دور حمدي عبدالمجيد في تاريخ العراق الحديث 1958 - 1997
أشخاص كثر يذهبون بهدوء رغم التضحيات والخدمات الكبيرة التي أسهموا فيها لصالح أوطانهم وأمتهم ومارسوها بصمت وتواضع. بهذا الهدوء رحل حمدي عبد المجيد 15/ 12 / 1997، ورحلت زوجته زهرة النشواتي 23 / 8 / 2011، الزوجان اللذان عرفا بأبو رياض وأم رياض رغم أنهما لم ينجبا أولاداً تحفظ ذكراهم، لكن الشرف والعدل يفرضان علينا حفظ هذه الذكرى. حمدي عبد المجيد أحد أبرز قادة حزب البعث في العراق، ومن ثم في سوريا، تاريخه في الحزب تاريخ المناضل الذي شرَف رفاقه بصدقه وتواضعه وهدوئه ووعيه وصموده، صفات قل نظيرها إلا بين الذين ناضلوا معه في العراق وشاركوه السجون وعذبوا، ثم تصدروا انقلاب شباط 1963 و اسهموا في حكوماته قبل أن يسقطهم انقلاب عبد السلام عارف بعد أشهر معدودة ليعيشوا بعدها في المنفى إما خارج الوطن أو داخله أسرى الاستبداد والديكتاتورية.
محنته الأولى النفي خارج العراق مع كثيرين بينهم على صالح السعدي وهاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي, الوحيد الذي ما زال على قيد الحياة من هؤلاء . رحلة طويلة وشاقة محفوفة بالمخاطر والآلام والحرمان.
تزوج حمدي من زهرة النشواتي ابنة العائلة الدمشقية العريقة في نشأتها ومكانتها وسلوكها، برجوازية دمشقية تسير على درب النضال الذي لم يخلُ من متاعب ومرارات، أخوها راتب أحد الذين اسهموا في إعادة تنظيم حزب البعث بعد حله، تسير في خطاه، زهرة، وقمر الأخت الصغرى التي أصبحت محط أنظار عدد من الرفاق لكنها تبدو أنها نذرت نفسها للعمل الحزبي، وتنفيذ المهمات الصعبة، يشاركهم الأخ الأصغر عبد الفتاح الذي عمل طويلاً في المجال السياسي . ومع تأسيس حزب العمال الثوري العربي ووجود حمدي على رأسه، ومشاركة راتب، أصبحت العائلة حليفاً للحزب.
شارك حمدي بفاعلية، مع مجموعة من الأعضاء الذين انتموا لحزب البعث العربي الاشتراكي ( اليساري ) كما سمي أنذاك والذي وصف بأنه, ( انشق ) عن حزب البعث بعد المؤتمر القومي السادس 1963، بتأسيس حزب العمال الثوري العربي، الذي أصدر بيانه التأسيسي في آب 1965، ضمن رؤية فكرية وسياسية محددة، يعود بعضها إلى الضرورة التاريخية لنشوء حزب قومي ماركسي عربي، بعد فشل التيار القومي التقليدي والأحزاب الشيوعية في صياغة (( مفهوم علماني ديمقراطي عربي، للثورة العربية ))، وبعضها يعود للعمل على فك الارتباط مع مفهوم الحزب القائد (( الواحد )) وعن السيطرة العسكرية على الحزب والسلطة في سوريا، وقبلها في تجربة العراق، هذه السيطرة التي كانت تبحث عن واجهات مدنية تختفي خلفها، وبذلك فقد انحاز حمدي مع رفاقه بانتقالهم من حزب البعث ( اليساري) إلى حزب العمال، للموقف الديمقراطي المدني الذي تأسس عليه الحزب، لذلك لم يكن هذا الانتقال انشقاقاً عن حزب البعث كما صوره البعض خاصة وأن عدداً غير قليل من أعضائه لم يكونوا قد انتسبوا قبلاً لحزب البعث وهو ما أكده حمدي باعتباره أميناً عاماً للحزب وأكدته قيادات الحزب وتجربته الطويلة، لكنه انحياز نحو الفكر القومي الماركسي الديمقراطي المنفتح على العروبة بالدرجة الأولى. هذا الفكر الذي يتهمه البعض بالتفتيتي، لم يكن قوماوياً متعصباً، لأنه آمن بالانفتاح على كل المكونات واحترامها والدفاع عن حقوقها معتبراً أن المواطنة هي أساس الانتماء، وكان أول من أدان الحرب التي أشعلتها السلطة في العراق ضد الأكراد في الشمال عام 1963 والتي لم ير لها أي مبرر سوى تهديد النسيج القومي لهذا البلد والمخاطر التي يشكلها على البلدان الأخرى، وأول من نادى بحق تقرير المصير للأكراد في شمال العراق عندما يتحقق المجتمع الديمقراطي فيه. ومن يعود لوثائقه سيجد فيها ما يؤكد ذلك، إن مطابقة هذا الوعي وهذا البرنامج مع الوعي الذي أطلقته الثورات العربية الراهنة والربيع العربي تظهر إلى أي مدى يلتقي هذا الوعي مع ذلك البرنامج خاصة في مجال الديمقراطية حتى لو غلف وعي الثورات أحياناً ببعض الشعارات و الأفكار المخالفة.
تمتد معرفتي بحمدي عبد المجيد إلى أواخر عام 1962، خلال زيارة له قمت بها مع بعض الأعضاء من حزب البعث في بيته مقابل السبع بحرات حيث كان يقيم بدمشق، لكن اللقاء المباشر الأول معه كان في أواخر تشرين الثاني 1965، كان وقتها أميناً عاماً لحزب العمال الثوري العربي ، وكنت مسؤولا عن منظمة جامعة دمشق التي ضمت نخبة من العناصر المناضلة، جورج طرابيشي، فؤاد حرب، زينب نطفجي، عادل صيموعة، ويشرف عليها وليد عبد العال ونواف الصفدي عضوي القيادة المركزية القطرية والمنظمة المحلية في دمشق، وقد جاء يرافقه طارق أبو الحسن عضو القيادة المركزية القومية والأمين القطري لمنظمة الحزب في سوريا لحضور اجتماع منظمتنا كمندوبين عن قيادة الحزب ومناقشة بعض القضايا الفكرية والسياسية التي وردت في البرنامج السياسي للحزب وكانت مثاراً للخلاف، خاصة الموقف من عبد الناصر والناصرية، والتدخل المصري في اليمن حيث أن الشباب والطلاب من اليمن وغيرهم من الطلبة العرب الذين كانت تربطهم علاقة وثيقة بالحزب أبدو تحفظات كثيرة حول هذه القضايا التي كان لياسين الحافظ دور في صياغتها. ورغم معرفتنا الشخصية بهما فقد تم التعارف بيننا عن طريق الأسماء ( السرية ) كما جرت العادة في جميع الأحزاب السرية. ورغم بعض الانفعال الذي سيطر على بعض أعضاء المنظمة حول هذه القضايا إلا أن حمدي بهدوئه استطاع أن يمتص هذا الانفعال ويحوله لحوار هادئ ومثمر.
لكن علاقتنا تعززت بعد 8 أيلول 1966 عندما شنت السلطة في سوريا حملة اعتقال واسعة شملت الكوادر الأساسية للحزب وأعضاء كثيرين من مختلف المحافظات، على خلفية حركة الرائد سليم حاطوم في السويداء واتهام الحزب بالاشتراك فيها، وكان بين المعتقلين وليد عبد العال، نواف الصفدي، فؤاد حرب، جورج طرابيشي، وهشام وكاع الذي لم يكن منتمياً للحزب، ومع اختفاء أعضاء القيادة، راتب نشواتي وفيصل بدوي ومحسن الشيخ راضي، ألقيت مسؤولية إعادة ترتيب التنظيم وإدارته على من بقي من منظمة الجامعة التي أشرف عليها طارق أبو الحسن قبل أن يعتقل إلا بعد مرور شهر على حملة الاعتقال . لكن اعتقال طارق، دفعنا للإسراع بإيجاد الصلة المباشرة مع حمدي عن طريق راتب، ولأن حركة أعضاء القيادة المتبقين خارج الاعتقال أصبحت محدودة، كان لا بد من إسناد هذه المهمة لمن بقي من قيادة منظمة الجامعة وقد لعب حمدي دوراً فعالاً في دعم وتوجيه هذه المجموعة الصغيرة التي عملت في ظروف بالغة الصعوبة على إدارة عمل الحزب وحمايته ليس في الجامعة أو دمشق بل على مستوى القطر، و كان لهذا الدعم الأثر الفعال في صمود هذه المجموعة في مواجهة مرحلة السجن الذي تعرض لها عدد كبير من جهة، والمحافظة على بناء الحزب وتوجيهه من جهة أخرى. وإذا كنا نسجل لحمدي هذا الدور فإننا نسجل للذين ذكرت أسماءهم و الذين أسهموا في تلك المرحلة كل التقدير على الشجاعة والصمود والتصميم على العمل، بل إلى كل الذين انخرطوا في هذا الحزب طوال تاريخه أو أيدوه، اتفقنا معهم أم اختلفنا، لأنهم شكلوا على الدوام مثالاً للتضحية والتفاني والنضال، وبالتالي فقد حلت قيادة منظمة الجامعة عملياً وبتكليف من أعضاء القيادة خارج الاعتقال، محل القيادة القطرية في تنفيذ مهامها الكاملة يساندهم أيضاً أعضاء القيادة والحزب في لبنان واتصالات متقطعة مع فيصل ومحسن.
كنت مع زينب نطفجي نلتقي حمدي كل يوم تقريباً في بيته بحي المهجرين الجادة العاشرة رغم صعوبة الوصول إليه وذلك لوضعه في صورة الوضع ودراسة المستجدات ووضع الحلول. وقد استطعنا خلال تلك الفترة من إصدار بيانين الأول بتاريخ 10 / 9 / 1966، بعنوان ( الوضع الراهن في القطر السوري ) والذي تضمن استنكاراً وإدانة لحملة الاعتقال ضد رفاقنا والمطالبة بإطلاق سراحهم، والانفتاح الديمقراطي على القوى التقدمية. والثاني حول الخلاف بين العراق وشركات النفط لدعم موقف العراق.
ورغم الظروف الصعبة فإن المعلومات التي كانت تردنا من السجن عن صمود رفاقنا وخاصة أعضاء القيادة شجعت كثيراً على صمود و استمرار بقية المنظمات التي أتيح لنا الإطلاع على أوضاعها وضبط أعمالها بما يتلاءم مع هذه الظروف. كذلك فإن المعلومات التي كانت تصلنا بينت أن التحقيق مع المعتقلين اقتصر على وضع الحزب وقوته وعدد أعضائه بعد أن أثار التوزيع الواسع لبيانه بمناسبة الأول من أيار 1966 حفيظة السلطة فبيتت له هذه الضربة، ولم يتطرق التحقيق لحركة سليم من قريب أو بعيد، وهذا ما جعل الاعتقالات تتوسع. لكن الحزب في هذه الفترة عانى أيضاً من إشكالات عدة، منها فصل مجموعة فيصل بدوي التي تركز وجودها في حلب وكانت قد انتسبت ككتلة للحزب، وعجز محسن الشيخ راضي الذي أشرف عليها بكل ما تمتع من قدرات تنظيمية وفكرية من دمجها في خط الحزب الفكري والسياسي. ثم التطورات السياسية التي هيأت لحرب 5 حزيران 1967 والخوف من الهزيمة التي كنا ندرك مخاطرها قبل وقوعها. وفي كلتا الحالتين كان حمدي هادئاً وصبوراً رغم خيبة الأمل التي عاناها نتيجة الهزيمة، حيث وجد في الحالة الأولى أمراً طبيعياً لمجموعة لم تستطع أن تندمج بمشروع الحزب السياسي والفكري بسبب ثقل الواقع الاجتماعي وانعدام الوعي الفكري، وفي الحالة الثانية رأى أن الهزيمة هي هزيمة للأنظمة، أما بالنسبة للأمة فهي خسارة لمعركة يمكن أن تمر بها أية أمة من الأمم وأن تتجاوزها، وذلك في محاولة منه لتهدئة الانفعالات التي تولدت لدينا خلال وبعد الهزيمة.
ورغم الإفراج عن جميع رفاقنا بعد الإعلان عن سقوط القنيطرة، إلا أنه باستثناء أعضاء القيادة فإن عدداً قليلاً من الأعضاء الذي خرجوا من المعتقل عادوا وانتظموا في الحزب، لكنه مع ذلك فقد استطاع أن يحظى بشرعية سياسية واسعة لدى الأوساط السياسية كافة.
اتمنى الموضوع نال اعجابكم
محبتي ومودتي لكل من ينورني
أشخاص كثر يذهبون بهدوء رغم التضحيات والخدمات الكبيرة التي أسهموا فيها لصالح أوطانهم وأمتهم ومارسوها بصمت وتواضع. بهذا الهدوء رحل حمدي عبد المجيد 15/ 12 / 1997، ورحلت زوجته زهرة النشواتي 23 / 8 / 2011، الزوجان اللذان عرفا بأبو رياض وأم رياض رغم أنهما لم ينجبا أولاداً تحفظ ذكراهم، لكن الشرف والعدل يفرضان علينا حفظ هذه الذكرى. حمدي عبد المجيد أحد أبرز قادة حزب البعث في العراق، ومن ثم في سوريا، تاريخه في الحزب تاريخ المناضل الذي شرَف رفاقه بصدقه وتواضعه وهدوئه ووعيه وصموده، صفات قل نظيرها إلا بين الذين ناضلوا معه في العراق وشاركوه السجون وعذبوا، ثم تصدروا انقلاب شباط 1963 و اسهموا في حكوماته قبل أن يسقطهم انقلاب عبد السلام عارف بعد أشهر معدودة ليعيشوا بعدها في المنفى إما خارج الوطن أو داخله أسرى الاستبداد والديكتاتورية.
محنته الأولى النفي خارج العراق مع كثيرين بينهم على صالح السعدي وهاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي, الوحيد الذي ما زال على قيد الحياة من هؤلاء . رحلة طويلة وشاقة محفوفة بالمخاطر والآلام والحرمان.
تزوج حمدي من زهرة النشواتي ابنة العائلة الدمشقية العريقة في نشأتها ومكانتها وسلوكها، برجوازية دمشقية تسير على درب النضال الذي لم يخلُ من متاعب ومرارات، أخوها راتب أحد الذين اسهموا في إعادة تنظيم حزب البعث بعد حله، تسير في خطاه، زهرة، وقمر الأخت الصغرى التي أصبحت محط أنظار عدد من الرفاق لكنها تبدو أنها نذرت نفسها للعمل الحزبي، وتنفيذ المهمات الصعبة، يشاركهم الأخ الأصغر عبد الفتاح الذي عمل طويلاً في المجال السياسي . ومع تأسيس حزب العمال الثوري العربي ووجود حمدي على رأسه، ومشاركة راتب، أصبحت العائلة حليفاً للحزب.
شارك حمدي بفاعلية، مع مجموعة من الأعضاء الذين انتموا لحزب البعث العربي الاشتراكي ( اليساري ) كما سمي أنذاك والذي وصف بأنه, ( انشق ) عن حزب البعث بعد المؤتمر القومي السادس 1963، بتأسيس حزب العمال الثوري العربي، الذي أصدر بيانه التأسيسي في آب 1965، ضمن رؤية فكرية وسياسية محددة، يعود بعضها إلى الضرورة التاريخية لنشوء حزب قومي ماركسي عربي، بعد فشل التيار القومي التقليدي والأحزاب الشيوعية في صياغة (( مفهوم علماني ديمقراطي عربي، للثورة العربية ))، وبعضها يعود للعمل على فك الارتباط مع مفهوم الحزب القائد (( الواحد )) وعن السيطرة العسكرية على الحزب والسلطة في سوريا، وقبلها في تجربة العراق، هذه السيطرة التي كانت تبحث عن واجهات مدنية تختفي خلفها، وبذلك فقد انحاز حمدي مع رفاقه بانتقالهم من حزب البعث ( اليساري) إلى حزب العمال، للموقف الديمقراطي المدني الذي تأسس عليه الحزب، لذلك لم يكن هذا الانتقال انشقاقاً عن حزب البعث كما صوره البعض خاصة وأن عدداً غير قليل من أعضائه لم يكونوا قد انتسبوا قبلاً لحزب البعث وهو ما أكده حمدي باعتباره أميناً عاماً للحزب وأكدته قيادات الحزب وتجربته الطويلة، لكنه انحياز نحو الفكر القومي الماركسي الديمقراطي المنفتح على العروبة بالدرجة الأولى. هذا الفكر الذي يتهمه البعض بالتفتيتي، لم يكن قوماوياً متعصباً، لأنه آمن بالانفتاح على كل المكونات واحترامها والدفاع عن حقوقها معتبراً أن المواطنة هي أساس الانتماء، وكان أول من أدان الحرب التي أشعلتها السلطة في العراق ضد الأكراد في الشمال عام 1963 والتي لم ير لها أي مبرر سوى تهديد النسيج القومي لهذا البلد والمخاطر التي يشكلها على البلدان الأخرى، وأول من نادى بحق تقرير المصير للأكراد في شمال العراق عندما يتحقق المجتمع الديمقراطي فيه. ومن يعود لوثائقه سيجد فيها ما يؤكد ذلك، إن مطابقة هذا الوعي وهذا البرنامج مع الوعي الذي أطلقته الثورات العربية الراهنة والربيع العربي تظهر إلى أي مدى يلتقي هذا الوعي مع ذلك البرنامج خاصة في مجال الديمقراطية حتى لو غلف وعي الثورات أحياناً ببعض الشعارات و الأفكار المخالفة.
تمتد معرفتي بحمدي عبد المجيد إلى أواخر عام 1962، خلال زيارة له قمت بها مع بعض الأعضاء من حزب البعث في بيته مقابل السبع بحرات حيث كان يقيم بدمشق، لكن اللقاء المباشر الأول معه كان في أواخر تشرين الثاني 1965، كان وقتها أميناً عاماً لحزب العمال الثوري العربي ، وكنت مسؤولا عن منظمة جامعة دمشق التي ضمت نخبة من العناصر المناضلة، جورج طرابيشي، فؤاد حرب، زينب نطفجي، عادل صيموعة، ويشرف عليها وليد عبد العال ونواف الصفدي عضوي القيادة المركزية القطرية والمنظمة المحلية في دمشق، وقد جاء يرافقه طارق أبو الحسن عضو القيادة المركزية القومية والأمين القطري لمنظمة الحزب في سوريا لحضور اجتماع منظمتنا كمندوبين عن قيادة الحزب ومناقشة بعض القضايا الفكرية والسياسية التي وردت في البرنامج السياسي للحزب وكانت مثاراً للخلاف، خاصة الموقف من عبد الناصر والناصرية، والتدخل المصري في اليمن حيث أن الشباب والطلاب من اليمن وغيرهم من الطلبة العرب الذين كانت تربطهم علاقة وثيقة بالحزب أبدو تحفظات كثيرة حول هذه القضايا التي كان لياسين الحافظ دور في صياغتها. ورغم معرفتنا الشخصية بهما فقد تم التعارف بيننا عن طريق الأسماء ( السرية ) كما جرت العادة في جميع الأحزاب السرية. ورغم بعض الانفعال الذي سيطر على بعض أعضاء المنظمة حول هذه القضايا إلا أن حمدي بهدوئه استطاع أن يمتص هذا الانفعال ويحوله لحوار هادئ ومثمر.
لكن علاقتنا تعززت بعد 8 أيلول 1966 عندما شنت السلطة في سوريا حملة اعتقال واسعة شملت الكوادر الأساسية للحزب وأعضاء كثيرين من مختلف المحافظات، على خلفية حركة الرائد سليم حاطوم في السويداء واتهام الحزب بالاشتراك فيها، وكان بين المعتقلين وليد عبد العال، نواف الصفدي، فؤاد حرب، جورج طرابيشي، وهشام وكاع الذي لم يكن منتمياً للحزب، ومع اختفاء أعضاء القيادة، راتب نشواتي وفيصل بدوي ومحسن الشيخ راضي، ألقيت مسؤولية إعادة ترتيب التنظيم وإدارته على من بقي من منظمة الجامعة التي أشرف عليها طارق أبو الحسن قبل أن يعتقل إلا بعد مرور شهر على حملة الاعتقال . لكن اعتقال طارق، دفعنا للإسراع بإيجاد الصلة المباشرة مع حمدي عن طريق راتب، ولأن حركة أعضاء القيادة المتبقين خارج الاعتقال أصبحت محدودة، كان لا بد من إسناد هذه المهمة لمن بقي من قيادة منظمة الجامعة وقد لعب حمدي دوراً فعالاً في دعم وتوجيه هذه المجموعة الصغيرة التي عملت في ظروف بالغة الصعوبة على إدارة عمل الحزب وحمايته ليس في الجامعة أو دمشق بل على مستوى القطر، و كان لهذا الدعم الأثر الفعال في صمود هذه المجموعة في مواجهة مرحلة السجن الذي تعرض لها عدد كبير من جهة، والمحافظة على بناء الحزب وتوجيهه من جهة أخرى. وإذا كنا نسجل لحمدي هذا الدور فإننا نسجل للذين ذكرت أسماءهم و الذين أسهموا في تلك المرحلة كل التقدير على الشجاعة والصمود والتصميم على العمل، بل إلى كل الذين انخرطوا في هذا الحزب طوال تاريخه أو أيدوه، اتفقنا معهم أم اختلفنا، لأنهم شكلوا على الدوام مثالاً للتضحية والتفاني والنضال، وبالتالي فقد حلت قيادة منظمة الجامعة عملياً وبتكليف من أعضاء القيادة خارج الاعتقال، محل القيادة القطرية في تنفيذ مهامها الكاملة يساندهم أيضاً أعضاء القيادة والحزب في لبنان واتصالات متقطعة مع فيصل ومحسن.
كنت مع زينب نطفجي نلتقي حمدي كل يوم تقريباً في بيته بحي المهجرين الجادة العاشرة رغم صعوبة الوصول إليه وذلك لوضعه في صورة الوضع ودراسة المستجدات ووضع الحلول. وقد استطعنا خلال تلك الفترة من إصدار بيانين الأول بتاريخ 10 / 9 / 1966، بعنوان ( الوضع الراهن في القطر السوري ) والذي تضمن استنكاراً وإدانة لحملة الاعتقال ضد رفاقنا والمطالبة بإطلاق سراحهم، والانفتاح الديمقراطي على القوى التقدمية. والثاني حول الخلاف بين العراق وشركات النفط لدعم موقف العراق.
ورغم الظروف الصعبة فإن المعلومات التي كانت تردنا من السجن عن صمود رفاقنا وخاصة أعضاء القيادة شجعت كثيراً على صمود و استمرار بقية المنظمات التي أتيح لنا الإطلاع على أوضاعها وضبط أعمالها بما يتلاءم مع هذه الظروف. كذلك فإن المعلومات التي كانت تصلنا بينت أن التحقيق مع المعتقلين اقتصر على وضع الحزب وقوته وعدد أعضائه بعد أن أثار التوزيع الواسع لبيانه بمناسبة الأول من أيار 1966 حفيظة السلطة فبيتت له هذه الضربة، ولم يتطرق التحقيق لحركة سليم من قريب أو بعيد، وهذا ما جعل الاعتقالات تتوسع. لكن الحزب في هذه الفترة عانى أيضاً من إشكالات عدة، منها فصل مجموعة فيصل بدوي التي تركز وجودها في حلب وكانت قد انتسبت ككتلة للحزب، وعجز محسن الشيخ راضي الذي أشرف عليها بكل ما تمتع من قدرات تنظيمية وفكرية من دمجها في خط الحزب الفكري والسياسي. ثم التطورات السياسية التي هيأت لحرب 5 حزيران 1967 والخوف من الهزيمة التي كنا ندرك مخاطرها قبل وقوعها. وفي كلتا الحالتين كان حمدي هادئاً وصبوراً رغم خيبة الأمل التي عاناها نتيجة الهزيمة، حيث وجد في الحالة الأولى أمراً طبيعياً لمجموعة لم تستطع أن تندمج بمشروع الحزب السياسي والفكري بسبب ثقل الواقع الاجتماعي وانعدام الوعي الفكري، وفي الحالة الثانية رأى أن الهزيمة هي هزيمة للأنظمة، أما بالنسبة للأمة فهي خسارة لمعركة يمكن أن تمر بها أية أمة من الأمم وأن تتجاوزها، وذلك في محاولة منه لتهدئة الانفعالات التي تولدت لدينا خلال وبعد الهزيمة.
ورغم الإفراج عن جميع رفاقنا بعد الإعلان عن سقوط القنيطرة، إلا أنه باستثناء أعضاء القيادة فإن عدداً قليلاً من الأعضاء الذي خرجوا من المعتقل عادوا وانتظموا في الحزب، لكنه مع ذلك فقد استطاع أن يحظى بشرعية سياسية واسعة لدى الأوساط السياسية كافة.
اتمنى الموضوع نال اعجابكم
محبتي ومودتي لكل من ينورني