- إنضم
- 22 أبريل 2016
- المشاركات
- 129,691
- مستوى التفاعل
- 2,650
- النقاط
- 1
وداعا ايتها الشورجة في المنطقة المحصورة بين شارعي الرشيد والجمهورية.. وبجانب سوق الشورجة الحالي.. تقوم امانة العاصمة بانشاء سوق حصري يجري بناؤه على الطراز العربي، وسيطلق على هذا السوق الذي سينشأ على مسحاة قدرها 7 الاف ومائتي متر مربع أسم السوق العربي، الذي سيتكون من ثلاثة طوابق.. العلوي يضم 54 دكانا مخصصة لمحلات الخياطة والتصميم والازياء والحلاقة.. والطابق الارضي يضم 200 دكان موزعة على مجموعات حيث تقوم كل مجموعة ببيع نوع معين من البضائع والحاجيات: الصابون، الشاي، والحناء والهيل.. اما الطابق الثالث الذي سيكون تحت الارض، فسوف يخصص بوقوف السيارات ويتسع لوقوف 250 سيارة شحن وتحميل وسيحيط السوق شارع عرضه ثمانية امتار ونصف.. ومن جهتي شارعي الرشيد والجمهورية.. سيتمكن المواطنون من الدخول والخروج عن طريق منفذين يؤديان الى شارعين رئيسيين بخترقانه طولا متشابكة بتناسق مع ثلاثة شوارع عريضة ستواجه كل متسوق وسائح الريازة العربية الجميلة في بنائه وتزيينه وستربص على سقفه سن قباب، قطر كل قبة منها ثمانية امتار تشهد على تاريخ السوق والمعمار العربي الاصيل.. وهذا هو اذن بديل سوق الشورجة تفتتح حوافر الخيل والصهيل فجر بغداد ويبدا وقع المارة يتسرب الى السطوح والجدران.ز واذ ينهض جسد ثقيل من الظلمة ويتسرب نور شفاف من خلال فجوات السقوف المقوسة التي تجثم على كتفي سوق الشورجة الطويل.. تكون بغداد في الخارج قد بدأت تلم لستائر عن شبابيكها الموصدة، والدرك الانجليزي يصرب البلاطات الارصفة فيما تتوهج تحت خيوط الشمس الحراب الاخاذة الطاعنة، فجر مكفهر مسكون بالسكوت والرعشات الخفية بينما تفر اولى الجماعات من نئذنة جامع مرجان محلقة فوق السوق القديم، والنهر المترع بالعذابات واللوعة، والخيل تفتح السوق، الحمالون يحنون ظهورهم للريح التي تكنس آخر القمامات المتبقية منذ الامس، ويهبط البرد فوق عري المدينة المثخنة بالجراح، واقدام العمال والفقراء الموديعين تضرب زمنا عسيراً وسنوات مصبوغة بالالم الجارح، والقسوة الشنيعة وهي تبكي فرحا ملفقا تحت خوذ الجند الفاتحين والحراب.. وفي البيوت التي تكسوها العتمة وتتهرب اليها خيوط الفجر الاولى يستيقظ ناس بغداد مشرعين اقدامهم واذرعهم للحياة.. وتنفتح الابواب الخشبية تحت اقواس محفورة وتصر صريرها القاسي لتصب في الازقة المنفتحة الاف الناس الذين يعشون طراوة الفجر ويصادقون الق الشروق.. يجلسون ليأكلهم الزمن: وفي البيوت، الباحة والحجرات والسلم الطيني تتشكل طيوف احلام مرهفة للاطفال والصبايا والنساء ويرسم الجميع في مخيلاتهم صوغة ملونة من سوق الشورجة، للشورجة سفر طويل وهدايا وانتظار مرهف للطفل والصبية وربة البيت ودكان الحارة المغلق الذي ستفتحه مصانع الشورجة المنوعة، النادرة البلادية التي تاتي من المراكب والقطارات والشاحنات الخشبية البطيئة حناء للعروس وحلوى تنشر من الشناشيل والدكات ومناديل للعشاق وحرمل يطرد الشياطين والوساوس بينما تشع البيوت بالفوانيس واللالات وترتفع طيوب البخور الذي ملأ الحواس.. وتعبق وروائح الهيل والدارسين وهكذا تتوزع الشورجة في البيوت البغدادية وتاخذ اماكنها في كل حجرة ومائدة. وتبدأ الحياة تدب في السوق في الزقاق الضيق المرتفع بسقفه الحديدي المقوس الصدئ حيث يمر الاف الناس كل يوم، نساء ورجال واطفال يعبق مزيج من الروائح في انوفهم وسياح يدخلون بغداد وسوقها القديم، فتنفتح عدسات كاميراتهم لتلتقط انفاس الباعة والتجار والناس والزمان الموزع على الاقواس القديمة والابواب الصدئة والخانات المعتمة. وتلمح الزمن جالسا على هيئة شيخ في الدكان: *كيف الصحة ياعم؟ -اهلا وسهلا.. ماذا تفعل..؟ كلا ارجوك. وبحركة مذهورة كان الحاج عبد يختفي خلف يديه كانت الكاميرا تلتقط له الصورة. *لماذا ياعم عبد؟ -ماذا تصور.. رجلا عجوزاً.. ورأسا اكله الزمن. *لا ياعم.. صورة واحدة للمجلة؟ 0لقد اكلنا الزمن ونحن تقبع هنا. *منذ متى؟ -منذ عشرين عاما، لم يتغير شيء الناس هم الناس، لم يتغير غير البضائع. *ولكن الناس الان افضل؟ -نعم.. ولكنهم لم يتغيروا هذه سوق تعرف اهلها جيدا. *وهل ستنتقل الى الشورجة الجديدة؟ -هل يقبلون عطارياتي ماء الورد والهيل والحناء. *نعم؟ -سانتقل إذن. • اسطة قدوس دواء الشورجة الشائع. • ما هي حكاية حريق خان الصابون قبل السفربر؟ • و..... وداعا مرة اخرى ايتها الشورجة. الوشم والبنطلون في الشورجة! ويمر عمر طويل والناس يخترقون السوق العباءات النسائية والعباءات الرجالية، البدلات المودرن التيد خلت بغداد وصنعت الافندية الطرابيش والعمائم والجراويات.. وفي الشارع الطويل شارع الرشيد يلتحم الناس ضد الاحتلال والمعاهدات ويخترق الرصاص الاجساد وفي الشورجة نهبط الابواب وتصر الاقفال ويفر الباعة لتستسلم الى السكون وبقايا القمامة المتناثرة.. لكنها تعود في اليوم التالي سابحة بالاقاويل الملفقة، فاليهود يرفعون أكثر اقفال الشورجة كل صباح.. ويريقون دم الكراهية والغلاء والتوتر.. ويهبط الجنود الانجليز والهنود الى الشورجة. احذية ثقيلة وخوذ فولاذية تتوهج مع الحراب تحت شمس بغداد ويفر عنها الحمام بعيداً، ولكن الشورجة تفتح قلبها لكل عاشق سرق لكل الاجناس لكل النقود لكل البضائع ويظل الصبية الصغار يندلقون من ازقة بغداد اليها يحملون بضائع رخيصة سرعان ما تصبح سوقا بشريا يخترق زقاق سوق الشورجة ليصبح شورجة صغيرة للكسبة وسرعان ما تنظم النسوة المسنات الى هذا السوق البشري، ليق وسكاكين صغيرة لعب اطفال بدائية من الخشب.. علاقات خشبية ومعدنية.. صناعات يدوية بيتية: حياكة وتطريز.. أمشاط للعرائس والصبايا.. ويلتحم ناس هذا السوق باكتظاظ الشورجة وزحمتها.. ولكن لهذا السوق ما يميزه، فالتجار القابعون وراء مكاتبهم وتليفوناتهم في المتجر والباعة القابعون وراء بضاعتهم فهي تتربع على عرش البيع والطريق اليها سلوكة مرارا ولكن باعة السوق الذي احتل قلب الشورجة بملاؤها بصراخهم وهتافهم العميق الذي يتكاثف لينفذ من خلال شقوق السقف المرتفع ضائعا في الشمس والريح. • الحاج مصطفى كان طبيباً في الشورجة قبل ثلاثين عاما. • شورجة داخل شورجة.. من الكسبة الصغار والعجائز. ومن جسد الشورجة المتخن بالمتاجر والدكاكين تتفرع اذرع واحشاء اخرى لهذا الاخطبوط الهائل.. تلتوي وتنحرف وتدون ولا تنغلق فللشورجة مائة باب ومائة ذراع ومائة قلب وفي سوق الصابون حيث تصطف مجموعة منتظمة من الصابون الذي يزور كل بيت في بغداد بحفاوة واقبال تستطيع ان تبدأ بعبد المناف الذي يجلس على كرسي محجوزا بمثات من قوالب الصابون منذ عشرين سنة. منذ كان عمره ثماني سنوات.. لم يكن انذاك ليستطع ارتقاء عرش الصابون فقد كان والده هنا لا تفارق انفه رائحة الصابون النفاذة العذبة. *ماذا تغير في الشورجة ياعبد المناف؟ -التجار الاغنياء خرجوا وصفقوا الباب وراءهم، الشباب الان يتربعون على العروش القديمة. *وماذا بعد؟ -الازدحام كانت الشورجة تكتظ حوالي الشهر اما الان فان أول الشهر هو مناسبة ازدحام الشورجة. ويذكر عبد المناف حريق خان الصابون حيث اقتحم الشورجة سيل من الماء والصابون وتزحلق عليه الكثيرون وتذكره هذه الصورة بالكاريكاتير. -لماذا اختفى الكاريكاتير من الفجاء؟ -هل تتابعها؟ -نعم.. نحن نحب الكاريكاتير لماذا اختفى؟ -رسام الكاريكاتير مسافر وسيرجع قريبا ولكن ماذا بعد ايضا؟ -البضائع كان السوق متخوما بالبضائع الاجنبية اما الان بالبضائع الوطنية حلت محلها، لم تكن صناعتنا تستطيع منافسة البضاعة الاجنبية، كانت يدوية وليست هناك اية خبرة، الان مكائن ثقيلة ومهندسون الان صناعة الصابون تخضع لشروط صحية والصابون متوفر دائما انظر. وبنظرة طويلة أنطلقت من دكان عبد المناف عبر عشرات دكاكين الصابون وتوقفت عند فتاتين: 0هل تجيئان الى هنا دائما؟ -تقريبا.. هنا نجد كل ما نحتاج ولكن رجاء لا تنشر الصورة. -لماذا، الا يليق بكن هذا السوق؟ الفتيات الاوربيات منتشرات جوانبه هذا السوق قديم وقد شهد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ في العباءة وفي الفوطة في الجرغد ثم في الكوستم والتنورة والبنطلون اخيرا. ووراء الفتاتين كانت تخترق السوق امراة ريفية الوشم الاخضر على وجهها الريفي ففي زقاق الشورجة يلتحم كل شيء الزمن والمكان والطبقة وفي الخروج من السوق تكون الاشارة مختلفة السيارة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ التي تنتظر البضائع الحصن العربة الحمال الذي تكسو ظهره سنوات الشورجة واثقالها المتعبة. الصورة القديمة.. في الذاكرة وفي مذكرة الشورجة جدول للمناسبات الكثيرة التي تعج بها السنة ففي يوم زكريا حيث تحفظ البنات اسرارهن ونذورهن يكون الكرز والشموع والحلوى الاباريق والزبيب والسمسم والسكر مجتمعة تحت الشموع المضيئة فيما تتطلق حولهن الصبايا والبنات بانتظار الاذان ففي ذلك الوقت تغرز كل فتاة دبوسا في سمعتها وتطلب امنية لتتحقق ونذرا ليعطى ويكون الحبيب سيد الاماني المترعة بالدعاء. وتتشبع في الشورجة مسميات الاطفال، والعجائز، وتتخذ طريقها في السوق الكبير: اصابع العروس، اصابع القاضي، بيض الفأر، نبق العجم، ولا تعرف كيف ولدت هذه الاسماء، لكنها دخلت في فم المدينة، فآمن بها التجار، وآمن الباعة، وآمن الاباء والامهات ومثل زوائد الجسد هناك زوائد الشورجة فعلى جدار اكثر من دكان ومتجر ودكاكين صغيرة من الابواب وزجاج تحمل مئات البضائع الصغيرة، سكاكين وملاقط ومقاصيص ومرايا صغيرة وبراويز صور، ونفاضات سيكاير وما تزال هذه الدكاكين الزوائد ذات عمر قصير املتها الحاجة الى توسع اعمال الشورجة ونشاطها. في العتمة تتبع بضائع محمد عطار الذي سلخ من عمر الشورجة وعمره خمسة وعشرين عاما، ومحمد الذي يؤمن أن البضائع تتغير والناس لا يتغيرون يؤمن ايضا أن في الشورجة يضائع لن تموت. فسوق الشورجة لم يفقد ابدا بضاعة من بضائعه المعروف بها حتى البضائع التي تعتقد انها انقرضت تستطيع العثور عليها في اية زاوي من زوايا الشورجة. فهنا لا شيء يموت لا شيء ينقرض وفي الوقت الذي يبتسم فيه محمد العطار للسوق الجديد الذي ستنتقل اليه الشورجة تستطيع أن تتحسس كآبة سرية ترتسم على وجه حين يقول: -ارجو ان لا نفقد الشورجة طابعها الشعبي فهي فهي ستظل اسما تاريخيا وتجاريا وستظل الذاكرة خاناتها واطواقها وزجامها الشديد هذا علي مراد. -من؟ -علي مراد، انه اقدم خانجي في الشورجة. كان لابد من الترحيب بعلي مراد ليفتح لنا صفحة اخرى من كتاب الشورجة ولكن قبل كل شيء ماذا تعني خانجي ياعم مراد. حراسة في الليل.. وسرقة في النهار.. كان حراس الشورجة يقبضون أجور حراستهم من التجار وكانوا ينتشرون في كل الشورجة وازقتها ويطلقون صفاراتهم خلال الظلام والسكون، لا أحد يستطيع ان يمر حالما تقفل الابواب ولم تكن تحدث في الشورجة أية سرقة في الليل ولكن الطريف ان السرقات كانت تحدث في النهار في الزحام الشديد وتحت وهج الشمس وبين عيون المارة والتجار. ويبدأ مراد وانت تسرق من وجهه الملامح البغدادية ملامح مدينة مرهقة في الزمان ممدودة على النهر مثل أمراة عطشى، ويرفع علي مراد بصرة ليذكر بيت صندوقجي وشالجي وسيد عيسى. -هخل تعرف شيئا عن عمر الشورجة يا عم مراد؟ -من زمن العباسيين منذ جامع مرجان والخلفاء كانت تسمى السوق الكبير كانت تشب فيها الحرائق فهي سوق للقماش والشاي والقند والصابون والادوية.. نعم حتى الادوية فقد كان لها سوق كبير خاص بها، وكان فيها أطباء شعبيون لم يكن أحد من المرضى ياتي الى الشورجة الا ليشفى كان يوجد عند الحاج مصطفى دواء للحساسية. الحاج مصطفى هو الذي أكتشف هذا الدواء!! كان يداوي الجروح يضع عقارب عديدة في قنينة ويتركها تعض بعضها البعض حتى تموت وتبقى اخر عقرب ملئية بالسموم والدهون فيصنع منها دواء للجروح كان هذا يحدث منذ ثلاثين عاما؟ -كم امضيت في الشورجة؟ -خمسة وثلاثين عاما؟ كان سوق الشورجة يبدا من الصدرية في شارع الكفاح وينتهي على نهر دجلة في زقاق ضيق طويل مسقف بقوس حديدي ويمد فروعه الضيقة الاخرى ذات اليمين وذات الشمال، سوق الحبوب سوق الشكرجية وسوق الادوية العربية وسوق الجبن وسوق الفاكهة وسوق بالبندرجية ثم يهري شارع الجمهورية على سوق الشورجة فيقطع جسده الطويل ومن قبل هوى شارع الرشيد ايضا فقطع بعضه وهو الان ثلاثة اشلاء وكان سوق الصفافير ايضا تابعا الى سوق الشورجة ثم سوق الجوخجية الذي تكدست فيه الجثث حين هاجمت الكوليرا بغداد في العهد العثماني وفي الشورجة مقابل دري المعاضد يوجد مرقد حسين ابو الروح وهو شيخ جليل مدفون هنا منذ الف سنة. وعلى جدران خان محمد حسين الذي امضى اكثر من عشريسن عاما في الشورجة تتعلق دفاتر الديون القديمة لقد جاء محمد حسين بعد خروج اليهود من الشورجة عام 1948 كان اليهود يبسطون نفوذهم على الشوق ويتحكمون في توجيه اقتصاده لصالحهم وصالح ارتباطاتهم وعن طريق فومسيونجية عرف التجار الشباب الذين حلوا محل اليهود البضائع ومنشاها وطرق جلبها ولمحمد حسين شريك هو مظهر كاظم وهما يؤمنان أن سنة التطور بدأت تقضي على الاشياء الشعبية كما قضت على سوق الادوية في الشورجة. يقول محمد حسين: -انا لا اقبل ان اعطي وصفة بوجود العلم والادوية والطب. ولكن تراث العائلة البغدادية يظل قائما في الشورجة فلكل عائلة أدويتها الخاصة في الشورجة لب الرواند لمحافحة البرقان اسطة قدوس للمرشح ورقة الكنين للسخونة والملاريا هكذا كانت تجرب عوائل بغداد أدوية الشورجة كانت مرة تشفى ومرات لا تجدى نفعا. عرق التين تستعمله عائلة والسنة مكي والهليلج والفلول عند العائلة اخرى، اما الان فقد اندثر ذلك كله ولكنه بقى في ذاكرتنا اذ ما يزال يعض الناس وهو قلة يطلبون البابونج واسطة قدوس وعرق التين. والاواصر في الشورجة كثيرة اواصر خلقتها البضائع وشدتها باحكام الى مناسباتها فما ان يتوفى احد حتى تهرع الشورجة بتجارها الى الفاتحة ويشهد مجلس الفاتحة حديثا عن البضائع والضرائب والكمارك والتجارة وفي الفرح كذلك وتشهد الشورجة في عاشوراء أكواز الماء البارد ماء بالهيل يذكر بالمقتل ومرد الرأس والمواكب. التجار.. النجوم.. في الشورجة رجال للذكرى والزمن والتاريخ تسأل عن الشورجة فيعطونك اسماء لها تارخ طويل اعطونا اسم علي شعبان وذهبنا نبحث عنه مسترشدين بخارجة وصفية يعطيها لك اهل الشورجة ووجدنا علي شعبان رجل نحيف جسمه جالس مثل تمثال في الفراغ. -اين البضائع ياعم علي؟ -نفذ لا اريد ان أعمل بعد الان لقد عجزت منذ الحرب العالمية الاولى وانا هنا بقيت لي ديون على الناس. اريد ان أحصل عليها واقفل دكاني وارحل عن الشورجة لقد كان هنا كثيرون ولكنهم ماتوا كانت بيوتهم خلف دكاكينهم لكنهم رحلو الان. ويشبك علي شعبان يديه امام الكاميرا الشيوخ يخافون الزمن يخافون ان ينظروا الى انفسهم المليئة بالسنوات والشروخ العميقة لم يتبق منهم ما يقدمونه للناس حتى الصورة يخافون ان تجرفهم الى هوة الزمن السحيقة وما تبقى في ذاكرة هذا الرجل الحريق الهائل في خان الصابون في زمن السفربر كان ذلك عام 1918. قلنا لسعيد احمد شكرجي: -انت شكرجي ولكنه ليس هناك ما يشير الى ذلك في الدكان. -انه لقب.. فانا أبيع دهن الزيت ودهن المكائن. وفي الزقاق كان التاريخ يتساقط كالرذاذ على الابواب والخانات والخيل التي تجوب زقاق الشورجة محملة بالبضائع والعربات وفي مدخل الشورجة ماتزال مأذنة جامع مرجان تشرف على هذا العالم والتاريخ والالق الذي يخفت لقد خفنا ان يندثر طعمها اللذيذ المخلوط باحلام الصفا وطموحات الرجال وتمنيات النساء اللواتي يرمتن بابصارهن الى هذا بمناسبة وبدون مناسبة. -لحظة من فضلك اسمك. -عباس آل بدير معلم -ستقوم امانة العاصمة بانشاء شورجة جديدة ماهو رأيك؟ -انا احبذ ان يبقى طابع الشورجة انها ذات طابع قديم ونكهة رافقت تاريخ بغداد والبغداديين وفي كل العواصم يوجد سوق قديم معروف الامانة تخطئ حين تهدم المواقع الاثرية ذات الطابع الشعبي كما فعلت في السوق المحاذي للمدرسة المستنصرية هل يريدون ان يمسحوا طابع بغداد القديم؟! كان عباس بدير يحمل بضائعه وخوفه من انقراض الشورجة وكنا نخر حاملين اوراقنا وكاميرتنا وخوفنا من انقراض التاريخ الذي تشكل على باب كل بيت في بغداد، وفي عواصم بلدان اخرى التاريخ المشرب بالموالات البغدادية القديمة منبثا في الحجرات والسلالم في ثياب النساء والاطفال والصبايا وبعد عام أو اكثر يقليل سنقول: ايتها الشورجة وداعا. كتبه: نبيل ياسين الف باء - العدد 302 السنة السابعة 26 حزيران 1974