شيخ المؤرخين (عبد الرزاق الحسني )
من هو عبد الرزاق الحسني؟
لندع عبد الرزاق الحسني يقدم نفسه نشأته، مسيرته، من خلال سنته الأولى حيث يقول
ولدت في سوق العطارين "الشورجة" ببغداد سنة 1321 هــ (1903م) من اب وأم عراقيين وعائلة تقرض الشعر، وتتعاطى الأدب وتمتهن (العطارة).
وقد تعلمت مبادئ القراءة والخط في جامع الخفاقين وفي عام 1908 تأسست مدرسة أهلية باسم (مكتب الترقي الجعفري) فالتحقت بها وقد شرعت في تعلم اللغة التركية واللغة الفرنسية الى جانب اللغة العربية ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى عام 1333 هـ (1914م) تعثرت الدراسة في معظم المدارس الحكومية والأهلية بسبب التحاق أساتذتها بالجندية، وطبيعيا تعثرت الدراسة في مدرستي فانتقل بنا احد الأساتذة من بناية المدرسة في سوق الغزل الى جامع الحاج داود في محلة الهيتاويين، ولما احتل الجيش البريطاني بغداد في فجر 15 جمادي الاول 1335 هــ (11اذار 1917 ) انتظمت الدراسة من جديد وأبدل اسم مدرستي الى اسم (المدرسة الجعفرية 9 وجيء لنا بأساتذة أفاضل تخلوا عن الجيش العثماني المنسحب ومنهم الحاج كمال والد لضباط صبيح الحاج كمال وعبد الستار الشيخلي والد الوزير السابق عبد الكريم الشيخلي وعلي مظلوم والد المهندس مدحت علي مظلوم إضافة الى الأساتذة زكي الخياط وجعفر حمندي ومحمد حسن كبة وعبد المجيد لاوي وعباس مهدي وعلي البازركان وغيرهم..
وعندما نشبت ثورة العشرين 1920 اضطر والدي البقاء في مدينة النجف الاشرف وألحقني أستاذي علي مظلوم بعد ان أصبح قائم مقام النجف الى مدرسة الأميرية فيها.
كتـــــــــــــــــــاباتي
بعد ان هدأت الأوضاع عدت الى بغداد لأقبل في الصف الثاني في دار المعلمين ومن يومها ولعت بالكتابة والنشر وأنا مازلت طالبا فيها فكنت اقتني الجرائد اليومية والمجلات الدورية واقتبس منها بعض الكلمات والعبارات الملائمة لأنشئ خبرا محليا أو نتفة أدبية او قطعة شعرية وكانت جريدة "المفيد" لصاحبها المرحوم إبراهيم حلمي العمر تنشر لي هذه الأخبار والنتف تلطفا منها وتشجيعا وما لبت ان وضعت رسالة موجزة بعنوان: (المعلومات المدنية لطلاب المدارس العراقية) استعنت بما يتيسر لدي من الكتب المدرسية المشابهة.
وكان لأستاذ التاريخ في "دار المعلمين" العالم الاثاري المغفور له عبد اللطيف الفلاحي مطبعة معروفة في بغداد اسمها (مطبعة الفلاح) فراجعته لطبع هذه الرسالة وإذا به يشجعني على المضي في التتبع المفيد ويتبرع بكلفة الطبع متى يسرت له الورق وكان عدد ما يطبع من الكتب يومئذ لا يتجاوز الخمسمائة نسخة عدا شأن الصحف الأدبية والمجلات يوم ذاك فكان من الطبيعي ان أهيئ الورق لرسالة لا يتجاوز عدد صفحاتها 56 صفحة بقطع لاثمن.
وهكذا أصبحت مؤلفا معروفا وتتابعت مؤلفاتي حتى تجاوزت الثلاثين كما كنت وأنا طالب في دار المعلمين اكتب في الجرائد الوطنية واشتغل في الأمور السياسية فلما تخرجت من هذه الدار انصرفت للصافة انصرافا كليا حتى عينت مديرا لإدارة جريدة (المفيد) ومندوبا متجولا لها وقد طفت العراق من شماله الى جنوبه بهذه الصفة ووضعت رحلتي المشهورة ( رحلة في العراق او خاطرات الحسني) التي طبعت ثلاث طبعات ولما الغت الحكومة امتياز جريدة المفيد انشأت جريدة ادبية تاريخية أسبوعية باسم (الفضيلة) وقد برز عددها الاول في الاول من ايلول (سبتمبر) عام 1925 ثم صارت تصدر أكثر من عامين وهي مدة قلما عاشتها جريدة أدبية في هاتيك الأيام المظلمة.
ويضيف عبد الرزاق الحسيني قائلا: ويشاء الطالع ان ينتقل الوالد الى الرفيق الأعلى وان استعين بما تركه لي من مال فابتاع مطبعة خاصة وانتقل الى مدينة الحلة لأصدر جريدة علمية أدبية تاريخية باسم (الفيحاء) وقد صدر عددها الاول في 27 كانون الثاني (يناير) عام 1927 ويقول الحسني ان العلامة الشيخ عبد الكريم الماشطة بنشر تراجم علماء الحلة وفقهائها في القرن السادس للهجرة في جريدتي (الفيحاء) تباعا وقد فسرت بعض الجهات المتعصبة هذه التراجم تفسيرا بعيدا عن الحق فسحبت امتياز الجريدة وصادرت المطبعة.
ويضيف الحسني بالقول: وتلقيت رسالة من (سكرتير المعتمد السامي البريطاني) في بغداد يطلب إلي فيها التوجه الى بغداد ومقابلة محمد حسين خان النواب في دار المندوبية وشعرت يوم تمت هذه المقابلة ان هنالك رغبة ملحة في استغلال قضيتي للدس والكيد لحكومتي.
وكان لي علاقة صحفية بالمغفور له جعفر باشا العسكري منذ عام 1923 وكان العسكري يشغل آنذاك رئاسة الوزارة في عام 1972 للمرة الثانية فنقلت إليه موضوع سحب امتياز جريدتي ومصادرة مطبعتي ومحاولة استغلال قضيتي فأمر رحمه الله بإعادة المطبعة إلي فورا وطلب الى الزعيم الخالد ياسين باشا الهاشمي ان يبحث عن وظيفة مناسبة لي في ديوان وزارته فعينت معاونا لمحاسب وزارة المالية فمديرا لخزينة بغداد فمديرا لحسابات مديرية الري العامة ومنها نقلت الى مثل وظيفتي في (مديرية البرقو البريد العامة) وحتى إذا أعلنت الحرب العالمية الثانية في 3 أيلول (سبتمبر) 1939 وحدت الاصطدام المسلح بين الجيشين:
العراقي والبريطاني في 2 مايس ( أيار ) 1941 (فيما عرف بحركة رشيد عالي الكيلاني) فصلت من الخدمة لمدة خمس سنوات وأبعدت الى المعتقل (الفاو) أقصى جنوب العراق ثم الى (معتقل العمارة) قضيت في المعتقلات اربع سنوات كتبت خلالها كتابي (تاريخ العراق السياسي) بأجزائه الثلاثة وهو الكتاب الذي نال جائزة (المجمع العلمي العراقي) لأحسن كتاب قدم في عام 1949 وطبع ست طبعات.
عدت الى الخدمة في الحكومة بع خروجي من المعتقل وانتهاء مدة فصلي القانونية كما عاد غيري من الضباط والوزراء والمتصرفين والمدرسين وغيرهم الى وظائفهم ثم ندبت للعمل في (ديوان مجلس الوزراء) وفي هذا الصدد يذكر عبد الرزاق الحسني ان نوري السعيد (رئيسٍ الوزراء )
كان مسؤولا عن زج أكثر من ألف شخص في السجون والمعتقلات في أعقاب الحرب العراقية البريطانية التي اندلعت في أيار 1941 فلما انتصر الحلفاء على دول المحور في نهاية الحرب العالمية الثانية العام 1945 اراد نوري ان يخفف عن المعتقلين آلامهم وينسيهم مالاقوه من ضروب المحن فصار ينعم عليهم بأساليبه الخاصة كمنح الموظف درجتين أعلى وإعطاء تعهدات حكومية الى بعض المقربين ومصاهرة البعض الآخر..
وفي شباط العام 1949 استدعى نوري السعيد عبد الرزاق الحسني وقال له : (بلغني انك تنفق قسما من راتبك في إفساد ضمائر بعض الموظفين بغية الحصول على بعض الوثائق لكتبك التي تؤلفها وعليه قررت نقلك الى ديوان مجلس الوزراء لتبحث عما تريد!! ثم أمر بان توضع تحت تصرفي أوراق القضية الفلسطينية لكنه اسر الى رئيس الديوان (نوري القاضي) ان يمكنني من الاطلاع على ما أريد وهكذا منذ شباط 1949 عهد إلي تنظيم سجلات خاصة بتاريخ الدولة على نمط المؤسسة العثمانية (وقعي نويس) وقد قضيت في هذا الديوان اربع عشرة سنة استفدت خلالها فوائد تاريخية جليلة وكانت من اسعد ايام حياتي في الوظائف الحكومية فتعاقب على رئاسة الوزراء في بحر هذه السنوات السادة: نوري السعيد، مزاحم الباجه جي، علي جودة الايوبي، توفيق السويدي، مصطفى العمري، نور الدين محمود، جميل المدفعي، فاضل الجمالي، ارشد العمري، عبد الوهاب مرجان، احمد مختار بابان، عبد الكريم قاسم، واحمد حسن البكر فلم يتدخل احد منهم في عملي ولم يمسسني سوء من واحد منهم حتى أحلت نفسي على التقاعد في أواخر عام 1964.
وعن مقالاته المنشورة يحدثنا عبد الرزاق الحسني فيقول:
نشرت عددا كبيرا من المقالات البلدانية، والتاريخية، والأدبية في معظم المجلات العراقية المعتبرة كالزنبقة والتلميذ ودار المعلمين والمرشد ولغة العرب والنشء الجديد (وهذه كلها تصدر في بغداد) والاعتدال والعربي والبيان (وكانت تصدر في النجف) وفي مجلة النجم الموصلية والهدى التي كانت تصدر في العمارة وفي غيرها.
كما نشرت في الهلال، والعصور، والكتاب، ورسالة الاسلام (الحصريات) والعرفان والعروبة والمكشوف ( اللبنانية ) والحديث ( الحلبية ) و... الخ
واني لمدين لمجلة ( العرفان) الصيداوية لانها كانت تنشر لي عشرات المقالات المنوعة كما ان ( مطبعة العرفان ) تولت طبع كتبي كلها تقريبا فلولا ( العرفان ) ولو لا رعاية صاحب العرفان الشيخ احمد عارف الزين لما كنت ولا كان اسمي ولا ابصرت مؤلفاتي العديدة النور وهذه حقيقة اذكرها ما حييت حياتي الكتابية.
ويضيف الحسني في إعطاء صورة واضحة عن حياته الكتابية، فيقول: وكاتبت جماعة من فطاحل الاستشراق كالدكتور هـ. رير، وف. كرنكو، وي. شخت، وهو تسما، ودنلوب، وجب، ولويس ما سينيون، وجاك بيرك، وكراتشوفسكي، وغفوروف، وف. كوتلوف، وبيتر، وغيرهم، ومازلت احتفظ برسائل كثيرة من هؤلاء.
كما راسلت جمعا من العلماء العرب امثال: الامير شكيب ارسلان، وشيخ العروبة احمد زكي باشا، واحمد تيمور باشا، واسعاف النشاشيبي، وامين الريحاني،
ومشايخ جبل عامل: الشيخ احمد عارف الزين، واحمد رضا، وسليمان الظاهر، ومحمد كرد علي، والاب استاس ماري الكرملي، ومحمد الفاسي، وسلامة موسى، وعباس العقاد وغيرهم.
كما توليت كتابة مذكرات رئيسي الوزراء الاسبقين: علي حودة الايوبي، وناجي شوكت، واشرفت على اعداد مذكرات الوزراء: عبد العزيز القصاب وطه الهاشمي وتحسين العسكري. اما مذكرات اللواء الركن ابراهيم الراوي فقد جاء اسهامي فيها ما يلي :-
((واخص بالذكر صديقي الأستاذ عبد الرزاق الحسني الذي بذل جهدا محمودا وسعيا مبرورا، في ملاحظة مواد المذكرات والتثبت من الفصول وصحة التواريخ، ونحو ذلك حتى انه صحبني الى لبنان للإشراف على طبع الكتاب ولولا هذه الجهود وملاحقاته وإلحاحه لما يتسر للكتاب ان يبصر النور)).
اما عن سفراته فيذكر الحسني انه سافر
الى (سوريا) و (لبنان) و(فلسطين) و (الأردن) و (مصر) و (تركية) و (إيران) فضلا عن إمارات الخليج العربي، كما سافرت الى اليونان، والنمسا، وسويسرا، وألمانيا، والدنمارك، والسويد، والنرويج، وبريطانيا، وفرنسا، واسبانيا، وايطاليا، وهولندا، وبلجيكا،
وقد ندبت لحضور مؤتمر المستشرفين الخامس والعشرين، الذي انعقد في موسكو عام 1960 م، وانتهزت الفرصة فزرت وباكو، ومدنا سوفيتية أخرى، وعرجت على جيكوسلوفاكيا وبولونيا وغيرها من الدول الاشتراكية في أوربا الشرقية.
آثار الحسني المطبوعة
صدر لشيخ المؤرخين (29) مؤلفا في التاريخ والسياسة وأطياف الشعب العراقي والصحافة والأغاني والرواية، وهي:
1- تاريخ الوزارات العراقية / عشرة أجزاء..
2- الأصول الرسمية لتاريخ الوزارات العراقية..
3- تاريخ العراق السياسي / ثلاثة أجزاء..
4- العراق بين دوري الاحتلال والانتداب..
5- الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية..
6- الثورة العراقية الكبرى (1920)..
7- العراق في ظل المعاهدات..
8- العراق قديما وحديثا..
9- الإيزيديون في حاضرهم وماضيهم..
10- البابليون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم..
11- الصابئة في حاضرهم وماضيهم..
12- تاريخ الصحافة العراقية..
13- الأغاني الشعبية..
14- تعريف الشيعة..
15- الخوارج في الإسلام..
16- الصابئة قديما وحديثا..
17- عبدة الشيطان في العراق..
18- رحلة في العراق أو خاطرات الحسني..
19- البابليون في التاريخ..
20- الجبهة الوطنية في العراق.. جذورها التاريخية وتطورها..
21- تاريخ الثورة العراقية..
22- موجز تاريخ البلدان العراقية..
23- تسخير كربلاء في واقعة محمد نجيب في عام 1258 هـ 1842م..
24- المعلومات المدنية لطلاب المدارس العراقية.
25- تحت ظل المشانق / ثلاثة أجزاء.
26- ثورة النجف بعد مقتل حاكمها كابتن مارشال.
27- أسرار الانقلاب (بكر صدقي).
28- تاريخ الأحزاب السياسية في العراق.
29- المراقد المقدسة في العراق.
نهاية المطاف
• حصل الحسني على جوائز تقديرية وتكريم، منها: جائزة المجمع العلمي العراقي لأحسن كتاب صدر العام 1949 ((وهو كتاب تاريخ العراق السياسي)).
• وسام المؤرخ العربي: من اتحاد المؤرخين العرب.
• تبرع بمكتبته الخاصة التي تضم آلاف الكتب والمجلدات والوثائق والمخطوطات التي لا تقدر بثمن الى دار الكتب العراقية، وقد كرمته الحكومة العراقية خلال مرضه في الايام الاخيرة من حياته، توقف قلب شيخ المؤرخين بوم 24 تشرين الثاني العام 1997 عن عمر ناهز الرابعة والتسعين عاما تاركا للأجيال آثارا علمية تشكل كنز العراق وجزء من تاريخه، فقد تبرع الحسني رحمه الله، في أواخر أيامه، بمكتبته الضخمة التي تحوي آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق الى المكتبة الوطنية العراقية لتكون في خدمة الباحثين والمستفيدين.
لندع عبد الرزاق الحسني يقدم نفسه نشأته، مسيرته، من خلال سنته الأولى حيث يقول
ولدت في سوق العطارين "الشورجة" ببغداد سنة 1321 هــ (1903م) من اب وأم عراقيين وعائلة تقرض الشعر، وتتعاطى الأدب وتمتهن (العطارة).
وقد تعلمت مبادئ القراءة والخط في جامع الخفاقين وفي عام 1908 تأسست مدرسة أهلية باسم (مكتب الترقي الجعفري) فالتحقت بها وقد شرعت في تعلم اللغة التركية واللغة الفرنسية الى جانب اللغة العربية ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى عام 1333 هـ (1914م) تعثرت الدراسة في معظم المدارس الحكومية والأهلية بسبب التحاق أساتذتها بالجندية، وطبيعيا تعثرت الدراسة في مدرستي فانتقل بنا احد الأساتذة من بناية المدرسة في سوق الغزل الى جامع الحاج داود في محلة الهيتاويين، ولما احتل الجيش البريطاني بغداد في فجر 15 جمادي الاول 1335 هــ (11اذار 1917 ) انتظمت الدراسة من جديد وأبدل اسم مدرستي الى اسم (المدرسة الجعفرية 9 وجيء لنا بأساتذة أفاضل تخلوا عن الجيش العثماني المنسحب ومنهم الحاج كمال والد لضباط صبيح الحاج كمال وعبد الستار الشيخلي والد الوزير السابق عبد الكريم الشيخلي وعلي مظلوم والد المهندس مدحت علي مظلوم إضافة الى الأساتذة زكي الخياط وجعفر حمندي ومحمد حسن كبة وعبد المجيد لاوي وعباس مهدي وعلي البازركان وغيرهم..
وعندما نشبت ثورة العشرين 1920 اضطر والدي البقاء في مدينة النجف الاشرف وألحقني أستاذي علي مظلوم بعد ان أصبح قائم مقام النجف الى مدرسة الأميرية فيها.
كتـــــــــــــــــــاباتي
بعد ان هدأت الأوضاع عدت الى بغداد لأقبل في الصف الثاني في دار المعلمين ومن يومها ولعت بالكتابة والنشر وأنا مازلت طالبا فيها فكنت اقتني الجرائد اليومية والمجلات الدورية واقتبس منها بعض الكلمات والعبارات الملائمة لأنشئ خبرا محليا أو نتفة أدبية او قطعة شعرية وكانت جريدة "المفيد" لصاحبها المرحوم إبراهيم حلمي العمر تنشر لي هذه الأخبار والنتف تلطفا منها وتشجيعا وما لبت ان وضعت رسالة موجزة بعنوان: (المعلومات المدنية لطلاب المدارس العراقية) استعنت بما يتيسر لدي من الكتب المدرسية المشابهة.
وكان لأستاذ التاريخ في "دار المعلمين" العالم الاثاري المغفور له عبد اللطيف الفلاحي مطبعة معروفة في بغداد اسمها (مطبعة الفلاح) فراجعته لطبع هذه الرسالة وإذا به يشجعني على المضي في التتبع المفيد ويتبرع بكلفة الطبع متى يسرت له الورق وكان عدد ما يطبع من الكتب يومئذ لا يتجاوز الخمسمائة نسخة عدا شأن الصحف الأدبية والمجلات يوم ذاك فكان من الطبيعي ان أهيئ الورق لرسالة لا يتجاوز عدد صفحاتها 56 صفحة بقطع لاثمن.
وهكذا أصبحت مؤلفا معروفا وتتابعت مؤلفاتي حتى تجاوزت الثلاثين كما كنت وأنا طالب في دار المعلمين اكتب في الجرائد الوطنية واشتغل في الأمور السياسية فلما تخرجت من هذه الدار انصرفت للصافة انصرافا كليا حتى عينت مديرا لإدارة جريدة (المفيد) ومندوبا متجولا لها وقد طفت العراق من شماله الى جنوبه بهذه الصفة ووضعت رحلتي المشهورة ( رحلة في العراق او خاطرات الحسني) التي طبعت ثلاث طبعات ولما الغت الحكومة امتياز جريدة المفيد انشأت جريدة ادبية تاريخية أسبوعية باسم (الفضيلة) وقد برز عددها الاول في الاول من ايلول (سبتمبر) عام 1925 ثم صارت تصدر أكثر من عامين وهي مدة قلما عاشتها جريدة أدبية في هاتيك الأيام المظلمة.
ويضيف عبد الرزاق الحسيني قائلا: ويشاء الطالع ان ينتقل الوالد الى الرفيق الأعلى وان استعين بما تركه لي من مال فابتاع مطبعة خاصة وانتقل الى مدينة الحلة لأصدر جريدة علمية أدبية تاريخية باسم (الفيحاء) وقد صدر عددها الاول في 27 كانون الثاني (يناير) عام 1927 ويقول الحسني ان العلامة الشيخ عبد الكريم الماشطة بنشر تراجم علماء الحلة وفقهائها في القرن السادس للهجرة في جريدتي (الفيحاء) تباعا وقد فسرت بعض الجهات المتعصبة هذه التراجم تفسيرا بعيدا عن الحق فسحبت امتياز الجريدة وصادرت المطبعة.
ويضيف الحسني بالقول: وتلقيت رسالة من (سكرتير المعتمد السامي البريطاني) في بغداد يطلب إلي فيها التوجه الى بغداد ومقابلة محمد حسين خان النواب في دار المندوبية وشعرت يوم تمت هذه المقابلة ان هنالك رغبة ملحة في استغلال قضيتي للدس والكيد لحكومتي.
وكان لي علاقة صحفية بالمغفور له جعفر باشا العسكري منذ عام 1923 وكان العسكري يشغل آنذاك رئاسة الوزارة في عام 1972 للمرة الثانية فنقلت إليه موضوع سحب امتياز جريدتي ومصادرة مطبعتي ومحاولة استغلال قضيتي فأمر رحمه الله بإعادة المطبعة إلي فورا وطلب الى الزعيم الخالد ياسين باشا الهاشمي ان يبحث عن وظيفة مناسبة لي في ديوان وزارته فعينت معاونا لمحاسب وزارة المالية فمديرا لخزينة بغداد فمديرا لحسابات مديرية الري العامة ومنها نقلت الى مثل وظيفتي في (مديرية البرقو البريد العامة) وحتى إذا أعلنت الحرب العالمية الثانية في 3 أيلول (سبتمبر) 1939 وحدت الاصطدام المسلح بين الجيشين:
العراقي والبريطاني في 2 مايس ( أيار ) 1941 (فيما عرف بحركة رشيد عالي الكيلاني) فصلت من الخدمة لمدة خمس سنوات وأبعدت الى المعتقل (الفاو) أقصى جنوب العراق ثم الى (معتقل العمارة) قضيت في المعتقلات اربع سنوات كتبت خلالها كتابي (تاريخ العراق السياسي) بأجزائه الثلاثة وهو الكتاب الذي نال جائزة (المجمع العلمي العراقي) لأحسن كتاب قدم في عام 1949 وطبع ست طبعات.
عدت الى الخدمة في الحكومة بع خروجي من المعتقل وانتهاء مدة فصلي القانونية كما عاد غيري من الضباط والوزراء والمتصرفين والمدرسين وغيرهم الى وظائفهم ثم ندبت للعمل في (ديوان مجلس الوزراء) وفي هذا الصدد يذكر عبد الرزاق الحسني ان نوري السعيد (رئيسٍ الوزراء )
كان مسؤولا عن زج أكثر من ألف شخص في السجون والمعتقلات في أعقاب الحرب العراقية البريطانية التي اندلعت في أيار 1941 فلما انتصر الحلفاء على دول المحور في نهاية الحرب العالمية الثانية العام 1945 اراد نوري ان يخفف عن المعتقلين آلامهم وينسيهم مالاقوه من ضروب المحن فصار ينعم عليهم بأساليبه الخاصة كمنح الموظف درجتين أعلى وإعطاء تعهدات حكومية الى بعض المقربين ومصاهرة البعض الآخر..
وفي شباط العام 1949 استدعى نوري السعيد عبد الرزاق الحسني وقال له : (بلغني انك تنفق قسما من راتبك في إفساد ضمائر بعض الموظفين بغية الحصول على بعض الوثائق لكتبك التي تؤلفها وعليه قررت نقلك الى ديوان مجلس الوزراء لتبحث عما تريد!! ثم أمر بان توضع تحت تصرفي أوراق القضية الفلسطينية لكنه اسر الى رئيس الديوان (نوري القاضي) ان يمكنني من الاطلاع على ما أريد وهكذا منذ شباط 1949 عهد إلي تنظيم سجلات خاصة بتاريخ الدولة على نمط المؤسسة العثمانية (وقعي نويس) وقد قضيت في هذا الديوان اربع عشرة سنة استفدت خلالها فوائد تاريخية جليلة وكانت من اسعد ايام حياتي في الوظائف الحكومية فتعاقب على رئاسة الوزراء في بحر هذه السنوات السادة: نوري السعيد، مزاحم الباجه جي، علي جودة الايوبي، توفيق السويدي، مصطفى العمري، نور الدين محمود، جميل المدفعي، فاضل الجمالي، ارشد العمري، عبد الوهاب مرجان، احمد مختار بابان، عبد الكريم قاسم، واحمد حسن البكر فلم يتدخل احد منهم في عملي ولم يمسسني سوء من واحد منهم حتى أحلت نفسي على التقاعد في أواخر عام 1964.
وعن مقالاته المنشورة يحدثنا عبد الرزاق الحسني فيقول:
نشرت عددا كبيرا من المقالات البلدانية، والتاريخية، والأدبية في معظم المجلات العراقية المعتبرة كالزنبقة والتلميذ ودار المعلمين والمرشد ولغة العرب والنشء الجديد (وهذه كلها تصدر في بغداد) والاعتدال والعربي والبيان (وكانت تصدر في النجف) وفي مجلة النجم الموصلية والهدى التي كانت تصدر في العمارة وفي غيرها.
كما نشرت في الهلال، والعصور، والكتاب، ورسالة الاسلام (الحصريات) والعرفان والعروبة والمكشوف ( اللبنانية ) والحديث ( الحلبية ) و... الخ
واني لمدين لمجلة ( العرفان) الصيداوية لانها كانت تنشر لي عشرات المقالات المنوعة كما ان ( مطبعة العرفان ) تولت طبع كتبي كلها تقريبا فلولا ( العرفان ) ولو لا رعاية صاحب العرفان الشيخ احمد عارف الزين لما كنت ولا كان اسمي ولا ابصرت مؤلفاتي العديدة النور وهذه حقيقة اذكرها ما حييت حياتي الكتابية.
ويضيف الحسني في إعطاء صورة واضحة عن حياته الكتابية، فيقول: وكاتبت جماعة من فطاحل الاستشراق كالدكتور هـ. رير، وف. كرنكو، وي. شخت، وهو تسما، ودنلوب، وجب، ولويس ما سينيون، وجاك بيرك، وكراتشوفسكي، وغفوروف، وف. كوتلوف، وبيتر، وغيرهم، ومازلت احتفظ برسائل كثيرة من هؤلاء.
كما راسلت جمعا من العلماء العرب امثال: الامير شكيب ارسلان، وشيخ العروبة احمد زكي باشا، واحمد تيمور باشا، واسعاف النشاشيبي، وامين الريحاني،
ومشايخ جبل عامل: الشيخ احمد عارف الزين، واحمد رضا، وسليمان الظاهر، ومحمد كرد علي، والاب استاس ماري الكرملي، ومحمد الفاسي، وسلامة موسى، وعباس العقاد وغيرهم.
كما توليت كتابة مذكرات رئيسي الوزراء الاسبقين: علي حودة الايوبي، وناجي شوكت، واشرفت على اعداد مذكرات الوزراء: عبد العزيز القصاب وطه الهاشمي وتحسين العسكري. اما مذكرات اللواء الركن ابراهيم الراوي فقد جاء اسهامي فيها ما يلي :-
((واخص بالذكر صديقي الأستاذ عبد الرزاق الحسني الذي بذل جهدا محمودا وسعيا مبرورا، في ملاحظة مواد المذكرات والتثبت من الفصول وصحة التواريخ، ونحو ذلك حتى انه صحبني الى لبنان للإشراف على طبع الكتاب ولولا هذه الجهود وملاحقاته وإلحاحه لما يتسر للكتاب ان يبصر النور)).
اما عن سفراته فيذكر الحسني انه سافر
الى (سوريا) و (لبنان) و(فلسطين) و (الأردن) و (مصر) و (تركية) و (إيران) فضلا عن إمارات الخليج العربي، كما سافرت الى اليونان، والنمسا، وسويسرا، وألمانيا، والدنمارك، والسويد، والنرويج، وبريطانيا، وفرنسا، واسبانيا، وايطاليا، وهولندا، وبلجيكا،
وقد ندبت لحضور مؤتمر المستشرفين الخامس والعشرين، الذي انعقد في موسكو عام 1960 م، وانتهزت الفرصة فزرت وباكو، ومدنا سوفيتية أخرى، وعرجت على جيكوسلوفاكيا وبولونيا وغيرها من الدول الاشتراكية في أوربا الشرقية.
آثار الحسني المطبوعة
صدر لشيخ المؤرخين (29) مؤلفا في التاريخ والسياسة وأطياف الشعب العراقي والصحافة والأغاني والرواية، وهي:
1- تاريخ الوزارات العراقية / عشرة أجزاء..
2- الأصول الرسمية لتاريخ الوزارات العراقية..
3- تاريخ العراق السياسي / ثلاثة أجزاء..
4- العراق بين دوري الاحتلال والانتداب..
5- الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية..
6- الثورة العراقية الكبرى (1920)..
7- العراق في ظل المعاهدات..
8- العراق قديما وحديثا..
9- الإيزيديون في حاضرهم وماضيهم..
10- البابليون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم..
11- الصابئة في حاضرهم وماضيهم..
12- تاريخ الصحافة العراقية..
13- الأغاني الشعبية..
14- تعريف الشيعة..
15- الخوارج في الإسلام..
16- الصابئة قديما وحديثا..
17- عبدة الشيطان في العراق..
18- رحلة في العراق أو خاطرات الحسني..
19- البابليون في التاريخ..
20- الجبهة الوطنية في العراق.. جذورها التاريخية وتطورها..
21- تاريخ الثورة العراقية..
22- موجز تاريخ البلدان العراقية..
23- تسخير كربلاء في واقعة محمد نجيب في عام 1258 هـ 1842م..
24- المعلومات المدنية لطلاب المدارس العراقية.
25- تحت ظل المشانق / ثلاثة أجزاء.
26- ثورة النجف بعد مقتل حاكمها كابتن مارشال.
27- أسرار الانقلاب (بكر صدقي).
28- تاريخ الأحزاب السياسية في العراق.
29- المراقد المقدسة في العراق.
نهاية المطاف
• حصل الحسني على جوائز تقديرية وتكريم، منها: جائزة المجمع العلمي العراقي لأحسن كتاب صدر العام 1949 ((وهو كتاب تاريخ العراق السياسي)).
• وسام المؤرخ العربي: من اتحاد المؤرخين العرب.
• تبرع بمكتبته الخاصة التي تضم آلاف الكتب والمجلدات والوثائق والمخطوطات التي لا تقدر بثمن الى دار الكتب العراقية، وقد كرمته الحكومة العراقية خلال مرضه في الايام الاخيرة من حياته، توقف قلب شيخ المؤرخين بوم 24 تشرين الثاني العام 1997 عن عمر ناهز الرابعة والتسعين عاما تاركا للأجيال آثارا علمية تشكل كنز العراق وجزء من تاريخه، فقد تبرع الحسني رحمه الله، في أواخر أيامه، بمكتبته الضخمة التي تحوي آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق الى المكتبة الوطنية العراقية لتكون في خدمة الباحثين والمستفيدين.