- إنضم
- 22 أبريل 2016
- المشاركات
- 129,691
- مستوى التفاعل
- 2,650
- النقاط
- 1
نبراس الذاكرة:السيد فؤاد الهاشمي بغدادي كرخي من محلة حملت ميراث أمها العريقة ذات العطر الأريج والتأريخ العريق أنها محلة (الشيخ صندل) المنسوبة الى دفين جامعها الكبير الشيخ عماد الدين صندل المقتفوي الجيشي البغدادي وهي محلة صغيرة تضم حناياها 72 داراً وجملة من الدكاكين وبعض العلاوي ولكن أية محلة هي .. انها متحف عجيب ضم المتنوعات من الخلائق ما بين الشاعر والوزير والضابط الخطير وبين الفقيه والفيلسوف والمؤذن والممجد والخبازة والنواحة والصوفي الزاهد والشقي المتمرد. انعكست هذه الامزجة بعضها على بعض لتخرج منها سبيكة من ظرف وجد ولطف وكرم وحكايات وأخبار وطرائف واشعار وحكم وأقوال سارت مسار الأمثال. في هذه المحلة ولد الشاعر وعاش ولم ينقطع عن محلته فقد آوته وحنت عليه بعد انتقاله منها كلما هبّت على بغداد جاثمة من ظلام ورانت الكآبة على آفاقها .. حرسها الله وحماها، فهي دار السلام وجامعة الوئام . ووجد الشاعر الهاشمي من حوله ظرفاء وظريفات دخلوا القلوب، ولم يكتب لهم ان يدخلوا صفحات الورق والشهرة.من ظريفات ذلك الجيل (حسنة علي الطلعة) أم المقرئ الشيخ عبد الفتاح معروف، والمرحومة أم محمد وهي من أصول حجازية و(عطية بنت عبيد) و(دنوشي بنت خميس) و(سبته) و(خديجة ام فليفل) وغيرهن ، أما الظرفاء فمنهم ( حسين علي الطلعة ) و( دعبول ) و( سعيد الحنش) و( فاضل شويعبي) و( جاسم الكناس) و( كاظم المزين) و( الملا عبد العبدلي) وغير هؤلاء . ومن طرائف صاحبنا ان لصاً تاب من اللصوصية وما لبث ان مات والذي حصل ان الغاسل كان يقوم بعملية غسله تمهيداً لتكفينه وأنهى مهمته ولكنه التفت الى المسبحة والساعة فلم يجدهما في المكان الذي اودعهما فيه وسرت همهمة بين الحضور، وكان شاعرنا صغيراً بعد، فقال بكل براءة اذن فتشوا جيوب الميت. فقالوا:اسكت اية جيوب؟ فقال: فتشوا الكفن، ثم ترحموا عليه. وأعتادت احدى الجارات ان ترسله كل يوم لشراء ارغفة من الخبز من مخبز(ابو منير) فاذا احضر الأرغفة راحت تقلبها وهي تقول: هذا الخبز فطير حتى ضاق بها وفي يوم ارسلته الى نفس المهمة فاشترى حفنة من الطحين بكل ما اعطته من نقود، وفاجأها بقوله: اعجني هذا الطحين، وأعملي من خبزاً ليس بالفطير ولاترسليني بعد ذلك، وهرب من أمامها . وأرسلته أمه- وهو صغير ليستدين دينارا من جارة لهم ولكن هذه الجارة سلمته نصف دينار فاخذه منها، وقال لها: بقي عليك النصف الثاني، والله كريم . وفي كـُتـّاب مسجد عبدالسلام الشواف ضاق الصناع بالفلقة التي كان يستخدمها الملا (حسين المصلاوي) في تأديب الطلبة بهذا الصنف من العقاب فقد كان الملا قاسيا وضرباته بالعصا مزقت اقدام الصغار، فرفع الامر الى احد خبثاء المحلة فتسلل هذا ليلاً من بيت( سليم) المجاور للمسجد ووصل الى الفلقة وكسرها. وفي اليوم التالي قامت القيامة وارتفعت الشكوك والاتهامات واخذ الملا يسأل الصناع واحداً واحداً حتى وصل الدور الى شاعرنا الهاشمي فأجاب بكل ثقة : نعم اعرف الذي كسر الفلقة فساد السكون واردف: ملاتي هي التي فلقت نفسها فلا تسأل عن الفاعل .. وارتج الكـُتـّاب بالضحك وعاد الملا الى مجلسه منكوس الرأس. وحصل ان مات احد فقراء الطريق، وقيل انه مات من الجوع، وفي اليوم نفسه مات أحد الكببجية وخرجت الجنازتان معا، فعلـّق شاعرنا على ذلك بقوله: انظروا الى جنازة الفقير تنطلق خفيفة، لأن الميت مات من الجوع، واما الثانية فهي ثقيلة لأن صاحبها مات من التخمة، ولا بد انه أكل الكباب الذي بقي ولم يجد من يشتريه. وكانت هنالك عائلة في أعماق محلة (السعدية) آخر الفحامة تعرف بـ( بيت أبو البزازين) تجاورهم عائلة أخرى وعندهم بنت عانس يدلعونها باسم (هرة). وجاء أحد رجال بيت (هرة) يشكو لدى المرحوم (عبد الله الخضير) مختار المحلة من ان شابا من البيت الأول يحاول دائماً ان (يندار) على بيتهم وليس في البيت الا (هرة) وجدتها الكبيرة. علق شاعرنا على ذلك بقوله (الحق معه فنحن في شهر شباط ولابد للهر من هرة..؟) وحصل ان ولدت عنزة جاره عنزاً أحول وهذا غريب لم يقع مثله، فحار صاحب العنزة في امره وطرح المسألة على شاعرنا الهاشمي، فرد هذا عليه ببرود: أليس خالك (صخيل) أحول، أجاب نعم: قال : أذن فالعنز خرج على أبيه. وفي مقبرة الشيخ معروف دعت أمه أحد القراء العميان ليقرأ على قبرها فانطلق القارئ يقرأ (فالنار مثوى لهم) فصرخ به شاعرنا الظريف: ياهذا إقرأ هذه الآية على قبر أمك. وذكر له احد اصدقائه انه يخلط بين اسم (جبران خليل جبران) والشاعر ( خليل مطران ) فرد عليه ناصحاً
يا اخي انحت منهما أسماً واحداً وهو (مطران .. جبران .. حيران). وطرائف الهاشمي حلوة سائغة تطرب لها المجالس وتسر بها القلوب.
محمد ابراهيم محمد
محمد ابراهيم محمد