وفي غمرة حزنه وعزلته، وبعد أن عادت شبكة الإنترنت ببطء عاجز، هرع إلى حاسوبه، مدفوعاً بلهفة الغريق، يحاول فتح بريد الفراشة، يرسل ويستعطف الأقدار أن تطمئنه عليها، لعل وجودها يرمم ما هدمه الموت.
لم ينتظر طويلاً.. أضاءت الشاشة برسالةٍ جديدة من حساب الفراشة. طار قلبه، لكنه حين فتحها، لم يجد كلمات الحب المعتادة، بل وجد رسالةً مجدولة، كُتبت قبل تاريخ الاستشهاد بأيام، وموجهة إليه باسمه الحقيقي:
> "يا صديقي الخجول، ويا حارس الفراشات..
> اعتذر منك، فلم تكن هناك فتاةٌ يوماً. كنتُ أنا.. صديقك الذي عرف كيف يقتلك الخجل، فأردتُ أن أصنع لك من خيالي أنثى تُشبه نقاء قلبك، وتستخرج منك ذلك العاشق والشاعر العظيم الذي تخفيه عن العالم. أنا من كنتُ أختبئ خلف صورتها الرمزية، وأنا من جعلتك تُدافع عن دودة القز لحكمةٍ كنتُ أراها في صبرنا على الحياة. والآن، وأنا أكتب لك والشرر يملأ الأفق، أشعر أن شرنقتي قد اكتملت، وحان وقت رحيلي.. فسامحني."
>
تسمّر الشاب في مكانه، وجفّت الدموع في مآقيه. نظر إلى الشاشة، ثم إلى الفراشة الرمزية، واكتشف أن حبيبته وصديقه كانا شخصاً واحداً.. وأن قذيفةً واحدة قد خطفت الاثنين معاً.
كانت خسارته مضاعفة، وعميقة كبحرٍ لا قاع له؛ لقد فقد الصديق الذي كان يحميه من العالم، والحبيبة التي كانت تجمّل له العالم، وبقي وحيداً.. يحمل في صدره قلباً مكسوراً، وحزناً غائراً بحجم السماء.
 

آهات حالمه

طاقم الإدارة
LV
2
 
إنضم
5 أغسطس 2019
المشاركات
127,680
مستوى التفاعل
24,190
النقاط
187
الاوسمة
2
اسعدني وشرفني المرور العطر
كل الود والتقدير
 

الذين يشاهدون الموضوع الآن 1 ( الاعضاء: 0, الزوار: 1 )