[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:100%;background-color:green;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center][ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:80%;background-color:green;"][CELL="filter:;"][ALIGN=right]
بسم الله الرحمن الرحيم
(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }129ـ 128 سورة التوبة )
في البداية لا بد من تحية إجلال وإكبار نحيي بها شهداء العراق الابرار الذين رووا بدمائهم الزكية ثرى الوطن الطيب وحفظوا الارض وصانوا العرض بصمودهم وبسالتهم وتضحياتهم الكبيرة .. وخير تحية نحييهم بها هي : الفاتحة مع الصلوات على محمد وآل محمد
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وترحم على محمد وآل كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد
أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وآله نزف لكم أسمى آيات التهاني والتبريك بمناسبة حلول ذكرى المبعث النبوي الشريف محمد صلى الله عليه وآله المبعوث رحمة للعالمين ..
لقد حبانا الله برسول طيب كريم وبأهل بيته طيبين كرام ، يشق على محمد ما يصيبنا من الضرر .. فهو حريص على هدايتنا من الضلال .. وهو بنا وبكل المؤمنين والمستضعفين رؤوف رحيم
قد أنزله الله منا بمنزلة كان بها أولى بنا من أنفسنا كما قال الله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً) الأحزاب:6
نبيٌ له جاهٌ سما عـن مماثلٍ وقدرٌ عليٌ لا يقاسُ به قدرُ
رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بالبرية من غدا له العِزُّ بَعْدَ اللهِ والمجدُ والذِكرُ
قد انحصرَت فيه المكارمُ كُلُها ولكنْ ندى كفيه ليسَ لهُ حَصْرُ
وأنزله الله تعالى منه منزلة قرب لم ينزلها أحد من خلقه أجمعين لا من قبله ولا من بعده كما قال تعالى في سورة النجم : (وَالنَّجْمِ إِذَ ا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)
هذا هو محمد صلى الله عليه وآله
قوله وحي يوحى
فعله وحي يوحى
تقريره و سكوته وحي يوحى
هو كلمة الله الاخيرة ألقاها تعالى في السماء والأرض وفي كل العوالم
محمد صلى الله عليه وآله ؛ إن توارى عنه الحنان الأبوي العميق ، فقد هطل عليه الحنان من لدن الرحمن الرحيم ، فصاغته يده القدرة رحمة للعالمين ورسولا للناس كافة وبشيرا ونذيرا وسراجا منيرا ..
محمد صلى الله عليه وآله اليتيم الذي درج على مصعد الحياة كنبتة إقتطعت من السماء لتتحدى الصحراء والتصحر وتتمرد على الجدب والقفار ..
فصدر محمد النبتة الطيبة رغم زحمة الفُجر .. وحمأة الشرك والكفر .. وإنتزع منها رغم أنفها بإقرارها وإعترافها شهادة عنوانها الصادق الأمين ..
إن قيمة الأرض مرهونة بقيمة من يمر عليها .. فإن أستوطنها وحش ذو ناب وظفر .. كانت شريعة غاب
وإن سكنها إنسان .. كانت وطن وحرية .. بل وسماء شاعرية ، أو مهبط وحي ونبوة ..
ومرَّ محمد صلى الله عليه وآله بالجزيرة العربية المتوحشة في أحجارها ورمالها وحصاها ..
الملتهبة بصحرائها وتلالها ووديانها.. فاذا بها إختصار مهابط الوحي وختام النبوة وتمام النعمة وكمال الدين
إن الشخصية المحمدية مرآة ناصعة الصورة لكل الرسل والأنبياء .. فمحمد صورة الكل في مرآة الكل
وهو النور الذي لا حساب لفيضه إنْ في الليل وإنْ في النهار .. في غاره وقلبه
لا يعجب الناس لميلاد الأزهار رائعة الالوان في الرياض النضرة .. إنما العجب يملأ قلوبهم إن رؤوا هذه الزهور مستوية على سيقانها في الصحراء الجديبة المختصرة بلهيب الرياح وحرارة الرمال وزفيف العواصف وإختناق الحياة ..
وكانت كلمة إقرأ ميلاد آخر لمحمد صلى الله عليه وآله .. ميلاد المسؤولية وفاتحة وساطته بين السماء والأرض ..
فمشت به الطريق الصعبة الى غاياتها المثلى .. وما أدراك من خلال ثناياها من سواد الفجور وكثرة الشرور وويلات الأحقاد والأضغان في الصدور ونفثات الغدر والرعونة والخشونة والفوضوية المتمردة على كل القيم ..
وتوهج محمد صلى الله عليه وآله فكان كلمة الله التامة ونوره وبرهانه وإرادته على مر العصور ..
التاريخ المحمدي وثيقة لا فتة ومدعمة لصور أعظم ملحمة في تاريخ الكون والحياة ..
إن العقيدة لا تبلغ النصر والفتح إلا بعد أن تنتصر على أصحابها ، وبهذا النصر الذي كان نسخة متفردة في نوعها وجنسها سحق محمد صلى الله عليه وآله صنمية البشر قبل أن يسحق صنمية الحجر ..
وتحطيم القيد النفسي أحوج الى البذل وأدعى الى التضحية من تحطيم القيد اليدوي ..
لقد إنتصر محمد الانسان قبل أن ينتصر محمد النبي .. فكان محمد الثاني بمحمد الأول .. وكانت عظمة محمد صلى الله عليه وآله هي هي قبل النبوة وبعدها ..
كم من إنسان تسور كالعملاق وإنتصب كالسماء وتماسك كالجبال ، وتمدد كالآفاق ، ولكنه في نهاية مطافه إنقلب متآكلا كالعناكب ضامرا كالبعوض ، مرميا كالفضلات .. ضائعا كالفراغ
أما محمد صلى الله عليه وآلأه فقد طفق محمد صلى الله عليه وآله يمدُّ على الدهور جناحا وكانت صيحاته الحقة لها لفح لهيب ووجه ثورة كلماته الطيبة نجوى في محراب ، أو دعاء في غار ، أو تبتلات في عتمة ليل ، ما كانت إلا إيقاظا لغفلة ، إو إيناس لشقي أو هداية لضال ، أو نورا بين يدي مؤمن
إنسان محمد وضوح كفلق الصبح ، وصراحة كتفتح الزهر ، وإشراقة كنور اليقين
إنسانه سواءا قبل البعثة أم بعدها ميزان عنوانه تماسك البنيان ، ووحدة ألاركان في الفكرة والحركة والجنان واللسان ..
كلمته الفصل لا الهزل .. حكمه العدل .. موقفه المبدأ .. إرادته جبل يدخل في جبل ، أو أرض تشتد في سماء ..
قلبه نور من النور .. أو هو وجدانية الملائكة الذين ليس بينهم وبين الملأ الأعلى حجاب .. إنه أرض في سماء أو سماء في أرض
صنعه الله على عينه فاختصر فيه الإنسانية بأنبيائها وحكمائها خلال كل العصور .. إنه يغنيها عنهم ولا يغنوها عنه ..
الميزان المحمدي هو الوحدة المتجانسة بين نفسه وربه والناس .. الوحدة كما اللون مع اللون ، وكما الخط مع الخط ،وكما الكون الجمال يشتد بعضه ببعض ويجمل بعضه ببعض
لم يكن محمد صلى الله عليه وآله بمقدار نفسه .. إنما كان على تمام الحقيقة التي بها كان يؤمن .
محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإيمانه طوع الجبال وقتل الشيطان .. فهل نحن منه في شيء حين طوعتنا الأقزام ؟
لقد امتشق محمد صلى الله عليه وآله سيف الحق ، فإذا بالسيف عصى الراعي ، وشاءه الله أن يكون : المعلم الإنسان والنبي المصطفى ثم قال تعالى : إليه اشخصوا ولسمائه اصعدوا .. ومن مدارسه الغنية تناولوا .. حتى تصلحوا وتغنوا
يا محمد هذه كلمتنا فيك اليوم وكأنها تسرح على الشمس أو كأنها نشوةالعبادة أو نشيد الحرية أو إنفتاحة المدى
هذه الكلمة ما أطمأنت الى غاياتها .. وما تكافأة مع ضميرها .. ما قرت في مقرها ومستقرها ..ما انفعل أو تفاعل خبرها بمبتدئها كما هي في سيرتك وكثيرا ما أنطوت كلمتنا ضامرة تتآكل إثما ..
خجلى تتلوى جوعا أو إلتواءا او فراغا .. هابطة تدس رأسها في التراب .. إلا في مناسبتك كلمتنا المحمدية هذه وكأنها تنطق وحيا .. وكأنها تملأ الوجود حضورا .. أو كأنها تزحم السماء بالكبرياء وتتماسك بعقلها وقلبها جبلا لأنها تحكي حروفا من قصتك الطويلة الفريدة
وقصتك يا محمد هي كل الحرية وكل الإيمان وكل إرادة الله في الخلق
وشخصيتك في قصتك هي الدليل الاقوى على نبوة الانبياء من بشائرهم بنبوتك
إن شخصيتك متكاملة الخلال ناضجة الوعي منفتحة العقل .. نيرة القلب .. حية الضمير والوجدان
ما الشجاعة التي لم تكنها أنت يا محمد؟
ما الفطنة ، ما السياسة ، ما الامانة والعزة إن لم تكنها يا محمد صلى الله عليه وآله
ما حسن التدبير وبراعة التصرف
ما الصبر الجرئ والإرادة المعجزة
ما الإيمان الموقف إن لم يصدر عن قلب محمد صلى الله عليه وآله أن ينبثق عن وعيه كما ينبثق الشعاع عن الشمس
والأريج عن الزهر
إن محمد أعرف إنسان أقلته الارض منذ بسطت
وأظلته السماء منذ رفعت
ومع ذلك لم يعرف محمد صلى الله عليه وآله حتى الآن حق المعرفة
وبقي السؤال من هو محمد صلى الله عليه وآله
إن مستوى العقل البشري قاصر عن أن يصل الى حد يستطيع ان يدرك ذلك المستوى الاعلى لتلك الشخصية الفذة الرائدة
وكيف يستطيع الداني ان يتلمس أو أن يدرك من بلغ أعلا مراتب الكمال الإنساني
من حاول الجواب عن السؤال فقد أخبر بمقدار معرفته عن هذا الانسان العظيم
إنسان خلق لتتجسد فيه الإنسانية بأبهى صورها وأعمق وأرق معانيها
خلق محمد ليكون نبيا وليكون رائدا للبشرية .. إنسانا ينقذها من مخالب الأنانية والشهوة والغضب ومن العصبية الذميمة
سواء أكانت عصبية عنصرية أم قبلية أم إقليمية أم كانت عقائدية وهي أشدها
لقد أتى محمدصلى الله عليه وآله بدستور للحياة وضحى في سبيل الإنسانية
وأنقذها من الهلاك حينما كانت على شفا حفرة منه
وجاء بتعاليم أنقذ بها نفوس من الذل والأسى
وأقواما من المهانة والاستعباد
لا في عصره وحسب وإنما في كل العصور
وقدم الى البشرية مثلا عليا تخلق بها الكثير ممن استطاعوا أن يعرفوا الإنسانية أحسن تعريف ويمثلوها أكمل تمثيل ولم يستطع المفكرون العالميون ورواد العلوم البشرية وأساتذة الجامعات وأرباب العقول الجبارة مجتمعين أن يأتوا بمثل الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وحده ولا بما يقاربه ، فقد أهدى الى المجتمع البشري حياة سعيدة لم يراها ولا عرفها من قبل أحد ولم يطلب منهم على ذلك أجر إنه دعى الى إقامة العدل القيام بالقسط ومحاربة الظالم ونصرة المظلوم وإعانة المحروم وكان العالم قبل ظهور محمد صلى الله عليه وآله جسدا بلا روح وظلاما كله .. فأتى محمد صلى الله عليه بروح للعالم وبحياة لتلك الارض الميتة .. بل فمحمد صلى الله عليه وآله ذاته هو روح العالم ونور شمسه المنيرة .. أشرق الكون ببهجته وضيائه ..
لولا محمد صلى الله عليه وآله وتعالميه وشريعته لم يكن المجتمع البشري سوى مظالم وظلم ومكاره وعقد لا ترى فيه الا نفوس بائسة ومجتمعات يائسة .. لا تجد السعادة ولا الهناء .. ولا تلوح في أفقها بعيد الطلائع بهجة ولا كرامة
إنه هو الذي الغى الميزات التي قررها الجنس الابيض لنفسه على سائر الاجناس
إنه هو الذي حارب القومية والعنصرية وكافح العصبية
إنه هو الذي بذل جهده في إنقاذ المضطهدين من أدي الظالمين
إنه هو الذي صرف همه لإزالة سلطة الأقوياء عن الضعفاء والاغنياء عن الفقراء
إنه هو الذي نادى بإحقاق حقوق المحرومين
إنه دعى الى العلم وهو أمي وهل شوهد امي يدعو الى العلم ويحارب الجهل؟
إنه هو الذي قرر حقوق المرأة وكأنها بشر كالرجل
إنه هو الذي سعى لاجل أن يجعل من العالم مدينة فاضلة يحكمها العقل والمثل دون العواطف والهوى
فكان بحق رائد الانسانية ومنقذ البشرية وقد ظهر بين أقوام كانوا اذل الخلق والخليقة فأصبحوا بيمنه أعز الخلق على مدى القرون والاعصار
كانت الحضارة البشرية إبان ظهور محمد صلى الله عليه وآله مندرسة سائرة في طريقها الى الهلاك والدمار
فتغير وجهها بظهور محمد صلى الله عليه وآله وتبدلت سيرتها وتحولت.
نعم رجعت الى طريق التقدم وما افضل هذه الرجعة ..
إن كلا من الملك والحيوان ينظر بعين واحدة فالملك فاقد العين اليسرى فلا يرى الامور المادية والرغبات الطبيعية .. والحيوان فاقد العين اليمنى فلا يرى الامور الروحية والمثالية
وميزة الكائن البشري أنه كائن يجمع بين الروح والمادة فهو حي قد جمع العينين اليمنى واليسرى معا ، فإذا نظر بعينه اليمنى وحدها انصرف عن جانبه المادي ونقص نفسه بتكريس معنوياته ومثالياته ومعادات رغباته الطبيعية وصار عدو نفسه كما وصفه الامام امير المؤمنين عليه السلام
وإذا نظر بعينه اليسرى فحسب وأهمل جانبه الروحي وجعل غايته المثلى إشباع شهواته وإرواء رغباته فهو ظالم لنفسه حيث قد نزلها عن مستوى البشر الى حضيض الهمجية والحيوانية وهذه الإزدواجية مكنت البشر من إختيار غاية لهم وهذا هو الطابع الخاص به ذاك الذي به امتاز البشر عن الحيوان والملائكة .
وجه محمد صلى الله عليه وآله الإنسان الى النظر بكلتا عينيه وإرشده الى سلوك الصراط المستقيم .. لا إلى اليمين ولا إلى اليسار وصده عن الالتواء الى احد الجانبين لان ذلك تنكب عن الطريق .. وقدم محمد صلى الله عليه وآله منهاجا يصعد به الانسان في مدارج الرقي الإنساني وسمح له بتحقيق ما تصبو إليه نزعاته والتمتع بمتع حياته
ولكنه جعل لذلك حدا وهو أن لا ينتهي الى الظلم .. ظلم نفسه وظلم غيره ولم يكتف بدعوة الانسان الى المثل والفضائل بل وجهه
الى طريق يسلكه الى الرقي الحضاري والحياة المادية السعيدة .. فهو قد جاء لإسعاد الإنسان في دينه ودنياه
إن الباحثين في علم التأريخ يعرفون أن الرقي الذي وصل إليه البشر في الحضارة والعلوم والفنون والمعار ف بعد محمد صلى الله عليه وآله لا يقاس به بما وصلوا إليه من قبل .. بيد أن البشر في القرون المتقدمة عليه أكثر عددا وأطول زمنا فلم تر البشرية عبر عصورها من خدمها مثل محمد صلى الله عليه وآله .. إنه أعظم إنسان حملت الارض عبر التأريخ وهو للعالم كله وليس للشرق خاصة كما أنه ليس للمسلمين فحسب
إنه للبشرية أجمع والعظيم لا يحد بمكان ولا يختصر بزمان دون زمان .. وكذلك دعوته لم تكن محددة بمكان ولا بزمان
كما أن إنتفاع البشرية من دعوة محمد صلى الله عليه وآله لم تكن محدة بمكان ولا زمان ولم أعرف رجلا إنتفع العالم الانساني بدعوته بمثل ما انتفع العالم بدعوة محمد صلى الله عليه وآله
ومن درس حياة محمد صلى الله عليه وآله والمبادئ التي أتى بها يعرف ان غير المسلمين من الامم قد سعدوا في حياتهم بمحمد صلى الله عليه وآله مثلما سعد المسلمون به إن لم يكونوا أكثر سعادة
إن الانبياء كلهم خدام البشرية فهم الذين يسعون في سبيل إسعادها جميعها على مساحة الزمان والمكان
وكان محمد صلى الله عليه وآله أعظمهم خدمة للبشرية وأفضلهم وخاتمهم
فإذا نظرنا الى الزمن الذي نشأ فيه هذا العظيم والى القرن الذي ظهر فيه يزداد العجب وتشتد الحيرة .. إنه نشأ في أشد الأيام ظلمة وأحلك العصور .. عصر محمد لا يفرق أهله بين حق وباطل ولا يميزون بين عدل وظلم ..
فنهض محمد يومئذ وأزال الظلم والطغيان عن وجه الارض ، ومحى الفقر والمسكنة عن المجتمع البشري ، وصرف جهده وبذل وسعه في هذا السبيل وضحى بكيانه وأعزّ أعزائه ، وجاء بشريعة تنطوي على قوانين راقية ومباديء عالية ملائمة للطبيعة الإنسانية وأتى بأنظمة شاملة لم تستطع العقول أن تأتي بمثلها فضلا عن الإتيان بالافضل منها .
إن الشريعة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وآله منسجمة كل الإنسجام مع السنن الكونية ومعطية لكل غريزة حقها ، لا تحول بين الطبيعة الإنسانية ومتطلباتها ، وتتسامح غاية التسامح
نادى محمد بإلغاء النظام الطبقي السائد في عصره وأتى بنظام المساواة الذي ساوى فيه ألانسان بالانسان وجاهر بأنه : لا فضل لعربي على أعجمي ولغني على فقير ولا لذوي البيوت والوجاهاة على غيرهم في نظام المساواة
هذب محمد صلى الله عليه وآله المحاكم والسلطة القضائية وكافح الاحكام التي نتجت عن الحب والبغض والشهرة والرياء ،وأحل السلطة القضائية محل العدل والإنصاف وأخرجها عن منصة الظلم والتعسف ، فجعل من الاشقياء سعداء ، ومن الاذلة أعزاء وجهد في تطهير المجتمع البشري من الادناس النفسية والارجاس الروحية ، وسعى الى تحطيم من جعل من نفسه صنما ومخدوما .
إن دعوة محمد صلى الله عليه وآله لم تقم على القهر والغلبة ، فهو لم يفرض دعوته على أحد ، بل جعل الناس أحرار في قبولها ورفضها : (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) . سورة الانسان الاية 3
لقد إمتازت دعوة محمد على غيرها بأنها دعوة داخلية قائمة بالنفوس قبل أن تكون خارجية قائمة بالاعمال ، فكانت دعوته مرتكزة على الإيمان ، وموطن إيمان المؤمن قلبه ، والقلب أمير اليد واللسان وسائر الجوارح ، وإنما الجوارح عمال القلوب وعملاؤها .
ويستحيل دعوة القلوب عن طريق القهر والغلبة ، فلا سبيل الى التسلل الى القلوب إلا بالحكمة والرحمة والموعظة الحسنة
لقد بدا محمد صلى الله عليه وآله بالتهذيب النفسي ، وهذا يستحيل أن يكون بالضغط والقوة ، وكان أنفذ سلاح غلب به خصومه هو الخلق العظيم والرحمة الواسعة ، ومن ثم لقب بنبي الرحمة ، رحمة على القريب ، ورحمة على العدو والصديق ، وتلقى في هذا السبيل أذى ومتاعب كثيرة حتى قال صلى الله عليه وآله : ما أوذي نبي مثل ما أوذيت
كان في إستطاعته استعمال العنف والقسوة وهو في مكة ، ولو انه امر أصحابه بإغتيال مناوئية في ليلة واحدة وبمحوهم عن وجه الارض لتمكن من ذلك ، ولو فعل لما لقي أذى ولم يذق شقاء ولا بلاء ، إذ لم يكن عدد زعماء مناوئيه يزيد على عدد الاصابع .. ولكنه لم يفعل ، إذ كان نبي الرحمة ، ولم يشهر عليهم السيف الا بعد ما شهروا هم عليه ذلك السيف ، ولم يتوسل بالسلاح إلا بعد أن وضع السيف على حلقومه ، فقابل بالمثل ، وذب عن حياته وحياة من آمن به ، ولولا ذلك لأباده وأصحابه الاعداء عن وجه الارض .
لم يدرس محمد في جامعة قط ولم يتلق درسا من معلم ولا من أستاذ كما أنه لم يحضر محاضرة مفكر ، ولم ينشأ في بيئة علم ، وإنما نشأ في مجتمع جاهلي يسوده الجهل ، وتخيم عليه العصبية والغرور .
وإن القرآن نادى ولا يزال ينادي وفي مواضع شتى أن محمد أمي ، ولم يكذب ذلك أحد ممن عاصره ، ولا ممن نشأ معه ، ولم يذكر في التاريخ عن أترابه تكذيبه في طفولته وصباه وكهولته ، فهو رجل لم يتعلم أبدا ، ولم يدخل في حفلات أحبار اليهود ولا رهبان النصارى ، ولم يقرأ على فيلسوف من إغريق أويونان ، ولا من إيران أو غيرها من البلاد ، وإلا لحدث بذلك زملاؤه أو أساتذته
لقد كان رجلا أميا نشأ في مهد الأمية ، ونما في قوم هم أشد الاقوام البشرية جهلا وأبعدهم عن العلوم والمعارف وأقصاهم عن الحكم والمثل والقيم
وما كان محمد صلى الله عليه وآله يعرف شيئا إلا ماكان يعرفه من عاصره من العرب في ذلك العصر من أحاديث انديتهم ، وقصص جاهليتهم ، وقد سمي ذلك العصر بالعصر الجاهلي ، وهذه التسمية كانت من محمد صلى الله عليه وآله ، ولا يمكن أن يسمى بهذه التسمية الا العالم الخبير
ومن يعرف العلم ويعرف الجهل محمد صلى الله عليه وآله أميا ولكنه لم يكن جاهلا
ومن المستحيل بحسب العادة قراءة أمي آية من كتاب ، فضلا عن أيات كثيرة ، وفضلا عن كتاب كامل يكفل سعادة البشر ويضمن لهم خير الدنيا والاخرة
كتاب من آيات بينات يعجز البلغاء عن الاتيان بمثلها ، كما يعجز رواد العلوم وفلاسفة العالم وذوو الأفكار الثاقبة عن مباراتها .
أمي يرشد الى المكارم والى القيم إرشادا لم يسبقه إليه بشر ، ولن يلحقه بشر
فكل من جاء من مرشد أو مفكر : إما تابع خطاه وسالك مسلكه في الارشاد والتوجيه ، او لم يستطع أن يأتي بما يساوي ما أتى به ذلك الامي العظيم
أمي لم يتعلم قراءة ولا كتابة ، ولم يقرع باب دار أستاذ ، ولكنه بدأ بتعليم الناس الكتاب والحكمة ، نعم بتعليم الناس جميعا لا بتعليم العرب دون غيرهم
أمي يجادل علماء اليهود بتوراتهم ،وقساوسة النصارى بأناجيلهم ، وقد يصفهم بأنهم يكذبون على موسى ، ويقولون على المسيح غير الحق
أمي نشأ في أحضان الشرك ، وهويحاجج المشركين في آلهتهم تلك التي يعبدونها ويجعلونها أندادا لله ، ويتخذونها لأنفسهم أربابا
أمي نشأ في مهد الأمية وحضن الوثنية ولكنه يكافح الجهل ويجاهد عباد الاصنام ويخطئهم ويستهزئ بآلهتهم ، ويخبرهم بانهم يعبدون مالا يضرهم ولا ينفعهم ولا يأتيهم بخير ولا يدفع عنهم شرا
أمي فتح عينيه في بلد الجهل وترعرع في عصر الجهل ونما في بيئة الجهل ولكنه يدعو الى العلم ويزجر عن الجهل و يفضل العالم والعارف ويدعو الى إكرامه
أمي يشرح للناس دينا قيما ، وشريعة عالمية سمحة سهلة تنفعهم في دنياهم وتعصمهم من النار في آخرتهم وتهديهم الى الجنة
لم تر عين البشرية مثل هذا الرجل الأمي لا قبله ولا بعده ، ولم يقرع سمعها بنظير في أي قطر من الاقطار ، وأي حقبة من الاحقاب ولا في أي قوم من الأقوام وأي شعب من الشعوب
هذا الأمي العظيم معجزة في نفسه
معجزة في علمه
معجرة في خلقه
معجزة في عقله
معجزة في عفوه
معجزة في حلمه
معجزة في شجاعته
معجزة في كل كمالاته وصفاته
خضعت له الانسانية ولا مثيل له ولانظير في البشرية ،وما أكثر وجوه الإعجاز في هذه العبقرية الفذة والشخصية العظيمة
إن هذ ا الأمي العظيم نشأ في أرض جدبة لا تنبت الا الشدة والخشونة ولا تنتج الا القسوة والصلابة في صخورها وسهولها وأشجارها وأشواكها وحيوانها وإنسانها ، ومن ينشأ في مثل هذا المنبت لا يتوقع أن يوجد فيه إلا الغضب وسوء الخلق والأخذ بالثار ، ولا ينتظر فيه الا الكبر والخيلاء والعتو والعصبية والثورة والإنتقام
ولقد كان شعاره العلم والحلم وحسن الخلق والتواضع ودثاره العفو والرحمة والغفران والشفقة ، وذلك نقض لشرع الإستيلاء وسن المواريث ونفوذ البيئات والاوساط
إن محمد صلى الله عليه وآله كان في علمه وعقله ودرايته وأفكاره وأقواله وأفعاله فوق المجتمع الذي عاش فيه وقضى حياته في أوساطه ، ومن يكن فوق مجتمع بكامله في العقل والنبل والذكاء والحكمة فهو لا يستطيع أن يعيش فيهم كأحدهم
ويختلف إليه كأي فرد عادي آخر لان العلو الذاتي والترفع النفسي يأبيان له العيش معهم والتقرب إليهم فإذا أجبر على ذلك فلا يلتقي بهم ألا بوجه قطوب وكلام خشن وعين غاضبة
ولكن محمد صلى الله عليه وآله عاش بين من عاصره من الناس كأحدهم ، يخالطهم ويجالسهم ويؤنسهم ويحضر أنديتهم ، يحادثهم ويفاوضهم يجيب على أسئلتهم ،ويأتيهم بما يطلبون ،يواجههم بوجه طلق باسم ،حتى ضرب به المثل في ذلك
إنهم لا يلمسون منه ترفعا بل عاش فيهم كأحدهم وهم لم يعرفوه حق المعرفة ولم يدركو علو مقامه ولا رفعة شأنه ومدى عظمته
إن محمد صلى الله عليه وآله لم يخطأ في سيرته الإجتماعية التي كان يسلكها
ولم يأخذ عليه أحدا أي خطأ ، لا ممن عاصره ولا ممن جاء بعده وقد اخذوا أخطاء على نوابغ الزعماء الكبار ، وعلى قواد العسكر
المحنكين وكتبت في ذلك رسائل ومقالات وألقيت خطب وكلمات ونشرت صحف وكتب ، ولكن لم يقرع أحد هذا الباب ولم يفكر فيه أحد من أعداء محمد صلى الله عليه وآله وما أكثرهم سواء في عصره أو ممن درس حياته بعده .
من نظر الى سيرة محمد صلى الله عليه وآله الذهبية لا يزيده ذلك إلا إكبارا له وإجلالا وإعجابا ، فقد كتب المفكرون والباحثون من مختلف الامم كتبا ورسائل في عبقريته وبطولته .
وأن أصحاب العقول الصائبة وأرباب الافكار الثاقبة جعلو أفعاله وأقواله أسوة لأنفسهم ، ونورا لأهدافهم ، إنهم وجدوها خير طريق وأقرب سبيل للوصول الى غاياتهم والفوز في مقاصدهم
كان محمد مجمعا لأوصاف متضادة لا يجتمع أحدها مع الآخر في العادة فلقد كان صلبا وهو لين العريكة وكان متواضعا أشد التواضع وهو الى غاية الوقار .. إن الصلابة لا تجتمع مع اللين ، والوقار لا يجتمع مع التواضع
كان حلو الفكاهة وهو مرُّ الجد .. كان خطيبا مصقعا وهو أذن خير للناس وخير مستمع لهم يصغي لأحاديثهم ، وأهل الخطابة والنطق لا يستطيعون الإصغاء الى الثرثارين وقلما تجتمع إستطاعة الكلام وإستطاعة الإصغاء إذ القدرة على كل واحد منهما تطارد القدرة على الآخر.
لقد كان محمد صلى الله عليه وآله مطاعا في قومه ، وهوقائد عدل ، ومن مميزات القائد العدل : أنه قليل الطواعية في قومه وجنده .
إن القائد الذي عرفه قومه بالعدل والشرف لا يصير فيهم مطاعا ، إذ الطواعية الكاملة للزعيم ما هي الا لأجل خوف قومه منه على حياتهم أو على ما يعز عليهم وكلا الوصفين منتفيان عن القائد العدل .
وقد تحصل الطواعية لقائد ما إذا كذب قومه وخدع صحابته فيقابلهم بالخداع والرياء ، فيهيج حميتهم ويثير حماسهم وذلك منفي عن القائد العدل الذي يعمل بالقسط ويامر به .
وكان محمد صلى الله عليه وآله منزها عن جميع الاوصاف ،وكان أكثر القواد العالميين طاعة في جنده وصحابته ، وهم لا يخافونه ولا يرهبونه ،ولا يخشاه حتى أصغر جنوده ، نجح في دعوته في مدة قليلة لم تبلغ ربع قرن وقد كان قومه بين أقوام الانبياء اشد قوم مع نبيهم مناواة له وحنقا عليه .
قد بدأ دعوته في قوم هم أكثر الناس جهلا وأنانية وأشدهم تمسكا بتقاليدهم وأقواهم تعصبا لآبائهم ولما توارثوه من السنن والعادات
لقد كانوا مجمعا للعصبيات : العصبية العنصرية ، والعصبية القطرية ، والعصبية القبلية ، والعصبية العقائدية فقام بدعوتهم لمحاربة هذه العصبيات وهو فريد وحيد ولكنه نجح في دعوته فلبوا نداءه وخضعت له جزيرة العرب ، ودخل الناس في دينه أفواجا في سنين قلائل لقد كان ثابتا في خلقه وسيرته ، لم يتغير بتغير الزمن ، ولم يتبدل بتبدل الأحوال ، فقد كان حين بدا بالدعوة غريبا بمكة ، ورفضت قريش دعوته ، بل عاداه العرب ، فكان يصلي في المسجد الحرام سنين طوال ، ولم يصل معه الا فتى هو علي وإمرأة هي خديجة
وحين دخل مكة ظافرا ، وخضعت له جزيرة العرب ، وبث دعوته في خارج الجزيرة و طلب من عواهل الأمم أن يدينوا بدينه وينقادوا للإسلام كان محمد هو هو ولم يتغير ، وأنه حين رجع من عزوة بدر ظافرا وعندما رجع من عزوة أحد غير ظافر كان محمد هو هو لم يتغير .
لقد كان هو هو حين كان جالسا بين كرماء أصحابه وهوهو حين كان واقفا بين يدي أعدائه من الكفار والمنافقين
وهو هو مع الصغير والكبير وهو هو مع الغني والفقير
وهو هو في الحرب وفي السلم وفي الإقامة وفي السفر
وهو هو في السراء والضراء وفي الهناء والعزاء وهو هو في جميع أحواله وأوقاته لم يأخذه الخوف والجبن عند الإنكسار
وعند الضعف والغربة ، ولم يأخذه العجب والخيلاء عند النصر والظفر وعند القوة والعزة ..
كان هو هو في العسر وكان هو هو في اليسر
إنه كان محمد صلى الله عليه وآله دون غيره في جميع الاحوال ولم يرتق الى مستواه بني بشر
لقد كثرة أعماله التي كان يقوم بها في قومه فهو صاحب السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية
وليس معه برلمان ولا نواب ولا وزراء ولا مستشارين ولا غيرهم ولا هم يحزنون
كان متقدما على قومه في جهاد نفسه كما كان رائدهم في مواجهة الكفار والاعداء
وقد بلغ عدد غزواته التي حضرها بنفسه الشريف ضعف السنين السبعة التي جاهد فيها الكفار والمنافقين وزاد عدد سراياه على التسعين في تلك المدة القصيرة
كان رئيسا لقومه ومرشدا لهم ومعلما وإماما ومزكيا لنفوسهم ومؤدبا لهم وأبا رحيما
كان رئيسا للحكومة والدولة ورئيسا للجيش والدفاع والداخلية والخارجية والعدلية والمعارف والتربية
كان قائد لجميع جيوشه ومحافظا للمدينة والبلد وألامير عليها وهو الحصن الذي يذب عنه
كان رئيسا للبلدية وقاضيا للعدلية يحق الحقوق ويفض المنازعات ويزيل الخصومة
كان ينصب القادة والامراء والحكام كما كان ينصب أئمة الجمعة والجماعة وينصب المؤذنين ويرسل الرسل ويبعث الكتب ويوجه الموظفين الى وظائفهم ومناصبهم
كان رئيسا لمجلس التمييز الشرعي والقانوني وإماما لصلاة الجمعة والجماعة في كل يوم خمس مرات
كان خطيب الناس وواعظهم يرشدهم الى البر والتقوى ويتلو عليه آيات ربهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون
كان يعود مرضاهم ويحضر انديتهم ويشيع جنائزهم ويقرئهم القرآن ويجيب على أسئلتهم ويقضي حاجاتهم ويساعد فقراءهم ويشبع جياعهم
ويهدي أغنياءهم ويدعوهم الى القيام بالمعروف
وهو مع ذلك خير زوج لزوجاته يؤدي حقوقهن ويقوم بواجبه نحوهن ولا ينقصهن شيئا .
كان يغرس النخل في المدينة حتى غرس فيها الالاف لا يكل ولا يمل يدأب ويجد ويسعى نحو أهدافه الغالية والعالية
وفوق كل ذلك أنه كان نبيا مبعوثا من قبل الخالق جل وعلا الى الخلق كافة ، ينزل عليه الوحي ويقوم بأعباء النبوة الثقيلة ، ويبعث بالدعاة الى أطراف البلاد ، ويدعو الرؤساء والملوك الى الصراط المستقيم والى إقامة العدل والقسط
وكان في نفس الوقت أعبد الناس لله لم يترك القيام بالليل والتهجد .. كان يسبح لله ويهلل ويكبر
إن حياة العظماء والقدسين الذين يقومون بتغير جذري وبإصلاح في المجتمع تكون مهددة دائما حتى حياة من لم ينجح في إستلام الحكم ، فإن الحكام الطغاة والرؤساء والعصاة هم أعداء ألداء لتلك النفوس الطيبة ، يسعون لأجل أستئصالها ويبذلون كل غال ونفيس من أجل إبادة مشروعاتهم الخيرة . ولم يك محمد صلى الله عليه وآله بعيدا عن مكائد هذا السلوك البشري ولا بعيد عن حبائله فكانت حياته في خطر مستمر من جوانب متعددة
حتى تآمر عليه كبار ملوك زمانه فكسرى ابرويز ملك الفرس أمر بقتله حين دعاه الى الإسلام ولم يك محمد صلى الله عليه وآله يتخذ لنفسه حاجبا أو يجعل لبيته حرسا ولمصلاه في مسجده مقصورة ..
كان يعيش بين قومه كأحدهم وقد أحاط به الاعداء من كل جانب وكان له أصناف من الاعداء يعيشون معه في نفس مقره ومدينته وهم المشركون واليهود والمنافقون بعضهم من أصحابه المقربين من المكيين والمدنيين رجالا ونساءا ..
كان يعيش في مكة وفي المدينة بلا حماية أجهزة أمن ولا حراس فهو يدخل ويخرج من البلدين كما يدخل ويخرج الناس
وكان يقف في ساحات الحرب كما كان يجلس في أندية السلم ولم يتحصن بحصن
كان يقضي كثيرا من أوقاته في المسجد من دون حراس ولا حماية ولا حجاب
ويجلس بين الناس يقضي فيهم بقضاء الله تعالى
ويجيب على أسئلتهم ويلبي طلباتهم ويرد على شكاواهم
كان يلتقي السفراء والوفود دون حراسة أحد ولا تحت تظليل حاجب او حارس
كان يخرج في جوف الليل لاجل أداء فريضة صلاة الصبح والكل كانوا يعرفون بذلك من عدو وصديق وقريب وبعيد
كان يتفقد أصحابه ويدخل بيوتهم ويعود مرضاهم ويشيع موتاهم ويصلي عليهم
لم يوجه محمد صلى الله عليه وآله تهمة لأحد ولم يبقض على أحد بالظن والتهمة بل كان يعفو عمن جنى عليه واعداؤه يعرفون ذلك عنه حتى أنهم أمنوا على أنفسهم حين يتصدون له بما يكره وفي الحالتين في نجاح ما صبوا إليه أو في فشله
لم تكن دار سكن محمد صلى الله عليه وآله قصور فارهة ولا قوالب إسمنتيه عالية لا حصون حديدية منيعة
لم يأخذ احد بجرم سياسي ولم يكن في حكومته مسجون سياسي ..
كان محمد صلى الله عليه وآله حسن الإدارة بل كان الافضل على الاطلاق مع أنه لم يمارس الإدارة قبل بعثته ولم يتلق مع من له به معرفه ولكنه قد أتى من حسن الادارة في قومه ما لم يشاهد له نظير.
وقومه كانوا ابعد البشرية عن الإنسانية وأقربهم للهمجية فيحين أنه لم يكن يعوزهم الذكاء والدهاء ويصعب عليهم الإنقياد والخضوع لأحد
لم يعاملهم كحاكم عسكري أسود أو أحمر ولم يتعامل معهم كحاكم سياسي مستبد أو ديكتاتور بالرغم من كونه قيادته أفضل قيادة وإدارته أحسن إدارة في السلم وفي الحرب وفي السفر وفي الحضر
لقد أرشدهم ووجههم الى الإنسانية المثلى وهداهم الى الحق والرشاد وخلق منهم الكثير من النماذج الإنسانية الراقية
إدارة محمد لبيته ولأزواجه كانت معجزة ذاتها فمن المستحيل بحسب العادة أن الرجل الذي يعمل بالعدل بينهن ويوفي كل واحدة منهن حقها أن يكون وضع بيته طبيعيا وإنسانيا الى هذا الحد ولا سيما إذا علمنا أن الوصفين حسن الإدارة في البيت وهو المجتمع الصغير الداخلي وحسن الإدارة في البلد وهو المجتمع الكبير ؛ قلما يجتمعان ، وقد يكونان متضادين .. ومحمد كان حائزا لكلا الفضيلتين وجامعا للحسنيين .. جمعت فيه الاضداد ولم توجد له أنداد
قام محمد صلى الله عليه وآله ليبعث في العالم روحا جديدة قوية تهدم العروش القائمة على الجماجم وتهدم القصور المتعالية فوق القبور وتسحق الاصنام المنصوبة على أجساد الضعفاء والمضطهدين
ولم يكن صلى الله عليه وآله رجلا يقابل السيئة بالسيئة مع من أساء إليه من أعدائه أولئك الذين لم يقصروا في مناوأته ومعاداته وعندما سيطر عليهم لم يناد بالانتقام ولا بالقصاص ولم يدع الى تشكيل محكمة ثورية لمحاكمتهم أو للاخذ بالثأر منهم
بل كان يحب هدايتهم كما كان يحب هداية احبائه
فلم يقتص من وحشي قاتل عمه الحمزة عليه السلام ، كما لم يقتص من هند المرأة الوقحة الحاقدة التي طالما اثارت الحرب وفعلت كل مشين
ولما دخل مكة فاتحا من دون إراقة قطرة دم ، ونادى قائد جيشه سعد بن عبادة اليوم يوم الملحمة .. اليوم تسبى الحرمة ووصل إليه الخبر عزله عن القيادة دون مهلة وأقام مقامه اخيه وابن عمه علي عليه السلام وأمره أن ينادى : اليوم يوم المرحمة .. اليوم تحمى الحرمة
فلم يجاز الذنب بمثله : لكونه يجازي السيئة بالحسنة ويقدر الاحسان غاية التقدير فيحسن الى كل من يعامله بمعروف والى كل من يقربه فلم ينس ما رآه من الإحسان ..
صلى الله عليك يا رسول الله وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين وأصحابك المنتجبين
نسأل الله تعالى بحق عزته وجلاله أن يوفقنا لان نسير على هدي هذا النبي الكريم
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
[/ALIGN][/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN][/ALIGN][/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]
بسم الله الرحمن الرحيم
(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }129ـ 128 سورة التوبة )
في البداية لا بد من تحية إجلال وإكبار نحيي بها شهداء العراق الابرار الذين رووا بدمائهم الزكية ثرى الوطن الطيب وحفظوا الارض وصانوا العرض بصمودهم وبسالتهم وتضحياتهم الكبيرة .. وخير تحية نحييهم بها هي : الفاتحة مع الصلوات على محمد وآل محمد
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وترحم على محمد وآل كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد
أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وآله نزف لكم أسمى آيات التهاني والتبريك بمناسبة حلول ذكرى المبعث النبوي الشريف محمد صلى الله عليه وآله المبعوث رحمة للعالمين ..
لقد حبانا الله برسول طيب كريم وبأهل بيته طيبين كرام ، يشق على محمد ما يصيبنا من الضرر .. فهو حريص على هدايتنا من الضلال .. وهو بنا وبكل المؤمنين والمستضعفين رؤوف رحيم
قد أنزله الله منا بمنزلة كان بها أولى بنا من أنفسنا كما قال الله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً) الأحزاب:6
نبيٌ له جاهٌ سما عـن مماثلٍ وقدرٌ عليٌ لا يقاسُ به قدرُ
رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بالبرية من غدا له العِزُّ بَعْدَ اللهِ والمجدُ والذِكرُ
قد انحصرَت فيه المكارمُ كُلُها ولكنْ ندى كفيه ليسَ لهُ حَصْرُ
وأنزله الله تعالى منه منزلة قرب لم ينزلها أحد من خلقه أجمعين لا من قبله ولا من بعده كما قال تعالى في سورة النجم : (وَالنَّجْمِ إِذَ ا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)
هذا هو محمد صلى الله عليه وآله
قوله وحي يوحى
فعله وحي يوحى
تقريره و سكوته وحي يوحى
هو كلمة الله الاخيرة ألقاها تعالى في السماء والأرض وفي كل العوالم
محمد صلى الله عليه وآله ؛ إن توارى عنه الحنان الأبوي العميق ، فقد هطل عليه الحنان من لدن الرحمن الرحيم ، فصاغته يده القدرة رحمة للعالمين ورسولا للناس كافة وبشيرا ونذيرا وسراجا منيرا ..
محمد صلى الله عليه وآله اليتيم الذي درج على مصعد الحياة كنبتة إقتطعت من السماء لتتحدى الصحراء والتصحر وتتمرد على الجدب والقفار ..
فصدر محمد النبتة الطيبة رغم زحمة الفُجر .. وحمأة الشرك والكفر .. وإنتزع منها رغم أنفها بإقرارها وإعترافها شهادة عنوانها الصادق الأمين ..
إن قيمة الأرض مرهونة بقيمة من يمر عليها .. فإن أستوطنها وحش ذو ناب وظفر .. كانت شريعة غاب
وإن سكنها إنسان .. كانت وطن وحرية .. بل وسماء شاعرية ، أو مهبط وحي ونبوة ..
ومرَّ محمد صلى الله عليه وآله بالجزيرة العربية المتوحشة في أحجارها ورمالها وحصاها ..
الملتهبة بصحرائها وتلالها ووديانها.. فاذا بها إختصار مهابط الوحي وختام النبوة وتمام النعمة وكمال الدين
إن الشخصية المحمدية مرآة ناصعة الصورة لكل الرسل والأنبياء .. فمحمد صورة الكل في مرآة الكل
وهو النور الذي لا حساب لفيضه إنْ في الليل وإنْ في النهار .. في غاره وقلبه
لا يعجب الناس لميلاد الأزهار رائعة الالوان في الرياض النضرة .. إنما العجب يملأ قلوبهم إن رؤوا هذه الزهور مستوية على سيقانها في الصحراء الجديبة المختصرة بلهيب الرياح وحرارة الرمال وزفيف العواصف وإختناق الحياة ..
وكانت كلمة إقرأ ميلاد آخر لمحمد صلى الله عليه وآله .. ميلاد المسؤولية وفاتحة وساطته بين السماء والأرض ..
فمشت به الطريق الصعبة الى غاياتها المثلى .. وما أدراك من خلال ثناياها من سواد الفجور وكثرة الشرور وويلات الأحقاد والأضغان في الصدور ونفثات الغدر والرعونة والخشونة والفوضوية المتمردة على كل القيم ..
وتوهج محمد صلى الله عليه وآله فكان كلمة الله التامة ونوره وبرهانه وإرادته على مر العصور ..
التاريخ المحمدي وثيقة لا فتة ومدعمة لصور أعظم ملحمة في تاريخ الكون والحياة ..
إن العقيدة لا تبلغ النصر والفتح إلا بعد أن تنتصر على أصحابها ، وبهذا النصر الذي كان نسخة متفردة في نوعها وجنسها سحق محمد صلى الله عليه وآله صنمية البشر قبل أن يسحق صنمية الحجر ..
وتحطيم القيد النفسي أحوج الى البذل وأدعى الى التضحية من تحطيم القيد اليدوي ..
لقد إنتصر محمد الانسان قبل أن ينتصر محمد النبي .. فكان محمد الثاني بمحمد الأول .. وكانت عظمة محمد صلى الله عليه وآله هي هي قبل النبوة وبعدها ..
كم من إنسان تسور كالعملاق وإنتصب كالسماء وتماسك كالجبال ، وتمدد كالآفاق ، ولكنه في نهاية مطافه إنقلب متآكلا كالعناكب ضامرا كالبعوض ، مرميا كالفضلات .. ضائعا كالفراغ
أما محمد صلى الله عليه وآلأه فقد طفق محمد صلى الله عليه وآله يمدُّ على الدهور جناحا وكانت صيحاته الحقة لها لفح لهيب ووجه ثورة كلماته الطيبة نجوى في محراب ، أو دعاء في غار ، أو تبتلات في عتمة ليل ، ما كانت إلا إيقاظا لغفلة ، إو إيناس لشقي أو هداية لضال ، أو نورا بين يدي مؤمن
إنسان محمد وضوح كفلق الصبح ، وصراحة كتفتح الزهر ، وإشراقة كنور اليقين
إنسانه سواءا قبل البعثة أم بعدها ميزان عنوانه تماسك البنيان ، ووحدة ألاركان في الفكرة والحركة والجنان واللسان ..
كلمته الفصل لا الهزل .. حكمه العدل .. موقفه المبدأ .. إرادته جبل يدخل في جبل ، أو أرض تشتد في سماء ..
قلبه نور من النور .. أو هو وجدانية الملائكة الذين ليس بينهم وبين الملأ الأعلى حجاب .. إنه أرض في سماء أو سماء في أرض
صنعه الله على عينه فاختصر فيه الإنسانية بأنبيائها وحكمائها خلال كل العصور .. إنه يغنيها عنهم ولا يغنوها عنه ..
الميزان المحمدي هو الوحدة المتجانسة بين نفسه وربه والناس .. الوحدة كما اللون مع اللون ، وكما الخط مع الخط ،وكما الكون الجمال يشتد بعضه ببعض ويجمل بعضه ببعض
لم يكن محمد صلى الله عليه وآله بمقدار نفسه .. إنما كان على تمام الحقيقة التي بها كان يؤمن .
محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإيمانه طوع الجبال وقتل الشيطان .. فهل نحن منه في شيء حين طوعتنا الأقزام ؟
لقد امتشق محمد صلى الله عليه وآله سيف الحق ، فإذا بالسيف عصى الراعي ، وشاءه الله أن يكون : المعلم الإنسان والنبي المصطفى ثم قال تعالى : إليه اشخصوا ولسمائه اصعدوا .. ومن مدارسه الغنية تناولوا .. حتى تصلحوا وتغنوا
يا محمد هذه كلمتنا فيك اليوم وكأنها تسرح على الشمس أو كأنها نشوةالعبادة أو نشيد الحرية أو إنفتاحة المدى
هذه الكلمة ما أطمأنت الى غاياتها .. وما تكافأة مع ضميرها .. ما قرت في مقرها ومستقرها ..ما انفعل أو تفاعل خبرها بمبتدئها كما هي في سيرتك وكثيرا ما أنطوت كلمتنا ضامرة تتآكل إثما ..
خجلى تتلوى جوعا أو إلتواءا او فراغا .. هابطة تدس رأسها في التراب .. إلا في مناسبتك كلمتنا المحمدية هذه وكأنها تنطق وحيا .. وكأنها تملأ الوجود حضورا .. أو كأنها تزحم السماء بالكبرياء وتتماسك بعقلها وقلبها جبلا لأنها تحكي حروفا من قصتك الطويلة الفريدة
وقصتك يا محمد هي كل الحرية وكل الإيمان وكل إرادة الله في الخلق
وشخصيتك في قصتك هي الدليل الاقوى على نبوة الانبياء من بشائرهم بنبوتك
إن شخصيتك متكاملة الخلال ناضجة الوعي منفتحة العقل .. نيرة القلب .. حية الضمير والوجدان
ما الشجاعة التي لم تكنها أنت يا محمد؟
ما الفطنة ، ما السياسة ، ما الامانة والعزة إن لم تكنها يا محمد صلى الله عليه وآله
ما حسن التدبير وبراعة التصرف
ما الصبر الجرئ والإرادة المعجزة
ما الإيمان الموقف إن لم يصدر عن قلب محمد صلى الله عليه وآله أن ينبثق عن وعيه كما ينبثق الشعاع عن الشمس
والأريج عن الزهر
إن محمد أعرف إنسان أقلته الارض منذ بسطت
وأظلته السماء منذ رفعت
ومع ذلك لم يعرف محمد صلى الله عليه وآله حتى الآن حق المعرفة
وبقي السؤال من هو محمد صلى الله عليه وآله
إن مستوى العقل البشري قاصر عن أن يصل الى حد يستطيع ان يدرك ذلك المستوى الاعلى لتلك الشخصية الفذة الرائدة
وكيف يستطيع الداني ان يتلمس أو أن يدرك من بلغ أعلا مراتب الكمال الإنساني
من حاول الجواب عن السؤال فقد أخبر بمقدار معرفته عن هذا الانسان العظيم
إنسان خلق لتتجسد فيه الإنسانية بأبهى صورها وأعمق وأرق معانيها
خلق محمد ليكون نبيا وليكون رائدا للبشرية .. إنسانا ينقذها من مخالب الأنانية والشهوة والغضب ومن العصبية الذميمة
سواء أكانت عصبية عنصرية أم قبلية أم إقليمية أم كانت عقائدية وهي أشدها
لقد أتى محمدصلى الله عليه وآله بدستور للحياة وضحى في سبيل الإنسانية
وأنقذها من الهلاك حينما كانت على شفا حفرة منه
وجاء بتعاليم أنقذ بها نفوس من الذل والأسى
وأقواما من المهانة والاستعباد
لا في عصره وحسب وإنما في كل العصور
وقدم الى البشرية مثلا عليا تخلق بها الكثير ممن استطاعوا أن يعرفوا الإنسانية أحسن تعريف ويمثلوها أكمل تمثيل ولم يستطع المفكرون العالميون ورواد العلوم البشرية وأساتذة الجامعات وأرباب العقول الجبارة مجتمعين أن يأتوا بمثل الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وحده ولا بما يقاربه ، فقد أهدى الى المجتمع البشري حياة سعيدة لم يراها ولا عرفها من قبل أحد ولم يطلب منهم على ذلك أجر إنه دعى الى إقامة العدل القيام بالقسط ومحاربة الظالم ونصرة المظلوم وإعانة المحروم وكان العالم قبل ظهور محمد صلى الله عليه وآله جسدا بلا روح وظلاما كله .. فأتى محمد صلى الله عليه بروح للعالم وبحياة لتلك الارض الميتة .. بل فمحمد صلى الله عليه وآله ذاته هو روح العالم ونور شمسه المنيرة .. أشرق الكون ببهجته وضيائه ..
لولا محمد صلى الله عليه وآله وتعالميه وشريعته لم يكن المجتمع البشري سوى مظالم وظلم ومكاره وعقد لا ترى فيه الا نفوس بائسة ومجتمعات يائسة .. لا تجد السعادة ولا الهناء .. ولا تلوح في أفقها بعيد الطلائع بهجة ولا كرامة
إنه هو الذي الغى الميزات التي قررها الجنس الابيض لنفسه على سائر الاجناس
إنه هو الذي حارب القومية والعنصرية وكافح العصبية
إنه هو الذي بذل جهده في إنقاذ المضطهدين من أدي الظالمين
إنه هو الذي صرف همه لإزالة سلطة الأقوياء عن الضعفاء والاغنياء عن الفقراء
إنه هو الذي نادى بإحقاق حقوق المحرومين
إنه دعى الى العلم وهو أمي وهل شوهد امي يدعو الى العلم ويحارب الجهل؟
إنه هو الذي قرر حقوق المرأة وكأنها بشر كالرجل
إنه هو الذي سعى لاجل أن يجعل من العالم مدينة فاضلة يحكمها العقل والمثل دون العواطف والهوى
فكان بحق رائد الانسانية ومنقذ البشرية وقد ظهر بين أقوام كانوا اذل الخلق والخليقة فأصبحوا بيمنه أعز الخلق على مدى القرون والاعصار
كانت الحضارة البشرية إبان ظهور محمد صلى الله عليه وآله مندرسة سائرة في طريقها الى الهلاك والدمار
فتغير وجهها بظهور محمد صلى الله عليه وآله وتبدلت سيرتها وتحولت.
نعم رجعت الى طريق التقدم وما افضل هذه الرجعة ..
إن كلا من الملك والحيوان ينظر بعين واحدة فالملك فاقد العين اليسرى فلا يرى الامور المادية والرغبات الطبيعية .. والحيوان فاقد العين اليمنى فلا يرى الامور الروحية والمثالية
وميزة الكائن البشري أنه كائن يجمع بين الروح والمادة فهو حي قد جمع العينين اليمنى واليسرى معا ، فإذا نظر بعينه اليمنى وحدها انصرف عن جانبه المادي ونقص نفسه بتكريس معنوياته ومثالياته ومعادات رغباته الطبيعية وصار عدو نفسه كما وصفه الامام امير المؤمنين عليه السلام
وإذا نظر بعينه اليسرى فحسب وأهمل جانبه الروحي وجعل غايته المثلى إشباع شهواته وإرواء رغباته فهو ظالم لنفسه حيث قد نزلها عن مستوى البشر الى حضيض الهمجية والحيوانية وهذه الإزدواجية مكنت البشر من إختيار غاية لهم وهذا هو الطابع الخاص به ذاك الذي به امتاز البشر عن الحيوان والملائكة .
وجه محمد صلى الله عليه وآله الإنسان الى النظر بكلتا عينيه وإرشده الى سلوك الصراط المستقيم .. لا إلى اليمين ولا إلى اليسار وصده عن الالتواء الى احد الجانبين لان ذلك تنكب عن الطريق .. وقدم محمد صلى الله عليه وآله منهاجا يصعد به الانسان في مدارج الرقي الإنساني وسمح له بتحقيق ما تصبو إليه نزعاته والتمتع بمتع حياته
ولكنه جعل لذلك حدا وهو أن لا ينتهي الى الظلم .. ظلم نفسه وظلم غيره ولم يكتف بدعوة الانسان الى المثل والفضائل بل وجهه
الى طريق يسلكه الى الرقي الحضاري والحياة المادية السعيدة .. فهو قد جاء لإسعاد الإنسان في دينه ودنياه
إن الباحثين في علم التأريخ يعرفون أن الرقي الذي وصل إليه البشر في الحضارة والعلوم والفنون والمعار ف بعد محمد صلى الله عليه وآله لا يقاس به بما وصلوا إليه من قبل .. بيد أن البشر في القرون المتقدمة عليه أكثر عددا وأطول زمنا فلم تر البشرية عبر عصورها من خدمها مثل محمد صلى الله عليه وآله .. إنه أعظم إنسان حملت الارض عبر التأريخ وهو للعالم كله وليس للشرق خاصة كما أنه ليس للمسلمين فحسب
إنه للبشرية أجمع والعظيم لا يحد بمكان ولا يختصر بزمان دون زمان .. وكذلك دعوته لم تكن محددة بمكان ولا بزمان
كما أن إنتفاع البشرية من دعوة محمد صلى الله عليه وآله لم تكن محدة بمكان ولا زمان ولم أعرف رجلا إنتفع العالم الانساني بدعوته بمثل ما انتفع العالم بدعوة محمد صلى الله عليه وآله
ومن درس حياة محمد صلى الله عليه وآله والمبادئ التي أتى بها يعرف ان غير المسلمين من الامم قد سعدوا في حياتهم بمحمد صلى الله عليه وآله مثلما سعد المسلمون به إن لم يكونوا أكثر سعادة
إن الانبياء كلهم خدام البشرية فهم الذين يسعون في سبيل إسعادها جميعها على مساحة الزمان والمكان
وكان محمد صلى الله عليه وآله أعظمهم خدمة للبشرية وأفضلهم وخاتمهم
فإذا نظرنا الى الزمن الذي نشأ فيه هذا العظيم والى القرن الذي ظهر فيه يزداد العجب وتشتد الحيرة .. إنه نشأ في أشد الأيام ظلمة وأحلك العصور .. عصر محمد لا يفرق أهله بين حق وباطل ولا يميزون بين عدل وظلم ..
فنهض محمد يومئذ وأزال الظلم والطغيان عن وجه الارض ، ومحى الفقر والمسكنة عن المجتمع البشري ، وصرف جهده وبذل وسعه في هذا السبيل وضحى بكيانه وأعزّ أعزائه ، وجاء بشريعة تنطوي على قوانين راقية ومباديء عالية ملائمة للطبيعة الإنسانية وأتى بأنظمة شاملة لم تستطع العقول أن تأتي بمثلها فضلا عن الإتيان بالافضل منها .
إن الشريعة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وآله منسجمة كل الإنسجام مع السنن الكونية ومعطية لكل غريزة حقها ، لا تحول بين الطبيعة الإنسانية ومتطلباتها ، وتتسامح غاية التسامح
نادى محمد بإلغاء النظام الطبقي السائد في عصره وأتى بنظام المساواة الذي ساوى فيه ألانسان بالانسان وجاهر بأنه : لا فضل لعربي على أعجمي ولغني على فقير ولا لذوي البيوت والوجاهاة على غيرهم في نظام المساواة
هذب محمد صلى الله عليه وآله المحاكم والسلطة القضائية وكافح الاحكام التي نتجت عن الحب والبغض والشهرة والرياء ،وأحل السلطة القضائية محل العدل والإنصاف وأخرجها عن منصة الظلم والتعسف ، فجعل من الاشقياء سعداء ، ومن الاذلة أعزاء وجهد في تطهير المجتمع البشري من الادناس النفسية والارجاس الروحية ، وسعى الى تحطيم من جعل من نفسه صنما ومخدوما .
إن دعوة محمد صلى الله عليه وآله لم تقم على القهر والغلبة ، فهو لم يفرض دعوته على أحد ، بل جعل الناس أحرار في قبولها ورفضها : (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) . سورة الانسان الاية 3
لقد إمتازت دعوة محمد على غيرها بأنها دعوة داخلية قائمة بالنفوس قبل أن تكون خارجية قائمة بالاعمال ، فكانت دعوته مرتكزة على الإيمان ، وموطن إيمان المؤمن قلبه ، والقلب أمير اليد واللسان وسائر الجوارح ، وإنما الجوارح عمال القلوب وعملاؤها .
ويستحيل دعوة القلوب عن طريق القهر والغلبة ، فلا سبيل الى التسلل الى القلوب إلا بالحكمة والرحمة والموعظة الحسنة
لقد بدا محمد صلى الله عليه وآله بالتهذيب النفسي ، وهذا يستحيل أن يكون بالضغط والقوة ، وكان أنفذ سلاح غلب به خصومه هو الخلق العظيم والرحمة الواسعة ، ومن ثم لقب بنبي الرحمة ، رحمة على القريب ، ورحمة على العدو والصديق ، وتلقى في هذا السبيل أذى ومتاعب كثيرة حتى قال صلى الله عليه وآله : ما أوذي نبي مثل ما أوذيت
كان في إستطاعته استعمال العنف والقسوة وهو في مكة ، ولو انه امر أصحابه بإغتيال مناوئية في ليلة واحدة وبمحوهم عن وجه الارض لتمكن من ذلك ، ولو فعل لما لقي أذى ولم يذق شقاء ولا بلاء ، إذ لم يكن عدد زعماء مناوئيه يزيد على عدد الاصابع .. ولكنه لم يفعل ، إذ كان نبي الرحمة ، ولم يشهر عليهم السيف الا بعد ما شهروا هم عليه ذلك السيف ، ولم يتوسل بالسلاح إلا بعد أن وضع السيف على حلقومه ، فقابل بالمثل ، وذب عن حياته وحياة من آمن به ، ولولا ذلك لأباده وأصحابه الاعداء عن وجه الارض .
لم يدرس محمد في جامعة قط ولم يتلق درسا من معلم ولا من أستاذ كما أنه لم يحضر محاضرة مفكر ، ولم ينشأ في بيئة علم ، وإنما نشأ في مجتمع جاهلي يسوده الجهل ، وتخيم عليه العصبية والغرور .
وإن القرآن نادى ولا يزال ينادي وفي مواضع شتى أن محمد أمي ، ولم يكذب ذلك أحد ممن عاصره ، ولا ممن نشأ معه ، ولم يذكر في التاريخ عن أترابه تكذيبه في طفولته وصباه وكهولته ، فهو رجل لم يتعلم أبدا ، ولم يدخل في حفلات أحبار اليهود ولا رهبان النصارى ، ولم يقرأ على فيلسوف من إغريق أويونان ، ولا من إيران أو غيرها من البلاد ، وإلا لحدث بذلك زملاؤه أو أساتذته
لقد كان رجلا أميا نشأ في مهد الأمية ، ونما في قوم هم أشد الاقوام البشرية جهلا وأبعدهم عن العلوم والمعارف وأقصاهم عن الحكم والمثل والقيم
وما كان محمد صلى الله عليه وآله يعرف شيئا إلا ماكان يعرفه من عاصره من العرب في ذلك العصر من أحاديث انديتهم ، وقصص جاهليتهم ، وقد سمي ذلك العصر بالعصر الجاهلي ، وهذه التسمية كانت من محمد صلى الله عليه وآله ، ولا يمكن أن يسمى بهذه التسمية الا العالم الخبير
ومن يعرف العلم ويعرف الجهل محمد صلى الله عليه وآله أميا ولكنه لم يكن جاهلا
ومن المستحيل بحسب العادة قراءة أمي آية من كتاب ، فضلا عن أيات كثيرة ، وفضلا عن كتاب كامل يكفل سعادة البشر ويضمن لهم خير الدنيا والاخرة
كتاب من آيات بينات يعجز البلغاء عن الاتيان بمثلها ، كما يعجز رواد العلوم وفلاسفة العالم وذوو الأفكار الثاقبة عن مباراتها .
أمي يرشد الى المكارم والى القيم إرشادا لم يسبقه إليه بشر ، ولن يلحقه بشر
فكل من جاء من مرشد أو مفكر : إما تابع خطاه وسالك مسلكه في الارشاد والتوجيه ، او لم يستطع أن يأتي بما يساوي ما أتى به ذلك الامي العظيم
أمي لم يتعلم قراءة ولا كتابة ، ولم يقرع باب دار أستاذ ، ولكنه بدأ بتعليم الناس الكتاب والحكمة ، نعم بتعليم الناس جميعا لا بتعليم العرب دون غيرهم
أمي يجادل علماء اليهود بتوراتهم ،وقساوسة النصارى بأناجيلهم ، وقد يصفهم بأنهم يكذبون على موسى ، ويقولون على المسيح غير الحق
أمي نشأ في أحضان الشرك ، وهويحاجج المشركين في آلهتهم تلك التي يعبدونها ويجعلونها أندادا لله ، ويتخذونها لأنفسهم أربابا
أمي نشأ في مهد الأمية وحضن الوثنية ولكنه يكافح الجهل ويجاهد عباد الاصنام ويخطئهم ويستهزئ بآلهتهم ، ويخبرهم بانهم يعبدون مالا يضرهم ولا ينفعهم ولا يأتيهم بخير ولا يدفع عنهم شرا
أمي فتح عينيه في بلد الجهل وترعرع في عصر الجهل ونما في بيئة الجهل ولكنه يدعو الى العلم ويزجر عن الجهل و يفضل العالم والعارف ويدعو الى إكرامه
أمي يشرح للناس دينا قيما ، وشريعة عالمية سمحة سهلة تنفعهم في دنياهم وتعصمهم من النار في آخرتهم وتهديهم الى الجنة
لم تر عين البشرية مثل هذا الرجل الأمي لا قبله ولا بعده ، ولم يقرع سمعها بنظير في أي قطر من الاقطار ، وأي حقبة من الاحقاب ولا في أي قوم من الأقوام وأي شعب من الشعوب
هذا الأمي العظيم معجزة في نفسه
معجزة في علمه
معجرة في خلقه
معجزة في عقله
معجزة في عفوه
معجزة في حلمه
معجزة في شجاعته
معجزة في كل كمالاته وصفاته
خضعت له الانسانية ولا مثيل له ولانظير في البشرية ،وما أكثر وجوه الإعجاز في هذه العبقرية الفذة والشخصية العظيمة
إن هذ ا الأمي العظيم نشأ في أرض جدبة لا تنبت الا الشدة والخشونة ولا تنتج الا القسوة والصلابة في صخورها وسهولها وأشجارها وأشواكها وحيوانها وإنسانها ، ومن ينشأ في مثل هذا المنبت لا يتوقع أن يوجد فيه إلا الغضب وسوء الخلق والأخذ بالثار ، ولا ينتظر فيه الا الكبر والخيلاء والعتو والعصبية والثورة والإنتقام
ولقد كان شعاره العلم والحلم وحسن الخلق والتواضع ودثاره العفو والرحمة والغفران والشفقة ، وذلك نقض لشرع الإستيلاء وسن المواريث ونفوذ البيئات والاوساط
إن محمد صلى الله عليه وآله كان في علمه وعقله ودرايته وأفكاره وأقواله وأفعاله فوق المجتمع الذي عاش فيه وقضى حياته في أوساطه ، ومن يكن فوق مجتمع بكامله في العقل والنبل والذكاء والحكمة فهو لا يستطيع أن يعيش فيهم كأحدهم
ويختلف إليه كأي فرد عادي آخر لان العلو الذاتي والترفع النفسي يأبيان له العيش معهم والتقرب إليهم فإذا أجبر على ذلك فلا يلتقي بهم ألا بوجه قطوب وكلام خشن وعين غاضبة
ولكن محمد صلى الله عليه وآله عاش بين من عاصره من الناس كأحدهم ، يخالطهم ويجالسهم ويؤنسهم ويحضر أنديتهم ، يحادثهم ويفاوضهم يجيب على أسئلتهم ،ويأتيهم بما يطلبون ،يواجههم بوجه طلق باسم ،حتى ضرب به المثل في ذلك
إنهم لا يلمسون منه ترفعا بل عاش فيهم كأحدهم وهم لم يعرفوه حق المعرفة ولم يدركو علو مقامه ولا رفعة شأنه ومدى عظمته
إن محمد صلى الله عليه وآله لم يخطأ في سيرته الإجتماعية التي كان يسلكها
ولم يأخذ عليه أحدا أي خطأ ، لا ممن عاصره ولا ممن جاء بعده وقد اخذوا أخطاء على نوابغ الزعماء الكبار ، وعلى قواد العسكر
المحنكين وكتبت في ذلك رسائل ومقالات وألقيت خطب وكلمات ونشرت صحف وكتب ، ولكن لم يقرع أحد هذا الباب ولم يفكر فيه أحد من أعداء محمد صلى الله عليه وآله وما أكثرهم سواء في عصره أو ممن درس حياته بعده .
من نظر الى سيرة محمد صلى الله عليه وآله الذهبية لا يزيده ذلك إلا إكبارا له وإجلالا وإعجابا ، فقد كتب المفكرون والباحثون من مختلف الامم كتبا ورسائل في عبقريته وبطولته .
وأن أصحاب العقول الصائبة وأرباب الافكار الثاقبة جعلو أفعاله وأقواله أسوة لأنفسهم ، ونورا لأهدافهم ، إنهم وجدوها خير طريق وأقرب سبيل للوصول الى غاياتهم والفوز في مقاصدهم
كان محمد مجمعا لأوصاف متضادة لا يجتمع أحدها مع الآخر في العادة فلقد كان صلبا وهو لين العريكة وكان متواضعا أشد التواضع وهو الى غاية الوقار .. إن الصلابة لا تجتمع مع اللين ، والوقار لا يجتمع مع التواضع
كان حلو الفكاهة وهو مرُّ الجد .. كان خطيبا مصقعا وهو أذن خير للناس وخير مستمع لهم يصغي لأحاديثهم ، وأهل الخطابة والنطق لا يستطيعون الإصغاء الى الثرثارين وقلما تجتمع إستطاعة الكلام وإستطاعة الإصغاء إذ القدرة على كل واحد منهما تطارد القدرة على الآخر.
لقد كان محمد صلى الله عليه وآله مطاعا في قومه ، وهوقائد عدل ، ومن مميزات القائد العدل : أنه قليل الطواعية في قومه وجنده .
إن القائد الذي عرفه قومه بالعدل والشرف لا يصير فيهم مطاعا ، إذ الطواعية الكاملة للزعيم ما هي الا لأجل خوف قومه منه على حياتهم أو على ما يعز عليهم وكلا الوصفين منتفيان عن القائد العدل .
وقد تحصل الطواعية لقائد ما إذا كذب قومه وخدع صحابته فيقابلهم بالخداع والرياء ، فيهيج حميتهم ويثير حماسهم وذلك منفي عن القائد العدل الذي يعمل بالقسط ويامر به .
وكان محمد صلى الله عليه وآله منزها عن جميع الاوصاف ،وكان أكثر القواد العالميين طاعة في جنده وصحابته ، وهم لا يخافونه ولا يرهبونه ،ولا يخشاه حتى أصغر جنوده ، نجح في دعوته في مدة قليلة لم تبلغ ربع قرن وقد كان قومه بين أقوام الانبياء اشد قوم مع نبيهم مناواة له وحنقا عليه .
قد بدأ دعوته في قوم هم أكثر الناس جهلا وأنانية وأشدهم تمسكا بتقاليدهم وأقواهم تعصبا لآبائهم ولما توارثوه من السنن والعادات
لقد كانوا مجمعا للعصبيات : العصبية العنصرية ، والعصبية القطرية ، والعصبية القبلية ، والعصبية العقائدية فقام بدعوتهم لمحاربة هذه العصبيات وهو فريد وحيد ولكنه نجح في دعوته فلبوا نداءه وخضعت له جزيرة العرب ، ودخل الناس في دينه أفواجا في سنين قلائل لقد كان ثابتا في خلقه وسيرته ، لم يتغير بتغير الزمن ، ولم يتبدل بتبدل الأحوال ، فقد كان حين بدا بالدعوة غريبا بمكة ، ورفضت قريش دعوته ، بل عاداه العرب ، فكان يصلي في المسجد الحرام سنين طوال ، ولم يصل معه الا فتى هو علي وإمرأة هي خديجة
وحين دخل مكة ظافرا ، وخضعت له جزيرة العرب ، وبث دعوته في خارج الجزيرة و طلب من عواهل الأمم أن يدينوا بدينه وينقادوا للإسلام كان محمد هو هو ولم يتغير ، وأنه حين رجع من عزوة بدر ظافرا وعندما رجع من عزوة أحد غير ظافر كان محمد هو هو لم يتغير .
لقد كان هو هو حين كان جالسا بين كرماء أصحابه وهوهو حين كان واقفا بين يدي أعدائه من الكفار والمنافقين
وهو هو مع الصغير والكبير وهو هو مع الغني والفقير
وهو هو في الحرب وفي السلم وفي الإقامة وفي السفر
وهو هو في السراء والضراء وفي الهناء والعزاء وهو هو في جميع أحواله وأوقاته لم يأخذه الخوف والجبن عند الإنكسار
وعند الضعف والغربة ، ولم يأخذه العجب والخيلاء عند النصر والظفر وعند القوة والعزة ..
كان هو هو في العسر وكان هو هو في اليسر
إنه كان محمد صلى الله عليه وآله دون غيره في جميع الاحوال ولم يرتق الى مستواه بني بشر
لقد كثرة أعماله التي كان يقوم بها في قومه فهو صاحب السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية
وليس معه برلمان ولا نواب ولا وزراء ولا مستشارين ولا غيرهم ولا هم يحزنون
كان متقدما على قومه في جهاد نفسه كما كان رائدهم في مواجهة الكفار والاعداء
وقد بلغ عدد غزواته التي حضرها بنفسه الشريف ضعف السنين السبعة التي جاهد فيها الكفار والمنافقين وزاد عدد سراياه على التسعين في تلك المدة القصيرة
كان رئيسا لقومه ومرشدا لهم ومعلما وإماما ومزكيا لنفوسهم ومؤدبا لهم وأبا رحيما
كان رئيسا للحكومة والدولة ورئيسا للجيش والدفاع والداخلية والخارجية والعدلية والمعارف والتربية
كان قائد لجميع جيوشه ومحافظا للمدينة والبلد وألامير عليها وهو الحصن الذي يذب عنه
كان رئيسا للبلدية وقاضيا للعدلية يحق الحقوق ويفض المنازعات ويزيل الخصومة
كان ينصب القادة والامراء والحكام كما كان ينصب أئمة الجمعة والجماعة وينصب المؤذنين ويرسل الرسل ويبعث الكتب ويوجه الموظفين الى وظائفهم ومناصبهم
كان رئيسا لمجلس التمييز الشرعي والقانوني وإماما لصلاة الجمعة والجماعة في كل يوم خمس مرات
كان خطيب الناس وواعظهم يرشدهم الى البر والتقوى ويتلو عليه آيات ربهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون
كان يعود مرضاهم ويحضر انديتهم ويشيع جنائزهم ويقرئهم القرآن ويجيب على أسئلتهم ويقضي حاجاتهم ويساعد فقراءهم ويشبع جياعهم
ويهدي أغنياءهم ويدعوهم الى القيام بالمعروف
وهو مع ذلك خير زوج لزوجاته يؤدي حقوقهن ويقوم بواجبه نحوهن ولا ينقصهن شيئا .
كان يغرس النخل في المدينة حتى غرس فيها الالاف لا يكل ولا يمل يدأب ويجد ويسعى نحو أهدافه الغالية والعالية
وفوق كل ذلك أنه كان نبيا مبعوثا من قبل الخالق جل وعلا الى الخلق كافة ، ينزل عليه الوحي ويقوم بأعباء النبوة الثقيلة ، ويبعث بالدعاة الى أطراف البلاد ، ويدعو الرؤساء والملوك الى الصراط المستقيم والى إقامة العدل والقسط
وكان في نفس الوقت أعبد الناس لله لم يترك القيام بالليل والتهجد .. كان يسبح لله ويهلل ويكبر
إن حياة العظماء والقدسين الذين يقومون بتغير جذري وبإصلاح في المجتمع تكون مهددة دائما حتى حياة من لم ينجح في إستلام الحكم ، فإن الحكام الطغاة والرؤساء والعصاة هم أعداء ألداء لتلك النفوس الطيبة ، يسعون لأجل أستئصالها ويبذلون كل غال ونفيس من أجل إبادة مشروعاتهم الخيرة . ولم يك محمد صلى الله عليه وآله بعيدا عن مكائد هذا السلوك البشري ولا بعيد عن حبائله فكانت حياته في خطر مستمر من جوانب متعددة
حتى تآمر عليه كبار ملوك زمانه فكسرى ابرويز ملك الفرس أمر بقتله حين دعاه الى الإسلام ولم يك محمد صلى الله عليه وآله يتخذ لنفسه حاجبا أو يجعل لبيته حرسا ولمصلاه في مسجده مقصورة ..
كان يعيش بين قومه كأحدهم وقد أحاط به الاعداء من كل جانب وكان له أصناف من الاعداء يعيشون معه في نفس مقره ومدينته وهم المشركون واليهود والمنافقون بعضهم من أصحابه المقربين من المكيين والمدنيين رجالا ونساءا ..
كان يعيش في مكة وفي المدينة بلا حماية أجهزة أمن ولا حراس فهو يدخل ويخرج من البلدين كما يدخل ويخرج الناس
وكان يقف في ساحات الحرب كما كان يجلس في أندية السلم ولم يتحصن بحصن
كان يقضي كثيرا من أوقاته في المسجد من دون حراس ولا حماية ولا حجاب
ويجلس بين الناس يقضي فيهم بقضاء الله تعالى
ويجيب على أسئلتهم ويلبي طلباتهم ويرد على شكاواهم
كان يلتقي السفراء والوفود دون حراسة أحد ولا تحت تظليل حاجب او حارس
كان يخرج في جوف الليل لاجل أداء فريضة صلاة الصبح والكل كانوا يعرفون بذلك من عدو وصديق وقريب وبعيد
كان يتفقد أصحابه ويدخل بيوتهم ويعود مرضاهم ويشيع موتاهم ويصلي عليهم
لم يوجه محمد صلى الله عليه وآله تهمة لأحد ولم يبقض على أحد بالظن والتهمة بل كان يعفو عمن جنى عليه واعداؤه يعرفون ذلك عنه حتى أنهم أمنوا على أنفسهم حين يتصدون له بما يكره وفي الحالتين في نجاح ما صبوا إليه أو في فشله
لم تكن دار سكن محمد صلى الله عليه وآله قصور فارهة ولا قوالب إسمنتيه عالية لا حصون حديدية منيعة
لم يأخذ احد بجرم سياسي ولم يكن في حكومته مسجون سياسي ..
كان محمد صلى الله عليه وآله حسن الإدارة بل كان الافضل على الاطلاق مع أنه لم يمارس الإدارة قبل بعثته ولم يتلق مع من له به معرفه ولكنه قد أتى من حسن الادارة في قومه ما لم يشاهد له نظير.
وقومه كانوا ابعد البشرية عن الإنسانية وأقربهم للهمجية فيحين أنه لم يكن يعوزهم الذكاء والدهاء ويصعب عليهم الإنقياد والخضوع لأحد
لم يعاملهم كحاكم عسكري أسود أو أحمر ولم يتعامل معهم كحاكم سياسي مستبد أو ديكتاتور بالرغم من كونه قيادته أفضل قيادة وإدارته أحسن إدارة في السلم وفي الحرب وفي السفر وفي الحضر
لقد أرشدهم ووجههم الى الإنسانية المثلى وهداهم الى الحق والرشاد وخلق منهم الكثير من النماذج الإنسانية الراقية
إدارة محمد لبيته ولأزواجه كانت معجزة ذاتها فمن المستحيل بحسب العادة أن الرجل الذي يعمل بالعدل بينهن ويوفي كل واحدة منهن حقها أن يكون وضع بيته طبيعيا وإنسانيا الى هذا الحد ولا سيما إذا علمنا أن الوصفين حسن الإدارة في البيت وهو المجتمع الصغير الداخلي وحسن الإدارة في البلد وهو المجتمع الكبير ؛ قلما يجتمعان ، وقد يكونان متضادين .. ومحمد كان حائزا لكلا الفضيلتين وجامعا للحسنيين .. جمعت فيه الاضداد ولم توجد له أنداد
قام محمد صلى الله عليه وآله ليبعث في العالم روحا جديدة قوية تهدم العروش القائمة على الجماجم وتهدم القصور المتعالية فوق القبور وتسحق الاصنام المنصوبة على أجساد الضعفاء والمضطهدين
ولم يكن صلى الله عليه وآله رجلا يقابل السيئة بالسيئة مع من أساء إليه من أعدائه أولئك الذين لم يقصروا في مناوأته ومعاداته وعندما سيطر عليهم لم يناد بالانتقام ولا بالقصاص ولم يدع الى تشكيل محكمة ثورية لمحاكمتهم أو للاخذ بالثأر منهم
بل كان يحب هدايتهم كما كان يحب هداية احبائه
فلم يقتص من وحشي قاتل عمه الحمزة عليه السلام ، كما لم يقتص من هند المرأة الوقحة الحاقدة التي طالما اثارت الحرب وفعلت كل مشين
ولما دخل مكة فاتحا من دون إراقة قطرة دم ، ونادى قائد جيشه سعد بن عبادة اليوم يوم الملحمة .. اليوم تسبى الحرمة ووصل إليه الخبر عزله عن القيادة دون مهلة وأقام مقامه اخيه وابن عمه علي عليه السلام وأمره أن ينادى : اليوم يوم المرحمة .. اليوم تحمى الحرمة
فلم يجاز الذنب بمثله : لكونه يجازي السيئة بالحسنة ويقدر الاحسان غاية التقدير فيحسن الى كل من يعامله بمعروف والى كل من يقربه فلم ينس ما رآه من الإحسان ..
صلى الله عليك يا رسول الله وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين وأصحابك المنتجبين
نسأل الله تعالى بحق عزته وجلاله أن يوفقنا لان نسير على هدي هذا النبي الكريم
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين