[align=center][tabletext="width:80%;background-color:black;"][cell="filter:;"][align=right]
.
[/align][align=right]
[/align][/cell][/tabletext][/align]
.
[/align][align=right]
اجتمع للامام على بن أبي طالب من صفات الكمال ، ومحمود الشمائل والخلال ، وسناء الحسب وباذخ الشرف ، مع الفطرة النقية ، والنفس المرضية ، ما لم يتهيأ لغيره من أفذاذ الرجال .
تحدر من أكرم المناسب ، وانتمى إلى أطيب الاعراق ، فأبوه أبو طالب عظيم المشيخة من قريش ، وجده عبد المطلب أمير مكة وسيد البطحاء ، ثم هو قبل ذلك من هامات بني هاشم وأعيانهم ، وبنو هاشم كانوا كما وصفهم الجاحظ : ملح الارض ، وزينة الدنيا ، وحلى العالم ، والسنام الاضخم ، والكامل الاعظم ، ولباب كل جوهر كريم ، وسر كل عنصر شريف ، والطينة البيضاء ، والمغرس المبارك ، والنصاب الوثيق ، ومعدن الفهم ، وينبوع العلم . . . ".
واختص بقرابته القريبة من الرسول عليه السلام ، فكان ابن عمه ، وزوج ابنته ، وأحب عترته إليه ، كما كان كاتب وحيه ، وأقرب الناس إلى فصاحته وبلاغته ، وأحفظهم لقوله وجوامع كلمه ، أسلم على يديه صبيا قبل أن يمس قلبه عقيدة سابقة ، أو يخالط عقله شوب من شرك موروث ، ولازمه فتيا يافعا ، في غدوة ورواحه ، وسلمه وحربه ، حتى تخلق بأخلاقه ، واتسم بصفاته ، وفقه عنه الدين ، وثقف ما نزل به الروح الامين ، فكان من أفقه أصحابه وأقضاهم ، وأحفظهم وأوعاهم ، وأدقهم في الفتيا ، وأقربهم إلى الصواب ، وحتى قال فيه عمر : لابقيت لمعضلته ليس لها أبو الحسن ، وكانت حياته كلها مفعمة بالاحداث ، مليئة بحلائل الامور ، فعلى عهد الرسول صلى الله عليه وآله ناضل المشركين واليهود ، فكان فارس الحلبة ومشعر الميدان ، صليب النبع جميع الفؤاد . . . وفي أيام خلافته كانت له أحداث أخرى ، لقى فيها مالقى من تفرق الكلمة واختلاف الجماعة ، وانفصام العروة ، ما طوى أضالعه على الهم والاسى ، ولاع قلبه بالحزن والشجن ، وفى كل مالقى من أحداث وأمور ، وما صادف من محن وخطوب ، بلا الناس وخبرهم ، وتفطن لمطاوى نفوسهم ، واستشف ما وراء مظاهرهم ، فكان العالم المجرب الحكيم ، والناقد الصيرفى الخبير ، وكان لطيف الحسن ، نقى الجوهر وضاء النفس ، سليم الذوق ، مستقيم الرأي ، حسن الطريقة سريع البديهة ، حاضر الخاطر ، حولا قلبا ، عارفا بمهمات الامور إصدارا وإيرادا . . . بل كان كما وصفه الحسن البصري : سهما صائبا من ما رمي الله على عدوه ، ورباني هذه الامة وذا فضلها وسابقتها وذا قرابتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يكن بالنئومة عن أمر الله ، ولا بالملومة في دين الله ، ولا بالسروقة لمال الله ، أعطى القرآن عزائمه ، ففاز منه برياض مونقة ، وأعلام مشرقة ، ذاك على بن أبي طالب !
كل هذه المزايا مجتمعة ، وتلك الصفات متآزرة متناصرة ، وما صاحبها من نفح إلهى ، وإلهام قدسي ، مكنت للامام على من موجوه البيان ، وملكته أعنقه الكلام ، وألهمته أسمى المعاني وأكرمها ، وهيأت له أشرف المواقف وأعزها ، فجزت على لسانه الخطب الرائعة ، والرسائل الجامعة ، والوصايا النافعة ، والكلمة يرسلها عفو الخاطر فتغدو حكمة ، والحديث يلقيه بلا تعمل ولا إعنات فيصبح مثلا ، في أداء محكم ، ومعنى واضح ، ولفظ عذب سائغ ...
وإذا هذا الكلام يملاء السهل والجبل ، ويتنقل في البدو والحضر ، يرويه على كثرته الرواة ويحفظه العلماء والدارسون
قال المسعودي : والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ، ونيف وثمانون خطبة ، يوردها على البديهة ، تداول عنه الناس ذلك قولا وعملا.
ثم ظل هكذا محفوظا في الصدور مرويا على الاسنة ، حتى كان عصر التدوين والتأليف ، فانتثرت خطبه ورسائله في كتب التاريخ والسير والمغازي والمحاضرات والادب على الخصوص ، كما انتخبت كلماته ومأثور حكمه فيما وضعوه من إبواب المواعظ والدعاء : وفي كتابي الغريب لابي عبيد القاسم بن سلام وابن قتيبة منه الشئ الكثير.
وإذ كان لكلام الامام على طابع خاص يميزه عن غيره من الخطباء ، ونهج واضح يخالف غيره من البلغاء والمترسلين ، فقد حاول كثير من العلماء والادباء على مر العصور أن يفردوا لكلامه كتبا خاصة ودواوين مستقلة ، بقى بعضها وذهب الكثير منها على الايام ، منهم نصر بن مزاحم صاحب صفين ، وأبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وأبو مخنف لوط بن يحيى الازدي ، ومحمد بن عمر الواقدي ، وأبو الحسن على بن محمد المدائني ، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، وأبو الحسن على بن الحسين المسعودي ، وأبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعى ، و عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد التممى ، ورشيد الدين محمد بن محمد المعروف بالوطواط ، وعز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد ، وغيرهم كثيرون . إلا أن أعظم هذه المحاولات خطرا ، وأعلاها شأنا ، وأحسنها أبوابها : وأبعدها صيتا وشأوا ، هو مجموع ما اختار الشريف الرضى أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي ، في كتابه " " نهج البلاغة " .
من مقدمة كتاب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد
تحدر من أكرم المناسب ، وانتمى إلى أطيب الاعراق ، فأبوه أبو طالب عظيم المشيخة من قريش ، وجده عبد المطلب أمير مكة وسيد البطحاء ، ثم هو قبل ذلك من هامات بني هاشم وأعيانهم ، وبنو هاشم كانوا كما وصفهم الجاحظ : ملح الارض ، وزينة الدنيا ، وحلى العالم ، والسنام الاضخم ، والكامل الاعظم ، ولباب كل جوهر كريم ، وسر كل عنصر شريف ، والطينة البيضاء ، والمغرس المبارك ، والنصاب الوثيق ، ومعدن الفهم ، وينبوع العلم . . . ".
واختص بقرابته القريبة من الرسول عليه السلام ، فكان ابن عمه ، وزوج ابنته ، وأحب عترته إليه ، كما كان كاتب وحيه ، وأقرب الناس إلى فصاحته وبلاغته ، وأحفظهم لقوله وجوامع كلمه ، أسلم على يديه صبيا قبل أن يمس قلبه عقيدة سابقة ، أو يخالط عقله شوب من شرك موروث ، ولازمه فتيا يافعا ، في غدوة ورواحه ، وسلمه وحربه ، حتى تخلق بأخلاقه ، واتسم بصفاته ، وفقه عنه الدين ، وثقف ما نزل به الروح الامين ، فكان من أفقه أصحابه وأقضاهم ، وأحفظهم وأوعاهم ، وأدقهم في الفتيا ، وأقربهم إلى الصواب ، وحتى قال فيه عمر : لابقيت لمعضلته ليس لها أبو الحسن ، وكانت حياته كلها مفعمة بالاحداث ، مليئة بحلائل الامور ، فعلى عهد الرسول صلى الله عليه وآله ناضل المشركين واليهود ، فكان فارس الحلبة ومشعر الميدان ، صليب النبع جميع الفؤاد . . . وفي أيام خلافته كانت له أحداث أخرى ، لقى فيها مالقى من تفرق الكلمة واختلاف الجماعة ، وانفصام العروة ، ما طوى أضالعه على الهم والاسى ، ولاع قلبه بالحزن والشجن ، وفى كل مالقى من أحداث وأمور ، وما صادف من محن وخطوب ، بلا الناس وخبرهم ، وتفطن لمطاوى نفوسهم ، واستشف ما وراء مظاهرهم ، فكان العالم المجرب الحكيم ، والناقد الصيرفى الخبير ، وكان لطيف الحسن ، نقى الجوهر وضاء النفس ، سليم الذوق ، مستقيم الرأي ، حسن الطريقة سريع البديهة ، حاضر الخاطر ، حولا قلبا ، عارفا بمهمات الامور إصدارا وإيرادا . . . بل كان كما وصفه الحسن البصري : سهما صائبا من ما رمي الله على عدوه ، ورباني هذه الامة وذا فضلها وسابقتها وذا قرابتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لم يكن بالنئومة عن أمر الله ، ولا بالملومة في دين الله ، ولا بالسروقة لمال الله ، أعطى القرآن عزائمه ، ففاز منه برياض مونقة ، وأعلام مشرقة ، ذاك على بن أبي طالب !
كل هذه المزايا مجتمعة ، وتلك الصفات متآزرة متناصرة ، وما صاحبها من نفح إلهى ، وإلهام قدسي ، مكنت للامام على من موجوه البيان ، وملكته أعنقه الكلام ، وألهمته أسمى المعاني وأكرمها ، وهيأت له أشرف المواقف وأعزها ، فجزت على لسانه الخطب الرائعة ، والرسائل الجامعة ، والوصايا النافعة ، والكلمة يرسلها عفو الخاطر فتغدو حكمة ، والحديث يلقيه بلا تعمل ولا إعنات فيصبح مثلا ، في أداء محكم ، ومعنى واضح ، ولفظ عذب سائغ ...
وإذا هذا الكلام يملاء السهل والجبل ، ويتنقل في البدو والحضر ، يرويه على كثرته الرواة ويحفظه العلماء والدارسون
قال المسعودي : والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ، ونيف وثمانون خطبة ، يوردها على البديهة ، تداول عنه الناس ذلك قولا وعملا.
ثم ظل هكذا محفوظا في الصدور مرويا على الاسنة ، حتى كان عصر التدوين والتأليف ، فانتثرت خطبه ورسائله في كتب التاريخ والسير والمغازي والمحاضرات والادب على الخصوص ، كما انتخبت كلماته ومأثور حكمه فيما وضعوه من إبواب المواعظ والدعاء : وفي كتابي الغريب لابي عبيد القاسم بن سلام وابن قتيبة منه الشئ الكثير.
وإذ كان لكلام الامام على طابع خاص يميزه عن غيره من الخطباء ، ونهج واضح يخالف غيره من البلغاء والمترسلين ، فقد حاول كثير من العلماء والادباء على مر العصور أن يفردوا لكلامه كتبا خاصة ودواوين مستقلة ، بقى بعضها وذهب الكثير منها على الايام ، منهم نصر بن مزاحم صاحب صفين ، وأبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وأبو مخنف لوط بن يحيى الازدي ، ومحمد بن عمر الواقدي ، وأبو الحسن على بن محمد المدائني ، وأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، وأبو الحسن على بن الحسين المسعودي ، وأبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعى ، و عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد التممى ، ورشيد الدين محمد بن محمد المعروف بالوطواط ، وعز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد ، وغيرهم كثيرون . إلا أن أعظم هذه المحاولات خطرا ، وأعلاها شأنا ، وأحسنها أبوابها : وأبعدها صيتا وشأوا ، هو مجموع ما اختار الشريف الرضى أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي ، في كتابه " " نهج البلاغة " .
من مقدمة كتاب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد
