- إنضم
- 5 أغسطس 2019
- المشاركات
- 132,621
- مستوى التفاعل
- 24,821
- النقاط
- 187
- الاوسمة
- 2
"غربة الأماكن بعد أُلفتها مُوجعة"
عاد طارق إلى الحي القديم بعد عشر سنوات من الغربة.
كانت خطواته متسارعة، يقوده شوق جارف إلى الأزقة التي شهدت طفولته، والبيوت الطينية الدافئة التي تفوح منها رائحة الخبز والياسمين.
كان يتذكر صوت ضحكات الجيران، وجلسات المساء العفوية على عتبة دار جده، حيث كان الجميع عائلة واحدة.
حين وصل إلى أول الزقاق، توقفت خطواته فجأة.
انقبض قلبه وهو ينظر حوله.
البيوت التي كانت تنبض بالحياة أصبحت صامتة، شاحبة، ونوافذها الخشبية مغلقة ومتهالكة.
بيت جده، الذي كان مركز الدفء ومجمع الأحبة، صار مهجوراً، وتراكم الغبار على بابه الحديدي الذي أكل الصدأ أطرافه.
اختفت أصوات الأطفال، وغابت الوجوه المألوفة التي كانت ترحب به بابتسامة صادقة.
مشى طارق في الممر الضيق، وشعر ببرودة غريبة تجتاح المكان رغم حرارة الجو.
مر بجانب شجرة التوت الكبيرة التي قضى تحتها أجمل أيام عمره؛ وجدها يابسة، وكأنها حزنت على غياب أصحابها فماتت واقفة.
لم يعد هناك من يناديه باسمه، ولم يلمح عيناً تعرفه.
في تلك اللحظة، أدرك طارق حقيقة قاسية:
إن وحشة الأماكن لا تأتي من جدرانها، بل من غياب الأرواح التي كانت تسكنها.
التفت وراءه غارقاً في صمت الممر، وهمس بمرارة:
"حقاً.. غربة الأماكن بعد أُلفتها مُوجعة".
ركب سيارته وغادر، تاركاً خلفه مكاناً كان يوماً يمثل له العالم بأكمله، وصار الآن مجرد وادٍ من الذكريات الصامتة.
