- إنضم
- 5 أغسطس 2019
- المشاركات
- 125,575
- مستوى التفاعل
- 23,856
- النقاط
- 187
- الاوسمة
- 2
مدخل :
في أزقة القصبة العتيقة ، تتجلَّى لوحة بصرية
تختزل أصالة المجتمع بأكمله
هناك تلمح العين الحايك الجزائري ..
القطعة القماشية المنسوجة من الحرير الخالص
أو الصوف الرفيع .. بيضاء أو عاجية
لم يكن مجرد كساء لـ جدَّاتنا بل هو ستر تلتف فيه المرأة
لـ يُبرز حِشمتها و يزيدها وقارًا و هِمَّة .
التسمية :
إذا غُصنا في أصل التسمية ؛
نجد أنَّ الكلمة مشتقة من الحياكة ؛
فكل خيط فيه يحكي قصة أنامل جزائرية أبدعت
في غزل الهوية و تحصينها ضد عواصف طمس المعالم الثقافية .
و يقال أيضًا " تلحيفة " .. أي تلتحفها و تستتر بها .
تاريخ الحايك :
يعود أصل الحايك في جذوره الأولى إلى لباس محلي
عريق ارتبط بـ حشمة المرأة.
و مع مرور الزمن ، و تحديداً مع توافد العائلات الأندلسية
و تمازج الثقافات في العهد العثماني ،
شهدت صناعة هذا اللباس تطوراً كبيراً في المدن الجزائرية الكبرى؛
حيث دخلت عليه تقنيات جديدة في نسج الحرير و الصوف الرفيع.
هذا التطور جعل الحايك يكتسب طابعاً حضرياً متميزاً .
أنواع الحايك :
حايك المرمة :
يُعدّ أرقى أنواع الحايك و أكثرها قيمة
حيث يُنسج يدوياً من الحرير الخالص الممزوج بخيوط الذهب
أو الفضة و تسمى " الفترة " .. اشتهرت به نساء الحواضر
و لا سيما في الجزائر العاصمة ، و كان يُخصص للمناسبات السعيدة و الأعراس
و يُمثل ذروة الأناقة و الرفعة .
حايك العشعاشي :
تميزت به منطقة الغرب الجزائري ، خاصة تلمسان و محيطها.
يُصنع من قماش رقيق تتخلله خطوط حريرية خفيفة ،
و يمتاز بخفته و سهولة لفِّه ، و كان لباساً يومياً يعكس
بساطة الحياة اليومية و وقارها .
حايك السفساري :
و هو قماش من الحرير أو القطن الخفيف
شاع انتشاره في بعض مناطق شرق البلاد .. يمتاز بنعومة ملمسه
و سهولة حركته ، و غالباً ما يكون لونه مائلاً إلى الصفرة العاجية .
الملاية القسنطينية - شقيقة الحايك - :
في شرق الجزائر ، و تحديداً في مدينة قسنطينة
يظهر استثناء تاريخي لافت ؛ حيث استبدلت النساء الحايك الأبيض
بـ "الملاية" السوداء .. و تذكر الروايات التاريخية أن نساء المدينة ارتدين الأسود
حزناً على وفاة الباي "صالح باي" عام 1792،
و تحول هذا اللباس بمرور الزمن إلى رمز للوفاء
و يماثل الحايك في حشمته و هيبته .
من ستر المرأة إلى سلاح الثورة :
لم تقتصر رسالة الحايك الجزائري على صون
الحشمة والأصالة فحسب بل تحول خلال الثورة التحريرية
المظفرة [ 1962 - 1954 ] إلى سلاح سياسي و تاريخي
واجه به المجتمع محاولات الاحتلال الفرنسي لطمس الهوية الوطنية.
ففي الوقت الذي كان فيه المستدمر يحاول الترويج
لـ نزع الحايك كـ خطوة لـ كسر الخصوصية الثقافية و الدينية لـ المجتمع
تمسكت به المرأة الجزائرية كـ رمز لـ التحدي و الكبرياء.
و مع اشتداد معركة الجزائر في قلب القصبة ،
تحول هذا اللباس التقليدي إلى أداة حربية عبقرية
بـ أيدي الفدائيات و المجاهدين ؛ فـ بفضل اتساعه و ستره،
استغلته الفدائيات لإخفاء القنابل ، المنشورات و الأسلحة
و نقلها عبر حواجز التفتيش المشددة لدعم العمل الفدائي،
كما كان ملاذاً آمناً يتخفى فيه بعض المجاهدين
للعبور والتمويه بين الأزقة الضيقة ..
لقد أثبت الحايك في تلك المرحلة المفصلية
أنه لم يكن مجرد قماش يغطي الجسد ،
بل كان درعاً أسهم في صون الثورة و تضليل العدو ،
مسطِّراً صفحة مشرفة من صفحات النضال النسوي الجزائري .
مكمّلاته :
لا يكتمل حضور الحايك في الذاكرة الجزائرية
دون مكملاته الأساسية التي تمنحه هيبته الخاصة، و أبرزها :
- العِجَار : قطعة قماشية صغيرة بيضاء، تُثبت أسفل العينين
لـ تغطّي بقية الوجه .. وغالباً ما كانت النساء يتفننّ
في تطريزه يدوياً بغرزة "الشبكة" الراقية .
- و في المناسبات يضاف اكسسوار الجبهة
التقليدي " خيط الروح الجزائري "
و في الختام :
يظل الحايك الجزائري أكثر من مجرد لباس تقليدي طواه الزمن ؛
إنه وثيقة تاريخية حية تختزل قيم الحشمة و الأنفة و التضحية
