علامة العراق وشيخ بغداد الدكتور حسين محفوظ
يعد الدكتور حسين علي محفوظ واحداً من اهم اعمدة الثقافة والمعرفة وأحد رواد الفكر واللغة والادب والشعر ليس في العراق فحسب،بل في العالم العربي والاسلامي ممن مازالوا على قيد الحياة،فهو علامة العراق وشيخ بغداد واستاذ الاجيال...
ومن دون شك اللقاء معه يحتاج الى صفحات عديدة وزمن لايمكن اختصارة بسويعات، فهو الانسان والاديب واللغوي والشاعر والعلامة والموسوعي
فما كان مني الا ان ابدأ خطوتي الاولى في هذا السفر الرائع في رحلة حوارية مع هذا العلامة الكبير والتي كانت فرصة نادرة للتعرف على بعض ماتكتنزه ذاكرته الثرية من معلومات وتفاصيل في شتى المجالات في محاولة جادة للحصول على مايثير اهتمام القراء والباحثين والمهتمين بشؤون المعرفة والثقافة اضافة الى كون اللقاء به فرصة سانحة للاطلاع على الكثير من الاحداث المهمة والمواقف والذكريات الاثيرة الى نفسه والتي حرصنا على توثيقها عبر هذا الحوار.
ولد الاستاذ الدكتور حسين علي محفوظ عام 1926 في مدينة الكاظمية ببغداد في اسرة ينتهي نسبها الى شمس الدين محفوظ بن وشاح محمد الاسدي الحلي وكان من علماء الأمة ورجالات العراق في القرن السابع للهجرة وهو ينتسب الى بني أسد بن خزيمة ويعتبر من اعلام العراق في عصره ومن رجالات الادب والدين ومن اكابر الشعراء في تلك الايام وهو من بني عمر وعمومة بني مزيد الأسديين الذين مصروا الحلة وبنوها وال محفوظ من البيوتات العربية القديمة التي كانت في الحلة حتى اواسط القرن الثامن فانتقلت الى لبنان،ثم عاد جدهم الشيخ حسين محفوظ الى العراق سنة 1768 م فسكن الكاظمية في محلة التل وهي محلة العلماء والسادات والاشراف والبيوتات العلمية المعروفة.
أين يرى العلامة محفوظ نفسه؟
* عرف عنكم الموسوعية في العلوم والاداب واللغة والشعر والمعرفة،فأين يرى العلامة محفوظ نفسه في كل هذه المعارف؟
- الموسوعية هي من خصائص علمائنا والتراث،لقد كان جابر بن حيان موسوعياً،ألف بضعة الاف كتاب وكان الكندي كذلك موسوعياًوالف سبعة عشر باباً من ابواب المعرفة وكان الرازي موسوعياً وقد ألف 281 كتاباً في مختلف فنون العلم والمعرفة. والفارابي ايضاً كان موسوعياً ومن كبار العلماء وألف كتباً كثيرة وتعد كتبه من الكتب المهمة في مختلف مجالات المعرفة. ثم جاء بعده ابن سينا وهكذا هي سيرة علمائنا،وانا با عتباري من بيت علم عربي عراقي قديم.وهذا هومنهج ابائنا،فانهم لم يكونوا مختصين بعلم واحد على ان القدماء كانوا يقولون غلبت كل ذي فن وغلبني ذو فن واحد وهذا مايشير الى معرفتهم بضرورة الاختصاص وحقيقة الامر فان المكتبة التي نشأت في احضانها في بيتنا الذي ولدت فيه والمدينة التي هي الكاظمية وهي من مدن العلم المهمة في العراق. كلها هيأتني لأن الم ببعض المعارف واهتم بكل المعارف والفنون.
مستقبل الثقافة
* كيف يرى الدكتور حسين محفوظ مستقبل الثقافة بشكل عام في العراق وما هي قراءتكم المستقبلية لها في ظل المتغيرات والاحداث السياسية والثقافية والاجتماعية وفي كل الاتجاهات في سوى الادب او الشعر او اللغة او العلوم المعرفية؟.
- اود ان اشير هنا لا لأني احب العراق،ولكن العراق هو مهد الحضارة وبدأ التاريخ ونهضة الانسان وتحت كل شبر منه مدينة ومدنية وفوق كل شبر حاضرة وحضارة وتراث العراق اكبر من ان نحيط به وأجل من ان نشير اليه وان ستين قرناً من عمر الحضارة هي البعد الذي اراه الى مستقبل الحضارة.
وانا ارى في كل خلاف خلافاً واختلافاً هو في حقيقته وفاقاً وهذه هي قاعدتي في الحياة والان هناك من اطلق تسمية حوار الحضارات او حوار الافكار وهذا مالا اخشا ه ولا اخشى على مستقبل العراق الثقافي منه ولا على الحضارة وعلى العلم فيه ومستقبلها كماضيها.
* أي احداث ثقافية او علمية محلية او عربية او عالمية مرت بك وتوقفت عندها؟
- هناك الكثير من الاحداث التي مرت بي وانا في العادة لا اهتم بالاشارة الى شيء معين لانه قد يفوتني ماهو اهم منه ولهذا كل الاحداث تمر بي وهي واحدة عندي سواء في العراق او في الوطن العربي او حتى في العالم فكلها تستوقفني، انا تفكيري، تفكير مكعبات، اعماق،وهذا الذي يتعبني كثيراً وانا لاافكر بالشيء كصورة مجردة انما ارى الاشياء بعمقها لهذا تتساوى عندي من حيث المظهر.
المجمع العلمي والموقف من محفوظ
* سألته عن موقفه من المجمع العلمي العراقي الذي لم ينضم الدكتور محفوظ الى عضويته حتى الآن رغم المكانة الكبيرة التي يتميز بها العالم الجليل في مختلف اتجاهات العلم والمعرفة،فأجابني محاولاً اخفاء امتعاضه من هذا الموضوع قائلاً:
- بالنسبة للمجمع العلمي لا احب ان أتذكره او ان أشير اليه،ولكني ادعو لاهله ولرجاله بان يوفقهم الله لخدمة المعرفة،وانا لا أريد ان اطيل الوقوف عندة لانة يمثل عنده كيفية الحالات،رغم ان بعض الصحف نقلت عني شيئاً لم اقله بانني اطالب بعضوية المجمع ولم أشر اليها ولا اريدها، وانا الان ذربت على الثمانين فاذا نسيني المجمع او فاته ان يستفيد مني وينتفع بي فحسبي ماكتبته في رسالة احتفظ بها ضمن اوراقي الخاصة مفادها يقول :اذا نسي الطبري مؤرخاً والمتنبي شاعراً وكبار رجال المعرفة،يمكن أن ينسى حسين محفوظ.
ومن الجدير بالذكر ان نشير هنا الى ان عمل العلامة محفوظ المجمعي يعود لما ذكر لنا الى سنة 1952،عندما انتخب لاول مرة عضواً في الهيئة الادبية في احدى المجامع العلمية المهمة في الشرق وفي سنة 1956 انتخب عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية في القاهرة ثم بعدها في مجمع اللغة العربية في دمشق وكذلك في المجمع العلمي الهندي وايضاً في سنة 1954 انتخب عضواً في الجمعية الآسيوية الملكية في لندن.وقد احتفلت هذه الجمعية به واستدعت نجله لينوب عنه بحضور هذا الاحتفال الذي اقيم بمناسبة مرور خمسين عاماً على انتسابه لها وعضويته فيها.
رسالة من المالكي
* ماذا تعني رسالة رئيس الوزراء الدكتور نوري المالكي والتي بعثها موخراً لكم.وهل هي في اتجاه رعاية الدولة للمفكرين والعلماء.وهل ترى ان هناك من انصفك من الحكومات السابقة ؟
- رغم انها تصب في هذا الاتجاه الذي قلته فانا ولله الحمد كنت محترماً في كل العصور والازمنة.اما ان اعطى حقي فاني لم اطالب بشيء حتى اعطى.ورسالة المالكي هي رسالة وفاء من تلميذ نجيب الى استاذ يعتز كثيراً بالوفاء وكذلك الالتفاتة الكريمة لرئيس الجمهورية السيد جلال طالباني بان بعث الي من ينوب عنه في السؤال عني ويتفقد شؤوني وهذا كله اعتبره من باب تقييم اهل العلم وتقدير رجالات المعرفة وهي رسالة واضحة.كما زارني مع الاعتزاز بذلك باعتباري شيخ بغداد الدكتور صابر العيساوي امين بغداد وايضاً السيد وزير البلديات والاسكان وهذا فضل كبير ولطف لا انساه.
أدب السيرة الذاتية ورواية الحديث
* ماذا يعني عندكم ادب السيرة الذاتية للمفكر او العالم والمعرفي.وماذا عن علم رواية الحديث وانتم قد اجزتم فطاحل العلماء المعروفين للرواية عنكم.
-هنالك فروق بين ادب السيرة وهي كتابة السيرة الذاتية او كتابة سير الآخرين وهذا موضوع مهم جداً في ان يكتب الانسان سيرتهم الذاتية وهذا اهم لانه اعرف من غيره بنفسه ولكن في كتابة السيرة الذاتية انا اعتقد ان الانسان اما ان يختال فخوراً بعيدا عن واقعه اوان يظلم نفسة تواضعاً.وهذا الذي نخشاه من كتابة السيرة الذاتية. رغم ان هذا الامر جميل جداً وفيه من الفوائد مالايوجد في غيره.اما بخصوص رواية الحديث واجازة العلماء بذلك فقد اهتممت بهذا الامر لانها طريقة علمائنا في تلقي المعرفة وتسمى انحاء تحمل العلم وهي السماع والقراءة والعرض والاجازة والمصافحة ولكل معنى،وان انحاء تحمل الحديث وتحمل المعرفة سبعة احدها الاجازة.والاجازة هي ان يروي الشخص عن غيره ماعنده من العلوم او ماعنده من الكتب التي يرويها عن مشايخه وهنالك رواية الاقران وهي ان يروي الانسان عن نظيره ومثله وقرينه وهنالك رواية الاكابر عن الاصاغر وهي ان يروي الكبير عن الصغير لانه عند الصغير سند لايوجد عند الكبير ومن الطبيعي في رواية الاصاغر عن الاكابر هي ان يروي الشخص عماً هو فوقه.
المازني وزيارته الى العراق
* نرجو ان تحدثونا عن واقعة حصلت لكم خلال زيارة المازني الى العراق.
-خلال زيارة قام بها المازني الى العراق وانا كنت حينها طالباًفي دار المعلمين العالية وقد حييته بقصيدة ارتجالية قلت في بعض ابياتها..
لافض فوك فقد امطرتنا غرراً
تزين عاطل جيد القول بالدرر
فأنبرى احد زملائي من طلبة الدار بصوت عال قائلاً:
( لافض فوك ولاوظفوك).فكانت هذه العبارة قد وافقت القدر فرغم انني خريج الدار بدرجة الامتياز والاولية على جميع اقسام دار المعلمين العالية فقد تأخر تعييني عن زملائي باني عينت خارج بغداد رغم استحقاقي ان اكون معيداً في نفس الدار.
• اما عن موضوع اهتمام الدولة بان تطلق اسماء المبدعين من العلماء والمفكرين العراقيين على معالم حضارية او مؤسسات علمية وثقافية معينة مثل ما يحصل في دول اخرى في الوطن العربي والعالم.
- حينما زارني بعض المسؤولين من خمس جهات رسمية حول تسمية محلات وشوارع وامكنة بغداد،اقترحت عددأ من المقترحات بهذا الخصوص من بينها ان تكون التسمية اولا من داخل بغداد ثم من العراق ثم من الوطن العربي والاسلامي يأتي بعدها بقية دول العالم الاخرى بشكل عام حتى تكون مدينة بغداد متصلة بهذه الدوائر الخمسة وتكون الاسماء لها صلة ببغداد،فمثلاً ان يكون اسم لمؤرخ أرخ تاريخ بغداد وهذا ما يجري في العالم بان تسمى اماكن معينة باسماء علماء ورجال كبار في الاختراع والمعرفة.
كما اقترحت ان توضع اشارات ولوحات في كل مدينة من هذه المدن كتعريف بها ولكي يتعرف الداخل اليها على شيء من تاريخها وتفاصيل عنها وان لي راياً قد يكون مخالفاً لاراء الآثاريين الذي ينص على ان عمر الحضارة هوستون قرناً بل هي اضعاف ذلك في العراق خاصةًً
الكاظمية أخت بغداد
* ماذا تعني لكم مدينة الكاظمية التي ولدتم فيها ومدينة بغداد بالذات بحجمها وتأريخها.
- الكاظمية في حقيقة الأمر هي أخت بغداد وخدن بغداد وقرينة بغداد.فهي قامت حين قامت بغداد.يعني ان تاريخهما مشترك وقد احتفلنا في منتدى بغداد الثقافي بذكرى مرور 1200 عام على مدينة الكاظمية والتي عاصرت الادوار التاريخية فسميت (قسوت قتربل ) ثم بعد ذلك سميت بمقابر قريش ثم مشهد الكاظم ثم مشهد الكاظم والجواد ثم مشهد الكاظمين ثم الكاظمين ثم الكاظمية.وهي مدينة علم وادب وزيارة وتجارةً وزراعة وصناعة وفلاحة وانا اعتز بانتسابي اليها وقد احصيت من اسماء بيوتاتها العلمية بما يزيد على (60) بيتاً في تاريخها الطويل اضافة الى العدد الكبير من اعلام العلماء والادباء وفي تلك الايام كانت عامرة بخزائن الكتب وبالمدارس ويجب ان تذكر حينما تذكر بغداد.اضافة الى انها كانت مثوى لكثير من رجالات الاسلام ورجالات الامة واكابر اهل العلم وهي تعد من المراكز المهمة في التقريب والدعوة الى الاخوة وقد كان الناصر لدين الله في اوائل القرن السابع كان يدرس فيها ويلتقي علماء الامة على اختلاف مذاهبهم.وقد اختار هذا الرجل نقيب مدينة الكاظمية لحمل الهدايا الى صلاح الدين الايوبي تعبيراً عن الاعتزاز والتقدير له اضافة الى المؤونة والسلاح بعد دخولة مدينة القدس ومن الاحداث المهمة في تاريخ هذه المدينة ان الكاظمية تحتضن مقر اول فوج للجيش العراقي بعد تأسيسه في عشرينات القرن الماضي وهو خان الكابولي،اضافة الى خط التراموايا الذي يعتبر من الظواهر العمرانية والحضارية وأسس بين الكاظمية وبغداد.كما توج الملك فيصل الاول في احد بيوتات عائلة الجواهري وهي من الأسر المعروفة في الكاظمية وهواول تتويج له سبق تتويجه في القشلة ولعل منهم آخر صناع السيوف فيها وهو المرحوم عبود الجواهري.وقلد الملك فيصل الاول سيفاً رائعاً في الصحن الكاظمي بعد تتويجه في بيت الجواهري وقد قلده السيف السيد محمد الصدر ومن الامور المهمة ايضاً في ذلك التاريخ ان السيد جمال الدين الافغاني نزل في الكاظمية واسس اول مدرسة حديثة في العراق باسم مدرسة الاخوة كدليل على الاخوة بين المسلمين والعرب وكان انذاك يزور السيد عبد المحسن الكاظمي وتلقى منه الكثير من مبادئه الاصلاحية.
واشار العلامة الدكتور محفوظ الى اهمية ان يعاود منتدى بغداد الثقافي الذي تشرف عليه امانة بغداد والذي كان مقره في الكاظمية وتوقف نشاطه نتيجة الظروف الامنية وحالة عدم الاستقرار التي يمر بها البلد موكداً على ان هذا المنتدى يعد من الواجهات الثقافية والحضارية في هذه المدينة وفي مدينة بغداد بشكل عام.
* اما عن علاقته بمن عاصروه من العلماء والمفكرين والادباء امثال الدكتور علي الوردي وحسين امين ومصطفى جواد والحسني والحنفي والغبان فيقول:
- انا اعتز كثيراً بهذه الصحبة واعتبرها من الارزاق التي انعم الله بها علي كما اعتز كثيراً بصحبة الشيخ محمد رضا الشبيبي رحمه الله وكنت اتمنى ان اتتلمذ على يديه فهو شيخي واستاذي وله من الفضل الكبير علي وكنت احرص على حضور مجالسه الادبية التي كان يلتقي فيها رجالات العلم والمعرفة والسياسة وفي كل يوم جمعة.وهو الذي رشحني لعضوية مجمع اللغة العربية في القاهرة في ايام احمد لطفي السيد والدكتور طه حسين واحمد مدكور وان كنت الان لااعرف من تولى الان رئاسة هذا المجمع وعلى ذكر الدكتور علي الوردي رحمه الله فقد تتلمذت على يديه عندما كنت طالباً في الثانوية المركزية بعد عودته من امريكا حيث درسنا ذلك الوقت احوال العراق الاجتماعية وانا اعتز بصلة القرابة به فهو ابن عم والدتي فكان لتواضعه يعدني صديقاً وليس تلميذاً ولكني اعتز به لكونه استاذي.
اما الشاعر والاخ محمد جواد الغبان فلا ادري مااقول فيه فقد اولاني من الفضل ما اعجز عن وصفه في مجلسه وفي تكريمي في وزارة الثقافة ما لا استطيع من الوفاء به ولعل الصمت هنا ابلغ من الكلام مما يقال في هذا المجال وكذلك المرحوم العلامة الشيخ جلال الحنفي الذي اثنى علي بقصيدة رائعة ونفيسة من شعره والاستاذ الدكتور حسين امين ايضاًهو زميل عزيز من زملائي الفضلاء وهو الان كاستاذ في جامعة الاسكندرية في مصر وهناك ايضا الكثير ممن تتلمذت عليهم او التقيتهم.واخص بالذكر هنا العلامة الدكتور مصطفى جواد الذي تتلمذت عليه ثمانية اسابيع في دار المعلمين العالية وانا كنت من مقلديه ثم صارت لي طريقتي في البحث والتي تعتبر خلاصة آراء من لاقيتهم ومن سمعت بهم واطلعت على آرائهم في التحقيق وفي المعرفة والعلم وفي التاليف والبحث.
وهناك الكثير ممن تتلمذوا لدينا وممن اعتز بهم وانهم الان يمثلون اهم من يعتز بهم العراق من الاكاديميين والجامعيين الذين يتواصلون معي الى الان وكذلك اعتز باني خرجت من المثقفين وهم اكثر من خمسين جيلاً من رجال العلم والمعرفة في العراق وايضاً اعتز بكوني لقبت باستاذ المستشرقين كما لقبتني جامعة لينين غراد وهي بطرس بورغ الحالية التي درست فيها وتلامذتي الان من كبار رجال الاستشراق في العالم وهم ليسوا من الاتحاد السوفيتي فقط بل من دول أخرى.
* اروع ما قرأت واجمل ماكتبت؟
- لقد قرأت الكثير ولكن ليس اعظم من كتاب الله والحديث النبوي الشريف ونهج البلاغة وكتب العظام الذين انحني اجلالاً اذا ذكرتهم واستحي ان اعد من المؤلفين اذا تذكرت مؤلفاتهم وانا اتمنى ان يعطيني احد المؤلفين الاقدمين سطراً من اعماله لاهدي اليه كل مؤلفاتي وما انا الاقطرة من غمام.
• اما عن عدد المؤلفات التي انجزها الدكتور في مختلف الاتجاهات فذكر لنا..ان مجموع اعماله المنشورة بين كتاب ورسالة ودراسة وبحث هو اكثر من 1500 مؤلف وقد دعته جريدة الاهرام في مصر عام 1990 لمناسبة بلوغ اعمالة المنشورة الالف.
• وهنا عرضت عليه صورة قديمة احتفظ بها تجمعه بعملاقين من عمالقة الفكر وهما عبد الرزاق الحسني وكوركيس عواد التقطت لهما في مطار موسكو وطلبت منه التعليق عليها فقال :
• لقد دعينا عام 1960 لفهرسة المخطوطات العربية في الاتحاد السوفيتي يوم ذاك وكان ينعقد في تلك الايام مؤتمر المستشرقين الخامس والعشرين حيث حضرا معي الاستاذين الفاضلين عبد الرزاق الحسني وكوركيس عواد واضاف الدكتور محفوظ قائلاُ:
• اود ان اشير الى انني اقترحت في عام 1950 الذكريات الالفية والمئوية والآلافية اي مما يزيد عن الف سنة واليوبيلية والالماسية والذهبية والفضية واقترحت من جملة الاشياء الاخرى الفية بغداد والكندي والفية البصرة والفية الكوفة والفية الطبري والفية الشيخ المفيد والفية الفارابي وتم تنفيذها بناء على ذلك.
الدكتور محفوظ وتوفيق الحكيم
* وذكر الدكتور محفوظ حادثة مرت به خلال زيارة الى القاهرة كانت عميقة في معناها كبيرة في دلائلها حيث قال :
-في السبعينات كانت هناك للمجمعيين في مؤتمر المجمع في القاهرة زيارتان واحدة في داخل القاهرة واخرى في خارجها اما في داخل القاهرة فكانت الزيارة لمؤسسة الاهرام حيث زرنا الكاتب الكبير توفيق الحكيم في مكتبه.وفي التسعينات عندما دعتني الاهرام لزيارة القاهرة بمناسبة بلوغ مجموع اعمالي المنشورة الالف.دعوني ايضاً لزيارة غرفة توفيق الحكيم بعد وفاته،فكان يشغلها في تلك الايام الكاتب الكبير نجيب محفوظ وحينما ذهبت الى الغرفة لم يكن الاستاذ نجيب محفوظ فيها وانما لحظت وجود كرسيين ومنضدة فقالوا هل تعرف هذا الكرسي الاضافي لمن فقلت حتماً لمن يزور الاستاذ نجيب محفوظ فقالوا لا وانما هذا الكرسي هو لنجيب محفوظ لانه يستحي ان يجلس على كرسي توفيق الحكيم احتراما ووفاء له وقد اخبرهم بان لا يجلس احد على كرسي الحكيم الا هو.
وحينما بلغني ان الاستاذ جلال طالباني كان قد بعث من يتفقد نجيب محفوظ هزني هذا الموقف فكتبت رسالة الى الاستاذ الفاضل جلال طالباني اقول فيها اتمنى ان نقدر بعضنا كما يقدر اهل مصر بعضهم لبعض كما فعل نجيب محفوظ مع توفيق الحكيم واتمنى ان ينال المثقفون عندنا من التقدير والاعتزاز بما يستحقون وان نهتم بالعالم والمؤلف والعبقري العراقي والشخصية العراقية اولاً وعلى اثرها ارسل الي من يزورني نيابة عنه فقد جاءني مشكوراً الاستاذ جلال الماشطة وأخ آخر رافقه لتفقد احوالي بأمر من الاستاذ الفاضل جلال طالباني ويبلغني تحيات واعتزاز رئيس الجمهورية بي وهذا موقف كبير لا انساه واعتبره هو اهتمام بالعالم العراقي وتطبيق عملي لما طلبته من تقدير لرجال العلم والادب والمعرفة والفن.
* سألته ان يوجز لي بكلمات قلائل ما تعنيه عندة هذه الاشياء الحب والدين والانسان والتاريخ.
- الحب اجمل مانعطي واجمل مانأخذ والدين هو الحب والحب هو الدين والانسان بنيان الله ملعون من هدمه.اما التاريخ كحصيلة فهو مرآة الزمان وقد كثر فيه الكذب والزور واختلط فيه الحق بالباطل ولهذا على المؤرخ ان يكون مخلصاً ودقيقاً وصادقاً وأميناً في نقل الحقيقة. ثم قرأ لي مقاطع شعرية كان قد نظمها الدكتور بحق مؤسسة المدى وتقديراً لمبادرتها لرعاية العلماء والادباء والفنانين يقول فيها :
سقى الربيع ابــــــــــــــدا
دار جريدة المـــــــــــــــدى
وجادها الغيث اذاالــــــــــ
غيث همى مــــــــــــــــرددا
يعرف اهــــل الفضل اهـــ
ل الفضل حقــــــــــــــاً ابدا
دامت جريدة المــــــــدى
مرفوعة مدى المـــــــــدى
والشكر للمدى علـــــــى
الطافهـــــــــا مؤكــــــــــدا
ينهــــــــل في دارتهــــــا
كانه قطـــــــــــــــر نـــدى
ومن دون شك اللقاء معه يحتاج الى صفحات عديدة وزمن لايمكن اختصارة بسويعات، فهو الانسان والاديب واللغوي والشاعر والعلامة والموسوعي
فما كان مني الا ان ابدأ خطوتي الاولى في هذا السفر الرائع في رحلة حوارية مع هذا العلامة الكبير والتي كانت فرصة نادرة للتعرف على بعض ماتكتنزه ذاكرته الثرية من معلومات وتفاصيل في شتى المجالات في محاولة جادة للحصول على مايثير اهتمام القراء والباحثين والمهتمين بشؤون المعرفة والثقافة اضافة الى كون اللقاء به فرصة سانحة للاطلاع على الكثير من الاحداث المهمة والمواقف والذكريات الاثيرة الى نفسه والتي حرصنا على توثيقها عبر هذا الحوار.
ولد الاستاذ الدكتور حسين علي محفوظ عام 1926 في مدينة الكاظمية ببغداد في اسرة ينتهي نسبها الى شمس الدين محفوظ بن وشاح محمد الاسدي الحلي وكان من علماء الأمة ورجالات العراق في القرن السابع للهجرة وهو ينتسب الى بني أسد بن خزيمة ويعتبر من اعلام العراق في عصره ومن رجالات الادب والدين ومن اكابر الشعراء في تلك الايام وهو من بني عمر وعمومة بني مزيد الأسديين الذين مصروا الحلة وبنوها وال محفوظ من البيوتات العربية القديمة التي كانت في الحلة حتى اواسط القرن الثامن فانتقلت الى لبنان،ثم عاد جدهم الشيخ حسين محفوظ الى العراق سنة 1768 م فسكن الكاظمية في محلة التل وهي محلة العلماء والسادات والاشراف والبيوتات العلمية المعروفة.
أين يرى العلامة محفوظ نفسه؟
* عرف عنكم الموسوعية في العلوم والاداب واللغة والشعر والمعرفة،فأين يرى العلامة محفوظ نفسه في كل هذه المعارف؟
- الموسوعية هي من خصائص علمائنا والتراث،لقد كان جابر بن حيان موسوعياً،ألف بضعة الاف كتاب وكان الكندي كذلك موسوعياًوالف سبعة عشر باباً من ابواب المعرفة وكان الرازي موسوعياً وقد ألف 281 كتاباً في مختلف فنون العلم والمعرفة. والفارابي ايضاً كان موسوعياً ومن كبار العلماء وألف كتباً كثيرة وتعد كتبه من الكتب المهمة في مختلف مجالات المعرفة. ثم جاء بعده ابن سينا وهكذا هي سيرة علمائنا،وانا با عتباري من بيت علم عربي عراقي قديم.وهذا هومنهج ابائنا،فانهم لم يكونوا مختصين بعلم واحد على ان القدماء كانوا يقولون غلبت كل ذي فن وغلبني ذو فن واحد وهذا مايشير الى معرفتهم بضرورة الاختصاص وحقيقة الامر فان المكتبة التي نشأت في احضانها في بيتنا الذي ولدت فيه والمدينة التي هي الكاظمية وهي من مدن العلم المهمة في العراق. كلها هيأتني لأن الم ببعض المعارف واهتم بكل المعارف والفنون.
مستقبل الثقافة
* كيف يرى الدكتور حسين محفوظ مستقبل الثقافة بشكل عام في العراق وما هي قراءتكم المستقبلية لها في ظل المتغيرات والاحداث السياسية والثقافية والاجتماعية وفي كل الاتجاهات في سوى الادب او الشعر او اللغة او العلوم المعرفية؟.
- اود ان اشير هنا لا لأني احب العراق،ولكن العراق هو مهد الحضارة وبدأ التاريخ ونهضة الانسان وتحت كل شبر منه مدينة ومدنية وفوق كل شبر حاضرة وحضارة وتراث العراق اكبر من ان نحيط به وأجل من ان نشير اليه وان ستين قرناً من عمر الحضارة هي البعد الذي اراه الى مستقبل الحضارة.
وانا ارى في كل خلاف خلافاً واختلافاً هو في حقيقته وفاقاً وهذه هي قاعدتي في الحياة والان هناك من اطلق تسمية حوار الحضارات او حوار الافكار وهذا مالا اخشا ه ولا اخشى على مستقبل العراق الثقافي منه ولا على الحضارة وعلى العلم فيه ومستقبلها كماضيها.
* أي احداث ثقافية او علمية محلية او عربية او عالمية مرت بك وتوقفت عندها؟
- هناك الكثير من الاحداث التي مرت بي وانا في العادة لا اهتم بالاشارة الى شيء معين لانه قد يفوتني ماهو اهم منه ولهذا كل الاحداث تمر بي وهي واحدة عندي سواء في العراق او في الوطن العربي او حتى في العالم فكلها تستوقفني، انا تفكيري، تفكير مكعبات، اعماق،وهذا الذي يتعبني كثيراً وانا لاافكر بالشيء كصورة مجردة انما ارى الاشياء بعمقها لهذا تتساوى عندي من حيث المظهر.
المجمع العلمي والموقف من محفوظ
* سألته عن موقفه من المجمع العلمي العراقي الذي لم ينضم الدكتور محفوظ الى عضويته حتى الآن رغم المكانة الكبيرة التي يتميز بها العالم الجليل في مختلف اتجاهات العلم والمعرفة،فأجابني محاولاً اخفاء امتعاضه من هذا الموضوع قائلاً:
- بالنسبة للمجمع العلمي لا احب ان أتذكره او ان أشير اليه،ولكني ادعو لاهله ولرجاله بان يوفقهم الله لخدمة المعرفة،وانا لا أريد ان اطيل الوقوف عندة لانة يمثل عنده كيفية الحالات،رغم ان بعض الصحف نقلت عني شيئاً لم اقله بانني اطالب بعضوية المجمع ولم أشر اليها ولا اريدها، وانا الان ذربت على الثمانين فاذا نسيني المجمع او فاته ان يستفيد مني وينتفع بي فحسبي ماكتبته في رسالة احتفظ بها ضمن اوراقي الخاصة مفادها يقول :اذا نسي الطبري مؤرخاً والمتنبي شاعراً وكبار رجال المعرفة،يمكن أن ينسى حسين محفوظ.
ومن الجدير بالذكر ان نشير هنا الى ان عمل العلامة محفوظ المجمعي يعود لما ذكر لنا الى سنة 1952،عندما انتخب لاول مرة عضواً في الهيئة الادبية في احدى المجامع العلمية المهمة في الشرق وفي سنة 1956 انتخب عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية في القاهرة ثم بعدها في مجمع اللغة العربية في دمشق وكذلك في المجمع العلمي الهندي وايضاً في سنة 1954 انتخب عضواً في الجمعية الآسيوية الملكية في لندن.وقد احتفلت هذه الجمعية به واستدعت نجله لينوب عنه بحضور هذا الاحتفال الذي اقيم بمناسبة مرور خمسين عاماً على انتسابه لها وعضويته فيها.
رسالة من المالكي
* ماذا تعني رسالة رئيس الوزراء الدكتور نوري المالكي والتي بعثها موخراً لكم.وهل هي في اتجاه رعاية الدولة للمفكرين والعلماء.وهل ترى ان هناك من انصفك من الحكومات السابقة ؟
- رغم انها تصب في هذا الاتجاه الذي قلته فانا ولله الحمد كنت محترماً في كل العصور والازمنة.اما ان اعطى حقي فاني لم اطالب بشيء حتى اعطى.ورسالة المالكي هي رسالة وفاء من تلميذ نجيب الى استاذ يعتز كثيراً بالوفاء وكذلك الالتفاتة الكريمة لرئيس الجمهورية السيد جلال طالباني بان بعث الي من ينوب عنه في السؤال عني ويتفقد شؤوني وهذا كله اعتبره من باب تقييم اهل العلم وتقدير رجالات المعرفة وهي رسالة واضحة.كما زارني مع الاعتزاز بذلك باعتباري شيخ بغداد الدكتور صابر العيساوي امين بغداد وايضاً السيد وزير البلديات والاسكان وهذا فضل كبير ولطف لا انساه.
أدب السيرة الذاتية ورواية الحديث
* ماذا يعني عندكم ادب السيرة الذاتية للمفكر او العالم والمعرفي.وماذا عن علم رواية الحديث وانتم قد اجزتم فطاحل العلماء المعروفين للرواية عنكم.
-هنالك فروق بين ادب السيرة وهي كتابة السيرة الذاتية او كتابة سير الآخرين وهذا موضوع مهم جداً في ان يكتب الانسان سيرتهم الذاتية وهذا اهم لانه اعرف من غيره بنفسه ولكن في كتابة السيرة الذاتية انا اعتقد ان الانسان اما ان يختال فخوراً بعيدا عن واقعه اوان يظلم نفسة تواضعاً.وهذا الذي نخشاه من كتابة السيرة الذاتية. رغم ان هذا الامر جميل جداً وفيه من الفوائد مالايوجد في غيره.اما بخصوص رواية الحديث واجازة العلماء بذلك فقد اهتممت بهذا الامر لانها طريقة علمائنا في تلقي المعرفة وتسمى انحاء تحمل العلم وهي السماع والقراءة والعرض والاجازة والمصافحة ولكل معنى،وان انحاء تحمل الحديث وتحمل المعرفة سبعة احدها الاجازة.والاجازة هي ان يروي الشخص عن غيره ماعنده من العلوم او ماعنده من الكتب التي يرويها عن مشايخه وهنالك رواية الاقران وهي ان يروي الانسان عن نظيره ومثله وقرينه وهنالك رواية الاكابر عن الاصاغر وهي ان يروي الكبير عن الصغير لانه عند الصغير سند لايوجد عند الكبير ومن الطبيعي في رواية الاصاغر عن الاكابر هي ان يروي الشخص عماً هو فوقه.
المازني وزيارته الى العراق
* نرجو ان تحدثونا عن واقعة حصلت لكم خلال زيارة المازني الى العراق.
-خلال زيارة قام بها المازني الى العراق وانا كنت حينها طالباًفي دار المعلمين العالية وقد حييته بقصيدة ارتجالية قلت في بعض ابياتها..
لافض فوك فقد امطرتنا غرراً
تزين عاطل جيد القول بالدرر
فأنبرى احد زملائي من طلبة الدار بصوت عال قائلاً:
( لافض فوك ولاوظفوك).فكانت هذه العبارة قد وافقت القدر فرغم انني خريج الدار بدرجة الامتياز والاولية على جميع اقسام دار المعلمين العالية فقد تأخر تعييني عن زملائي باني عينت خارج بغداد رغم استحقاقي ان اكون معيداً في نفس الدار.
• اما عن موضوع اهتمام الدولة بان تطلق اسماء المبدعين من العلماء والمفكرين العراقيين على معالم حضارية او مؤسسات علمية وثقافية معينة مثل ما يحصل في دول اخرى في الوطن العربي والعالم.
- حينما زارني بعض المسؤولين من خمس جهات رسمية حول تسمية محلات وشوارع وامكنة بغداد،اقترحت عددأ من المقترحات بهذا الخصوص من بينها ان تكون التسمية اولا من داخل بغداد ثم من العراق ثم من الوطن العربي والاسلامي يأتي بعدها بقية دول العالم الاخرى بشكل عام حتى تكون مدينة بغداد متصلة بهذه الدوائر الخمسة وتكون الاسماء لها صلة ببغداد،فمثلاً ان يكون اسم لمؤرخ أرخ تاريخ بغداد وهذا ما يجري في العالم بان تسمى اماكن معينة باسماء علماء ورجال كبار في الاختراع والمعرفة.
كما اقترحت ان توضع اشارات ولوحات في كل مدينة من هذه المدن كتعريف بها ولكي يتعرف الداخل اليها على شيء من تاريخها وتفاصيل عنها وان لي راياً قد يكون مخالفاً لاراء الآثاريين الذي ينص على ان عمر الحضارة هوستون قرناً بل هي اضعاف ذلك في العراق خاصةًً
الكاظمية أخت بغداد
* ماذا تعني لكم مدينة الكاظمية التي ولدتم فيها ومدينة بغداد بالذات بحجمها وتأريخها.
- الكاظمية في حقيقة الأمر هي أخت بغداد وخدن بغداد وقرينة بغداد.فهي قامت حين قامت بغداد.يعني ان تاريخهما مشترك وقد احتفلنا في منتدى بغداد الثقافي بذكرى مرور 1200 عام على مدينة الكاظمية والتي عاصرت الادوار التاريخية فسميت (قسوت قتربل ) ثم بعد ذلك سميت بمقابر قريش ثم مشهد الكاظم ثم مشهد الكاظم والجواد ثم مشهد الكاظمين ثم الكاظمين ثم الكاظمية.وهي مدينة علم وادب وزيارة وتجارةً وزراعة وصناعة وفلاحة وانا اعتز بانتسابي اليها وقد احصيت من اسماء بيوتاتها العلمية بما يزيد على (60) بيتاً في تاريخها الطويل اضافة الى العدد الكبير من اعلام العلماء والادباء وفي تلك الايام كانت عامرة بخزائن الكتب وبالمدارس ويجب ان تذكر حينما تذكر بغداد.اضافة الى انها كانت مثوى لكثير من رجالات الاسلام ورجالات الامة واكابر اهل العلم وهي تعد من المراكز المهمة في التقريب والدعوة الى الاخوة وقد كان الناصر لدين الله في اوائل القرن السابع كان يدرس فيها ويلتقي علماء الامة على اختلاف مذاهبهم.وقد اختار هذا الرجل نقيب مدينة الكاظمية لحمل الهدايا الى صلاح الدين الايوبي تعبيراً عن الاعتزاز والتقدير له اضافة الى المؤونة والسلاح بعد دخولة مدينة القدس ومن الاحداث المهمة في تاريخ هذه المدينة ان الكاظمية تحتضن مقر اول فوج للجيش العراقي بعد تأسيسه في عشرينات القرن الماضي وهو خان الكابولي،اضافة الى خط التراموايا الذي يعتبر من الظواهر العمرانية والحضارية وأسس بين الكاظمية وبغداد.كما توج الملك فيصل الاول في احد بيوتات عائلة الجواهري وهي من الأسر المعروفة في الكاظمية وهواول تتويج له سبق تتويجه في القشلة ولعل منهم آخر صناع السيوف فيها وهو المرحوم عبود الجواهري.وقلد الملك فيصل الاول سيفاً رائعاً في الصحن الكاظمي بعد تتويجه في بيت الجواهري وقد قلده السيف السيد محمد الصدر ومن الامور المهمة ايضاً في ذلك التاريخ ان السيد جمال الدين الافغاني نزل في الكاظمية واسس اول مدرسة حديثة في العراق باسم مدرسة الاخوة كدليل على الاخوة بين المسلمين والعرب وكان انذاك يزور السيد عبد المحسن الكاظمي وتلقى منه الكثير من مبادئه الاصلاحية.
واشار العلامة الدكتور محفوظ الى اهمية ان يعاود منتدى بغداد الثقافي الذي تشرف عليه امانة بغداد والذي كان مقره في الكاظمية وتوقف نشاطه نتيجة الظروف الامنية وحالة عدم الاستقرار التي يمر بها البلد موكداً على ان هذا المنتدى يعد من الواجهات الثقافية والحضارية في هذه المدينة وفي مدينة بغداد بشكل عام.
* اما عن علاقته بمن عاصروه من العلماء والمفكرين والادباء امثال الدكتور علي الوردي وحسين امين ومصطفى جواد والحسني والحنفي والغبان فيقول:
- انا اعتز كثيراً بهذه الصحبة واعتبرها من الارزاق التي انعم الله بها علي كما اعتز كثيراً بصحبة الشيخ محمد رضا الشبيبي رحمه الله وكنت اتمنى ان اتتلمذ على يديه فهو شيخي واستاذي وله من الفضل الكبير علي وكنت احرص على حضور مجالسه الادبية التي كان يلتقي فيها رجالات العلم والمعرفة والسياسة وفي كل يوم جمعة.وهو الذي رشحني لعضوية مجمع اللغة العربية في القاهرة في ايام احمد لطفي السيد والدكتور طه حسين واحمد مدكور وان كنت الان لااعرف من تولى الان رئاسة هذا المجمع وعلى ذكر الدكتور علي الوردي رحمه الله فقد تتلمذت على يديه عندما كنت طالباً في الثانوية المركزية بعد عودته من امريكا حيث درسنا ذلك الوقت احوال العراق الاجتماعية وانا اعتز بصلة القرابة به فهو ابن عم والدتي فكان لتواضعه يعدني صديقاً وليس تلميذاً ولكني اعتز به لكونه استاذي.
اما الشاعر والاخ محمد جواد الغبان فلا ادري مااقول فيه فقد اولاني من الفضل ما اعجز عن وصفه في مجلسه وفي تكريمي في وزارة الثقافة ما لا استطيع من الوفاء به ولعل الصمت هنا ابلغ من الكلام مما يقال في هذا المجال وكذلك المرحوم العلامة الشيخ جلال الحنفي الذي اثنى علي بقصيدة رائعة ونفيسة من شعره والاستاذ الدكتور حسين امين ايضاًهو زميل عزيز من زملائي الفضلاء وهو الان كاستاذ في جامعة الاسكندرية في مصر وهناك ايضا الكثير ممن تتلمذت عليهم او التقيتهم.واخص بالذكر هنا العلامة الدكتور مصطفى جواد الذي تتلمذت عليه ثمانية اسابيع في دار المعلمين العالية وانا كنت من مقلديه ثم صارت لي طريقتي في البحث والتي تعتبر خلاصة آراء من لاقيتهم ومن سمعت بهم واطلعت على آرائهم في التحقيق وفي المعرفة والعلم وفي التاليف والبحث.
وهناك الكثير ممن تتلمذوا لدينا وممن اعتز بهم وانهم الان يمثلون اهم من يعتز بهم العراق من الاكاديميين والجامعيين الذين يتواصلون معي الى الان وكذلك اعتز باني خرجت من المثقفين وهم اكثر من خمسين جيلاً من رجال العلم والمعرفة في العراق وايضاً اعتز بكوني لقبت باستاذ المستشرقين كما لقبتني جامعة لينين غراد وهي بطرس بورغ الحالية التي درست فيها وتلامذتي الان من كبار رجال الاستشراق في العالم وهم ليسوا من الاتحاد السوفيتي فقط بل من دول أخرى.
* اروع ما قرأت واجمل ماكتبت؟
- لقد قرأت الكثير ولكن ليس اعظم من كتاب الله والحديث النبوي الشريف ونهج البلاغة وكتب العظام الذين انحني اجلالاً اذا ذكرتهم واستحي ان اعد من المؤلفين اذا تذكرت مؤلفاتهم وانا اتمنى ان يعطيني احد المؤلفين الاقدمين سطراً من اعماله لاهدي اليه كل مؤلفاتي وما انا الاقطرة من غمام.
• اما عن عدد المؤلفات التي انجزها الدكتور في مختلف الاتجاهات فذكر لنا..ان مجموع اعماله المنشورة بين كتاب ورسالة ودراسة وبحث هو اكثر من 1500 مؤلف وقد دعته جريدة الاهرام في مصر عام 1990 لمناسبة بلوغ اعمالة المنشورة الالف.
• وهنا عرضت عليه صورة قديمة احتفظ بها تجمعه بعملاقين من عمالقة الفكر وهما عبد الرزاق الحسني وكوركيس عواد التقطت لهما في مطار موسكو وطلبت منه التعليق عليها فقال :
• لقد دعينا عام 1960 لفهرسة المخطوطات العربية في الاتحاد السوفيتي يوم ذاك وكان ينعقد في تلك الايام مؤتمر المستشرقين الخامس والعشرين حيث حضرا معي الاستاذين الفاضلين عبد الرزاق الحسني وكوركيس عواد واضاف الدكتور محفوظ قائلاُ:
• اود ان اشير الى انني اقترحت في عام 1950 الذكريات الالفية والمئوية والآلافية اي مما يزيد عن الف سنة واليوبيلية والالماسية والذهبية والفضية واقترحت من جملة الاشياء الاخرى الفية بغداد والكندي والفية البصرة والفية الكوفة والفية الطبري والفية الشيخ المفيد والفية الفارابي وتم تنفيذها بناء على ذلك.
الدكتور محفوظ وتوفيق الحكيم
* وذكر الدكتور محفوظ حادثة مرت به خلال زيارة الى القاهرة كانت عميقة في معناها كبيرة في دلائلها حيث قال :
-في السبعينات كانت هناك للمجمعيين في مؤتمر المجمع في القاهرة زيارتان واحدة في داخل القاهرة واخرى في خارجها اما في داخل القاهرة فكانت الزيارة لمؤسسة الاهرام حيث زرنا الكاتب الكبير توفيق الحكيم في مكتبه.وفي التسعينات عندما دعتني الاهرام لزيارة القاهرة بمناسبة بلوغ مجموع اعمالي المنشورة الالف.دعوني ايضاً لزيارة غرفة توفيق الحكيم بعد وفاته،فكان يشغلها في تلك الايام الكاتب الكبير نجيب محفوظ وحينما ذهبت الى الغرفة لم يكن الاستاذ نجيب محفوظ فيها وانما لحظت وجود كرسيين ومنضدة فقالوا هل تعرف هذا الكرسي الاضافي لمن فقلت حتماً لمن يزور الاستاذ نجيب محفوظ فقالوا لا وانما هذا الكرسي هو لنجيب محفوظ لانه يستحي ان يجلس على كرسي توفيق الحكيم احتراما ووفاء له وقد اخبرهم بان لا يجلس احد على كرسي الحكيم الا هو.
وحينما بلغني ان الاستاذ جلال طالباني كان قد بعث من يتفقد نجيب محفوظ هزني هذا الموقف فكتبت رسالة الى الاستاذ الفاضل جلال طالباني اقول فيها اتمنى ان نقدر بعضنا كما يقدر اهل مصر بعضهم لبعض كما فعل نجيب محفوظ مع توفيق الحكيم واتمنى ان ينال المثقفون عندنا من التقدير والاعتزاز بما يستحقون وان نهتم بالعالم والمؤلف والعبقري العراقي والشخصية العراقية اولاً وعلى اثرها ارسل الي من يزورني نيابة عنه فقد جاءني مشكوراً الاستاذ جلال الماشطة وأخ آخر رافقه لتفقد احوالي بأمر من الاستاذ الفاضل جلال طالباني ويبلغني تحيات واعتزاز رئيس الجمهورية بي وهذا موقف كبير لا انساه واعتبره هو اهتمام بالعالم العراقي وتطبيق عملي لما طلبته من تقدير لرجال العلم والادب والمعرفة والفن.
* سألته ان يوجز لي بكلمات قلائل ما تعنيه عندة هذه الاشياء الحب والدين والانسان والتاريخ.
- الحب اجمل مانعطي واجمل مانأخذ والدين هو الحب والحب هو الدين والانسان بنيان الله ملعون من هدمه.اما التاريخ كحصيلة فهو مرآة الزمان وقد كثر فيه الكذب والزور واختلط فيه الحق بالباطل ولهذا على المؤرخ ان يكون مخلصاً ودقيقاً وصادقاً وأميناً في نقل الحقيقة. ثم قرأ لي مقاطع شعرية كان قد نظمها الدكتور بحق مؤسسة المدى وتقديراً لمبادرتها لرعاية العلماء والادباء والفنانين يقول فيها :
سقى الربيع ابــــــــــــــدا
دار جريدة المـــــــــــــــدى
وجادها الغيث اذاالــــــــــ
غيث همى مــــــــــــــــرددا
يعرف اهــــل الفضل اهـــ
ل الفضل حقــــــــــــــاً ابدا
دامت جريدة المــــــــدى
مرفوعة مدى المـــــــــدى
والشكر للمدى علـــــــى
الطافهـــــــــا مؤكــــــــــدا
ينهــــــــل في دارتهــــــا
كانه قطـــــــــــــــر نـــدى