أداة تخصيص استايل المنتدى
إعادة التخصيصات التي تمت بهذا الستايل

- الاعلانات تختفي تماما عند تسجيلك
- عضــو و لديـك مشكلـة فـي الدخول ؟ يــرجى تسجيل عضويه جديده و مراسلـة المديــر
او كتابــة مــوضـــوع فــي قســم الشكـاوي او مـراسلــة صفحتنـا على الفيس بــوك

قصة الحروب الصليبية

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

ولنا في التاريخ عبرة !

صارت أنطاكية بذلك مدينة صليبية ، ويَئِس المسلمون آنذاك من تحريرها، لكن الصليبيين وجدوا أنفسهم أمام عدة مشاكل ضخمة في أنطاكية ، منعتهم من التقدم مباشرة صوب بيت المقدس، الذي كان الهدف الأول من هذه الحملة .

1- فمن المشاكل الضخمة التي واجهت الصليبيين هو تناقص عددهم بصورة مخيفة؛ فلقد واجهوا السلاجقة منذ لحظة نزولهم في آسيا الصغرى ، ومنذ موقعة نيقية في (490هـ) مايو 1097م - أي أكثر من سنة - في عدة معارك، وقُتل من الصليبيين عدد كبير، ثم إن الكثير منهم هلكوا في المسافات الكبيرة التي قطعوها دون غذاء كافٍ أو ماء ، وهلك منهم عدد آخر في الحصار الطويل لمدينة أنطاكية ، سواء في المرحلة الأولى التي حاصروا فيها المسلمين ، أو في المرحلة الثانية التي حاصرهم المسلمون داخل المدينة، ثم هلك منهم عدد آخر في الموقعة الأخيرة ضد كربوغا، وأخيرًا هلك عدد ضخم في الأوبئة التي انتشرت في أنطاكية نتيجة كثرة القتلى .

لقد تناقصت بشدة أعداد الصليبيين إلى الدرجة التي صعب معها السيطرة على كل الأبراج في الأسوار الطويلة لأنطاكية ، فكيف بإعداد العدة للزحف نحو بيت المقدس ، هذا فضلاً عن أن الذي بقي من الصليبيين يعاني من الإعياء والإجهاد الشديد، ولا يَقْوَى على قطع المسافة الكبيرة من أنطاكية إلى بيت المقدس - 600 كيلو متر تقريبًا - فضلاً عن أنهم قد يقاتلون هناك الدولة العبيدية بكل مقدرات الجيش المصري آنذاك .

هذه الأزمة الكبيرة جعلتهم يفترون عن الزحف إلى بيت المقدس ، ولم يكن هذا الفتور لأيام معدودات، إنما إستمر ستة أشهر كاملة ..


2- وهذه الأزمة أيضًا دفعتهم إلى عدم القدرة على إعلان العصيان المباشر للدولة البيزنطية، فهم مع كونهم من البداية يكرهون الإمبراطور البيزنطي المتسلط عليهم بقرارته والمخالف لهم في العقيدة ، ومع كونهم يشعرون أنه لم يشارك معهم بجدية في حصار أنطاكية، ومع كونهم يحنقون عليه أشد الحنق لعدم نجدتهم في حربهم ضد كربوغا في (491هـ) يونيو سنة 1098م ، إلا أنهم يدركون أنهم قد يحتاجون إلى إمكانيات الدولة البيزنطية في أي لحظة[85]، وهذا الشعور جعلهم يتحفظون في التعامل مع مشكلة أخرى كبيرة قابلتهم بعد إسقاط أنطاكية ، وهي اكتشافهم أن بداخلها أعدادًا كبيرة من النصارى الأرثوذكس ، وكان الصليبيون لا يثقون بهم ، ويعرفون أنهم يدينون بالولاء للدولة البيزنطية قلبًا وقالبًا ، ومع ذلك فإن الصليبيين ما استطاعوا أن يعلنوا هذه المخاوف ، بل إنهم عظموا جدًّا من شأن بطريرك الأرثوذكس حنا الرابع، ووضعوه على رأس كنيسة أنطاكية ، ولم يعزلوا القساوسة الأرثوذكس من أماكنهم ، وإكتفوا بوضع قساوسة كاثوليك على بعض الكنائس الشاغرة , وكل هذا كنوع من التقارب مع الدولة البيزنطية ، وشراء ودِّها إلى اللحظات الأخيرة .

3- وكان من المشاكل الضخمة التي واجهتهم أيضًا خلوُّ مخازن المدينة من الغلال والمؤن على عكس ما توقع الصليبيون ، فطول مدة الحصار وإنشغال الناس في الحرب ضيَّع ثروات البلد ، ولم يبق شيء يعتمد عليه في مخازنها , وعلى هذا ففي الأيام القادمة لا بد أن يدبر الجيش الصليبي حاله ، إما عن طريق الإمدادات الخارجية من أوربا أو الدولة البيزنطية ، وإما عن طريق الإغارة على المدن والقرى المجاورة، وإلا سيقع الجيش في أزمة اقتصادية طاحنة .

غير أن أعظم المشاكل التي واجهت الصليبيين ، هي مشكلة من الذي يجب أن يحكم أنطاكية ؟ فبوهيموند كما وضحنا كان يجعل هذه قضية مصيرية في حربه من البداية، وما خرج هذا الهدف من ذهنه منذ غادر إيطاليا، وحتى اللحظة التي دخل فيها أنطاكية، واشترط بوضوح على زعماء الحملة الصليبية أن يجعلوا أنطاكية خالصة له إذا بقي معهم للقتال ..

Bohemond-I.jpg


هذه كانت أحلام بوهيموند !!


فهل كانت هي الأحلام الوحيدة في القصة ؟!


لقد نازعه في حلمه هذا زعيم صليبي آخر في غاية الطموح هو ريمون الرابع كونت تولوز ، فهذا الزعيم - وإن كان في بادئ القصة يتظاهر بالتدين والورع واتِّباع رأي البابا ، وإعلان أنه لا يستطيع أن يقسم بالتبعية لإمبراطور بيزنطة لأنه يتبع المسيح ! وحمله للحربة المزعومة أمام الجيش الصليبي - أظهر عند سقوط أنطاكية مشاعر مختلفة تمامًا! لقد ثار ريمون الرابع على بوهيموند ، وقال : إنه لا يستحق فضلاً زائدًا عن بقية الزعماء ، وتنكَّر لمواقفه السابقة بإعطاء أنطاكية لبوهيموند حال سقوطها. ولم يكن اعتراض ريمون باللسان فقط، ولكن كان بالسلاح أيضًا ! إذ أخذ جيشه وسيطر على بعض الأبراج والأبواب ، ورفض التسليم لبوهيموند ، وإشتعل الجدال في أنطاكية بين مؤيد ومعارض ..

ولم يكن ريمون هو الوحيد الذي ينازع بوهيموند إمارة أنطاكية ، فهناك الإمبراطور البيزنطي الذي يجد أنطاكية حقًّا دينيًّا وتاريخيًّا وجغرافيًّا للدولة البيزنطية ، وفوق ذلك فهناك إتفاقية القسطنطينية التي عقدت سنة 1097م ، وتقضي بتسليم المدن البيزنطية القديمة وعلى رأسها أنطاكية للدولة البيزنطية ..

فلمن يكون حكم أنطاكية ؟! إن هذا الصراع ليدلنا بأقوى الأدلة أن هؤلاء الزعماء ما خرجوا خدمة للدين ولا حماية للصليب، ولا طمعًا في إرضاء المسيح عليه السلام , إننا رأينا من الجميع - تقريبًا - رغبة حميمة في تحقيق المجد الشخصي، بصرف النظر عن الواجب الديني الذي خرجوا من أجله .

فهاهو الإمبراطور البيزنطي الذي طلب النجدة من البابا وصوَّر حال الحجيج النصارى بشكل بائس ، ها هو لا يحمل همًّا سوى توسيع سيطرته على المدن التي أخذها السلاجقة قبل ذلك، وعند أول اختبار حقيقي لشجاعته وتجرُّدِه أثناء حصار أنطاكية إذا به يتقاعس ، ويرفض القدوم تاركًا الحملة الصليبية تواجه مصيرها، مع أنها من المفترض أنها جاءت لمساعدته !

وها هو بلدوين ينعزل عن الجيش ويقنع بإمارة الرها ، ولا يفكر في إكمال الرحلة إلى بيت المقدس !

وها هو بوهيموند يقنع كذلك بإمارة أنطاكية ، ويتحايل على الجميع لكي يضمن لنفسه ملكًا، بصرف النظر عن قضية القدس، وبصرف النظر عن حقوق غيره وأطماعهم!
وها هو بطرس الناسك يهرب من حصار أنطاكية الصعب ، ويجبره تانكرد على الرجوع ذليلاً مهينًا !

وها هو تانكرد من قبل يتصارع مع بلدوين على طرسوس حتى رفعوا السلاح على بعضهم البعض !

وها هو كذلك ستيفن دي بلوا يترك الجمل بما حمل ، ويأخذ جيشه ويقفل عائدًا إلى فرنسا في اللحظات الأخيرة من الحصار ، عندما أدرك أن أحلامه في الملك تبددت !

إن جميع المحتلين يرفعون شعارات برَّاقة خادعة للسيطرة على عقول شعوبهم وجيوشهم ، وأيضًا لتخدير الشعوب المحتلة وتسكيتها؛ فهذا يقاتل من أجل المسيح ، وذاك يدافع عن الحجيج ، وهؤلاء يريدون استقرار الديموقراطية ، وأولئك يدافعون عن حقوق الإنسان .
وهكذا تبدو حروبهم من أجل الفضيلة ، والأصل أنها لا لشيء إلا للأمجاد الشخصية والأطماع الذاتية !

ماذا يفعل الزعماء الصليبيون إزاء هذه المشكلة العظمى؟! لقد عقد الزعماء الصليبيون اجتماعًا مهمًّا في أوائل يوليو 1098م يقررون فيه مصيرهم ومصير أنطاكية ومصير بيت المقدس , إن طاقتهم الآن هزيلة عن بلوغ بيت المقدس ، وخاصةً أنهم سيحاربون هناك جيشًا مستريحًا مستقرًّا ، وهم لا غنى لهم عن الدولة البيزنطية في هذه المعركة القادمة ، ومن ثَمَّ فهم سوف يطلبون طلبًا صريحًا من الإمبراطور البيزنطي أن يساندهم في هذا المشروع، لكن الإمبراطور البيزنطي لن يقبل بالمساعدة إلا إذا أخذ أنطاكية ، ومن هنا إتفق الزعماء بما فيهم بوهيموند وريمون على تسليم أنطاكية إلى الإمبراطور البيزنطي ، بشرط أن يأتي بنفسه على رأس جيش كبير يشاركهم في احتلال بيت المقدس , ولم يستطع بوهيموند أن يعترض في هذا التوقيت ؛ لأنه كان يعلم أن قوتهم قاصرة عن إتمام هذه المهمة وهم في هذه الحالة الواهنة ، وعلى ذلك فإذا جاء الإمبراطور البيزنطي فسوف يساعدهم في تحقيق أحلام أوسع ، وإذا لم يأتِ لم يسلموا له أنطاكية، وعندها يفتحون ملف أنطاكية من جديد ليروا من أحق الزعماء بها .

إستقر على ذلك الأمراء الصليبيون ، وأرسلوا رسالة إلى الإمبراطور البيزنطي يطلبون منه فيها أن يأتي لتسلُّم أنطاكية بشرط المساعدة في احتلال بيت المقدس .

ماذا كان ردُّ فعل الإمبراطور البيزنطي لهذه الرسالة؟! لقد كان الإمبراطور ألكسيوس كومنين نفعيًّا إلى أقصى درجة ، فهو يريد أن يجني ثمار دون تضحية ، ثم إنه كان خبيثًاً يريد أن يمسك بكل أطراف اللعبة في يده ، وليس عنده مانع أن يتحالف مع عدو أو أن يخون صديقًا !

لقد أراد الإمبراطور أن يستغل الجيش الصليبي في كسر المقاومة الإسلامية دون أن يعطيهم شيئًا ، وقد خَبُرهم في آسيا الصغرى ، ورأى أنهم سلموه كل المدن , وهم وإن كانوا يطمعون في أنطاكية الآن فإنهم لن يستطيعوا الصمود طويلاً بعيدًا عن بلادهم ، إنه أراد أن يستنفزهم لأقصى درجة ، فيقتلون المسلمين ويقتلهم المسلمون ، حتى إذا خلت المنطقة من الأقوياء تقدم الإمبراطور ليتسلم كل الميراث بجهد يسيرٍ أو دون جهد !

إنها خطة خبيثة تقوم بها الكثير من الدول الاستعمارية ذات الخبرة الطويلة في المؤمرات والمكائد ! إنها تدفع فريقًا ليحارب فريقًا آخر، وقد تدل كل فريق على عورات الآخر ، حتى إذا فنيت القوتان دخلت هي لتجمع كل الثمرات .

ومن هنا فكر الإمبراطور أن يتريث في الأمور ، ولا يرفض رفضًا باتًّا؛ لكي لا يوغر صدور الصليبيين ، ولا يقدم قدومًا سريعًا فيوغر صدور العبيديين المسيطرين على بيت المقدس الآن ؛ ولذلك فقد قرر الإمبراطور أن يتجاهل الرد على الرسالة حتى يمر بعض الوقت، وتزداد الأزمة اشتعالاً !

من جانب الصليبيين فقد وجدوا أن الإمبراطور لا يرد طلبهم ، وهم لا يستطيعون البقاء فترة طويلة دون الانتهاء من مهتمهم ؛ ولذلك قرروا تحديد موعد لغزو بيت المقدس بصرف النظر عن موافقة الإمبراطور ، وكان هذا الموعد في (491هـ) نوفمبر 1098م، بعد أن تخف درجة الحرارة ..

أما الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين فلم يكتف باللعب بزعماء الصليبيين ، ولكن أراد أن يتعامل مع الجهة الأخرى أيضًا ، فتراسل مع العبيديين بمصر وهو يعرض عليهم صورة من صور التعاون ! ولكن لسوء حظِّه وقعت رسالته إلى العبيديين في قبضة الصليبيين ، فأدركوا أنه يلعب بهم ..

هنا قرَّر زعماء الحملة الصليبية أن يخرجوا بمفردهم إلى بيت المقدس ولكن بعد الاستعداد الكافي عن طريق جمع المؤن ، وتثبيت الأقدام في أنطاكية وما حولها ؛ ولذلك أمضى زعماء الصليبيين شهري أغسطس وأكتوبر في بعض الحملات في المناطق المحيطة بأنطاكية ، وفي هذه الأثناء كان بوهيموند يحاول أن يظهر دائمًا في صورة أمير أنطاكية الأوحد ..

وفي يوم 5 من نوفمبر 1098م عقد الصليبيون اجتماعًا قرروا فيه الزحف صوب بيت المقدس , ومن جديدٍ برزت مشكلة إمارة أنطاكية ، وتنازع الزعيمان بوهيموند وريمون الأمرَ، وأعلن بوهيموند العصيان المباشر على إمبراطور الدولة البيزنطية، وأكد ذلك بعزل حنا الرابع من الكنيسة الأرثوذكسية؛ ليصبح بذلك أميرًا لأنطاكية وغير متقيد مطلقًا بالقسطنطينية ، غير أن الأمير ريمون وجد أنه لكي يستولي على أنطاكية فإنه يجب أن يوالي الإمبراطور ألكسيوس كومنين ليتغلب على بوهيموند ، وهكذا أدت المصالح إلى اختلاف الولاءات اختلافًا بيِّنًا !! فهذا بوهيموند الذي كان أقرب الأصدقاء إلى الإمبراطور البيزنطي يعلن العصيان ليتملك أنطاكية، ناسيًا يمينه الذي أقسمه بالتبعية للإمبراطور، وهذا ريمون الذي رفض أن يقسم بالتبعية للإمبراطور يعلن أنه يقف إلى جواره !!
وتعالت الأصوات ، وكاد السلاح يعلو أيضًا بين الزعيمين الصليبيين !

وإستاء بقية الزعماء جدًّا وأيضًا الجند ، وحدثت ثورة عجيبة في أنطاكية ، حيث قرر الزعماء والجند معهم أن يهدموا أسوار أنطاكية إذا لم يكفّ الزعيمان عن حربهما ، وساعتها سيتركونهم مكشوفين للبيزنطيين والمسلمين على حدٍّ سواء، وسوف يتجه الجيش بكامله إلى بيت المقدس ...


هنا شعر بوهيموند وريمون بالخوف الشديد أن ينفذ الصليبيون تهديدهم ، فجلسوا في هدوء ليبحثوا حلاًّ للموضوع، ولكي يقطعوا الوقت ويشغلوا الناس حتى الوصول إلى حلٍّ قرروا الخروج جميعًا في حملة إلى معرة النعمان، وهي إلى الجنوب الشرقي من أنطاكية، وهي من أعمال الحلب ، وحاصرها الصليبيون بالفعل ، واستعانت أهلها برضوان ملك حلب إلا أنه لم يعرهم اهتمامًا يذكر ، وكان أن إستسلمت المدينة في (492هـ) 11 من ديسمبر 1098م للصليبيين بعد أن أعطوهم الأمان ، لكن - للأسف - بعد سقوط المدينة لم يلتزم الصليبيون بعهدهم ، وأجروا فيها مذبحة عظيمة ، وسلبوا كل شيء، وأحرقوا المدينة عن آخرها .

ثم تنافس الأمراء من جديد في قضية النزاع بين بوهيموند وريمون ، ووجد ريمون أن عامة الأمراء يرجحون كفة بوهيموند ، فآثر أن يخرج بشيء ، فعرض أن يقود الحملة الصليبية إلى بيت المقدس ، ويصبح هو بذلك القائد الأعلى ، فوافق الأمراء لتحل المشكلة ، ويبقى بذلك بوهيموند أميرًا على أنطاكية , وهكذا فضَّل بوهيموند أن يتخلف عن حملة بيت المقدس ، ناسيًا قصة الحجيج ليقنع بإمارته التي كانت حلمًا قديمًا له !!

ولبس ريمون ملابس الحجاج ، وخرج حافي القدمين يقود الجيوش في رحلة دينية لاحتلال بيت المقدس ، وكان ذلك في (492هـ) 13 من يناير 1099م ، بعد أكثر من سبعة أشهر من سقوط أنطاكية ، وقد حاول أن يقنع الجميع أنه يتحرك إرضاءً للمسيح ، ولكن من الواضح أن تمثيليته أصبحت مكشوفة ، وهكذا كل التمثيليات لأمثال هؤلاء النفعيين من الزعماء !!
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

الطريق إلى بيت المقدس


في يوم 13 من يناير 1099م (492هـ) تحرَّكت الجيوش الصليبية ناحية الهدف الرئيسي التي خرجت من أجله وهو إحتلال بيت المقدس ، وتفاوتت الروايات في تقدير عدد الجيش الصليبي الذي خرج من أنطاكية وما حولها لغزو فلسطين ، فالمقلِّل يصل إلى ستة آلاف مقاتل فقط , والمكثِّر يصل به إلى ثمانين ألفًا من الصليبيين ، وهو في الحالتين بعيدٌ جدًّا عن الأرقام التي عرَفناها عند نزولهم أرض الإسلام ؛ إذ كان الجنود في أقلِّ تقدير ثلاثمائة ألف مقاتل .

وهذا النقص الحادُّ في العدوِّ إنما كان للمعارك المتتالية ، وللموت أثناء الانتقال والحصار وفترات الجوع الطويلة ، وكذلك لإنفصال جيش بلدوين في الرها وبوهيموند في أنطاكية ، ولترك حامية صليبية في كل مدينة يحتلونها بدءًا من نيقية وإنتهاءً بمعرَّة النعمان جنوب أنطاكية ؛ غير أنِّي أُرَجِّح أن الجيش كان في حدود ثمانين ألفًا أو نحوها ؛ لأن المسافة التي إخترقها الجيش داخل أراضي سوريا ولبنان وفلسطين كبيرة يصعب فيها أن يتحرَّك ستة آلاف جندي فقط دون حماية ، كما أنه لو لم يتبقَّ من الثلاثمائة ألف إلا ستة آلاف فقط لكان قرارهم - دون أدنى شكٍّ - هو الرجوع إلى أوربا والنجاة بالنفس ، فضلاً عن أن معظم المعارك التي اشترك فيها الصليبيون كان النصر حليفهم ، ولم نسمع عن قتلى بهذه الأعداد الضخمة ، سواء في صفِّهم أو في صف المسلمين المهزومين .

تحرَّكت الجيوش بقيادة ريمون الرابع ، وهو وإن كان يرتدي ملابس الحُجَّاج ويُعْلِن خدمة الربِّ إلاَّ أنه كان في منتهى الغيظ والحنق لعدم حصوله على إمارة حتى هذه اللحظة كزميليه بلدوين وبوهيموند ، وهذا أثَّرَ في قراراته كما سيتَبَيَّن لنا من رحلته للقدس .

سار الصليبيون جنوبًا ، وهم يقتربون من الساحل أحيانًا ، ويتعمَّقون في الداخل أحيانًا أخرى، وكانوا في طريقهم يمرُّون بمدن إسلامية صرفة، ومع ذلك فقد كان ردُّ فعل هذه المدن في منتهى الخزي !

لقد أسرع الحُكَّام والأهالي في هذه المدن بتقديم الهدايا الثمينة والمؤن ، بل والأدِلَّة للجيش الصليبي بُغْيَة الحصول على رضاه، وتجنُّب وحشيته، وكانت أخبار مذبحتي أنطاكية ومعرَّة النعمان قد وصلت إلى مكانٍ ، ففعلت فعلها في إرهاب الشعوب حتى تفقد كلَّ أمل في المقاومة ، ويصبح كلُّ همِّها البحث عن لحظات حياة أطول ، ولو كانت هذه اللحظات تعيسة أو مَهِينَة ، تمامًا كما فعلت مذبحة دير ياسين التي قام بها اليهود سنة (1367هـ) 1948م لتسهيل مهمَّة احتلال فلسطين، والتاريخ يتكرَّر !!

فمن الأمثلة الشاذَّة التي رأيناها ما حدث من أمير شيزر عندما تعهَّد لريمون ألاَّ يعترض طريق الصليبيين أثناء إختراقهم إقليم شيزر، وأن يُقَدِّم لهم ما يحتاجون إليه من الغذاء والمئُونة ، بل وقدَّم لهم دليلَيْنِ أرشدوا الصليبيين في أثناء عبورهم إقليم العاصي !
وكذلك رأينا أمير حمص جناح الدولة حسين بن ملاعب - الذي كان يقاتل الصليبيين منذ شهور مع كربوغا - يُرسِل وفدًا محمَّلاً بالهدايا الثمينة يخطب ودَّ المحتلين؛ لكي لا يتعرَّضوا لإمارته بسوء ..

لقد كانوا يحكمون إمارات غير صالحة للاستقلال أبدًا، فالمساحات صغيرة والشعوب ضعيفة والإمكانيات هزيلة، ولكنهم يَقْنَعُون بها ليحتفظوا بالعرش، ولو كان عرشًا زائفًا لا قيمة له !! ثم مرَّ الجيش الصليبي على مدينة طرابُلُس اللُّبنانيَّة , وكانت هذه المدينة مقرَّ حُكم أحد العائلات الشيعيَّة ، وهي عائلة بني عمَّار ، وحاكمها في ذلك الوقت هو فخر الملك أبو عليّ ، ومع كونها شيعيَّة إلاَّ أنها كانت منشقَّة عن الدولة العبيدية بمصر ، وكانت هذه المدينة تُسيطر على عدَّة مدن وقرى مجاورة مكوِّنة بذلك إمارة واسعة نسبيًّا ، تحكم عدَّة مناطق في لُبنان وسوريا .

قرَّر فخر الملك أبو علي بن عمار أن يُهَادن الصليبيين ، فرفع أعلامهم على أسوار مدينته دلالة تبعيته لهم ، وأقرَّ بدفع جزية لهم ، وأرسل إليه ريمون الرابع بعض رسله للتفاوض فدخلوا مدينته ثم عادوا إلى ريمون بالأخبار السعيدة : إن المدينة شديدة الثراء ، عظيمة الجمال , وسال لُعاب ريمون الرابع ، ونسِيَ قضية القدس ، وتجاهل ملابس الحجاج ، ووجد في طرابلس الفرصة لتحقيق حلم الإمارة الخاصَّة به !

فكَّر ريمون ومن معه من القادة أن يضغطوا عسكريًّا على المدينة أو أعمالها لكي يَزيدوا في الجزية المعروضة أو أن يُسقطوا المدينة تمامًا، وهذا - لا شكَّ - أفضل ، وتوجَّه ريمون لحصار مدينة تسمى عِرْقَةَ شرق طرابلس وفي ذات الوقت هي مدينة غنية بمياهها وثرواتها الطبيعية ، وإتجه جودفري وروبرت لحصار مدينة جبلة ، وهي مدينة ساحلية سوريَّة جنوب اللاذقيَّة تتبع أيضًا طرابلس ، وسرعان ما أعلنت جبلة إستسلامها بعد حصار تسعة أيام من 2 إلى 11 مارس 1099م ، وأقرَّت بدفع جزية وفيرة من المال والخيول ، غير أن عِرْقَةَ صمدت ، وكانت مدينة حصينة فشل ريمون في إسقاطها .

إضطر ريمون أن يستنجد بجودفري وروبرت لإسقاط عِرْقَةَ فجاءا إليه واشتركا معه في الحصار ، وهذه الاستغاثة من ريمون رفعت من أسهم جودفري وقلَّلت من أسهمه هو ؛ فقد صار الصليبيون ينظرون إلى جودفري على أنه القائد العامُّ وليس ريمون الرابع .

وإستمرَّ الحصار حول عِرْقَةَ فترة طويلة ، وبدا للصليبيين أنهم سيُكَرِّرُون مأساة أنطاكية ، وفي هذه الأثناء وفي 10 من إبريل 1099م وصلت رسالة من الإمبراطور البيزنطي تعرض عليهم أن ينتظروه إلى آخر يونية ، وسوف يأتي بجيش كبير للإشتراك معهم في غزو بيت المقدس، وسيتحمَّل تكاليف الحملة كلها، والواضح أن الإمبراطور البيزنطي كان يعمل على كل الجهات ، ويتعامل بحرفيَّة عالية جدًّا مع الأمور، ويعرف احتياج الصليبيين إلى المساعدة .

إجتمع الصليبيون لمناقشة رأي الإمبراطور ، ولا شك أنهم كانوا في أزمة ، خاصةً أن أدهمار - المندوب البابوي - كان قد مات في أنطاكية بعد سقوطها بعدة أيام، وافتقد الجيش الصليبي الزعامة الرُّوحيَّة المجمِّعة، وصار كقوات التحالف التي لا يربطها رباط وثيق، فقد يقوم الإمبراطور بهذا الرباط ، فوق أنه ستحمل تبعات خطيرة سواء في الأموال أو في الأرواح ، فكانت هذه إيجابيات واضحة، لكنها لم تكن بلا سلبيات ، فالإمبراطور مخادع ، وقد يكون هذا مجرَّد تخدير للجيش الصليبي ، وقد تركهم قبل ذلك لمصيرهم في حرب كربوغا مع أنه وعدهم بالقدوم لنُصرتهم ، ثم هو يتعامل مع العبيديين الذين كانوا يحكمون بيت المقدس الآن ، هذا كله إضافةً إلى أن قدومه سيجعل بيت المقدس حقًّا خالصًا له، وهم - أي الزعماء الصليبيين - يريدونه لهم لا للإمبراطور .

ماذا رأى الزعماء الصليبيون ؟!

تزعَّم ريمون الرابع رأيًا يُنادي بإنتظار الإمبراطور، وهذا الرأي لم يكن بالطبع لمصلحة الجيوش الصليبيَّة إنما كان لمصلحته هو ، فالإنتظار سيعطيه فرصة أكبر لتحقيق حلمه بتكوين إمارة له في طرابلس ، وقد تساعده في ذلك القوات البيزنطية ، وسوف يعلم الإمبراطور البيزنطي القوي أن ريمون الرابع كان مناصرًا له ، وهذا قد يساعده كثيرًا في إستقرار أوضاعه ..

أمَّا جودفري بوايون فقد رأى رأيًا آخر ، لقد رأى أن إنتظار الإمبراطور تضييعٌ للوقت وللجهد ، وبِنَاء لقصور من الرمال ، وأنه من الأصلح أن تتوجَّه الجيوش مباشرة إلى بيت المقدس ، خاصَّة أن المقاومة الإسلاميَّة منعدمة في هذه المناطق حتى الآن .

وتَنَازَعَ الزعيمان ، وظهر التوتُّر بينهما ، والقضية لم تكن خالصة للربِّ ؛ فريمون له أطماع في طرابلس ، وجودفري له أطماع في بيت المقدس ، والأطماع متعارضة وإن كان الجيش واحد !!

وقف الزعماء جميعًا مع رأي جودفري بوايون ، وهذا رفع أسهمه أكثر وأكثر، وصار فعليًّا القائد الأعلى للجيوش الصليبيَّة , وعاند ريمون وأصرَّ على استكمال حصار عِرْقَةَ حتى إسقاطها، على الرغم من مرور أكثر من شهرين على حصارها دون فائدة وتأزَّم الموقف ومرَّت الأيام !!

وأخيرًا ، وفي (492هـ) 13 من مايو 1099م، وبعد حصار ثلاثة أشهر ونصف، اضطر ريمون لرفع الحصار لفشله في إسقاط المدينة الصغيرة عِرقة ، ولا شكَّ أن إسقاط طرابلس ذاتها سيكون أصعب وأصعب، ونزل ريمون على رأي جودفري وبقية الزعماء وقبلوا بجزية فخر الملك بن عمَّار , وأكملوا الطريق إلى بيت المقدس، بعد أن فقدوا وقتًا غاليًا، خاصَّة أن شهور الصيف قد قاربت على البدء، وهكذا بدأ الصليبيون في الاستعداد للرحيل، إلا أنهم فوجئوا بسفارة عبيدية مصرية تأتيهم عند أسوار طرابلس !!

ماذا يُريد العبيديون؟!

لقد جاءت السفارة محمَّلة بالأموال الغزيرة والهدايا الثمينة لكل قائد من قوَّاد الحملة ، وبعرضٍ من الدولة العبيدية أن تسهِّل حجَّ الصليبيين وكل النصارى إلى بيت المقدس (المحكوم حتى هذه اللحظة بالدولة العبيدية) ، على أن يدخل الحجاج إلى القدس غير مسلَّحين، وسوف تقرُّ الدولة العبيدية الصليبيين على ما تحت أيديهم من بلاد، سواء في آسيا الصغرى أو سوريا أو لبنان .
هكذا !!

ولكنَّ الصليبيين فاجئوا السفارة بالردِّ الساخر ، أنهم سيتمكَّنون من أداء الحج كما يريدون ولكن ليس بمساعدة الدولة العبيدية ، وهذا يعني إعلانًا مباشرًا للحرب , إذ كيف سيدخلون البلد دون سماح حُكَّامها ؟!

والحقُّ أن الموقف يحتاج إلى نظرة وتدبُّر ، وعودة للوراء قليلاً لنعرف شيئًا عن الدولة العبيدية، وعن تاريخ بيت لمقدس في هذه الفترة .

إن بعض المؤرِّخين - سواء من القدامى أو من المحدثين - يتعجَّبون من ردِّ فعل الدولة العبيدية تجاه الحملة الصليبية ، ومن حالة المعاملة الفجَّة التي ظهرت في أقوالهم وأفعالهم ، ومن بعض المواقف التي لا تُوصَف بأقل من أنها مخزية ومشينة ، ومع ذلك فالذي يُرَاجِع التاريخ يجد أنه لا عجب مطلقًا فيما رأيناه من ردِّ فعلٍ للدولة العبيدية تجاه الحروب الصليبية .

لقد كان من أهداف الدولة العبيدية الرئيسية منذ قامت هي أن تُحَارِب المسلمين السُّنَّة في كل مكان ، فقد حاربت أهل السُّنَّة في المغرب ، وقتلت العلماء والعُبَّاد ، وكان ذلك في سنة 296هـ ، ثم جعلت من همِّها أن تحارب الدولة السُنِّيَّة في الأندلس ، بل وتعاونت مع الصليبيين في شمال الأندلس ضد دولة عبد الرحمن الناصر رحمه الله ، ثم إجتاحت شمال إفريقيا ، وإحتلت مصر سنة 358هـ\ 969م ، وفعلت بعلمائها السُّنَّة مثلما فعلت في المغرب ، ثم توسَّعت في نفس السنة في الشام، وإحتلت بيت المقدس وكذلك دمشق , ودام هذا الإحتلال أكثر من مائة سنة ، لقد بقِيَ العبيديون في بيت المقدس حتى حرَّرها ألب أرسلان رحمه الله عن طريق قائده أتسز (الأقسيس) ، وذلك في سنة (463هـ) 1071م، ثم دخل بيت المقدس في مُلْكِ تتش بن ألب أرسلان سنة (471هـ) 1079م ، وتولَّى الإمارة حينئذ أرتق بن أكسب، ثم إبنه سكمان بن أرتق سنة (485هـ) 1091م تحت ولاية دقاق بن تتش مَلِكِ دمشق ..

ولكن العبيديين لم يُسَلِّموا بضياع بيت المقدس وفلسطين من أيديهم؛ ولذلك رحبوا بقدوم الصليبيين إلى آسيا الصغرى والشام لكي يشغلوا الأتراك السُّنَّة وينفردوا هم ببيت لمقدس وفلسطين ؛ ولذلك فقد استغلَّ العبيديون فرصة انشغال الأتراك في حرب الصليبيين، ووجَّهوا قوتهم لغزو بيت المقدس سنة (490هـ) 1097م ، وإستولَوْا عليه بالفعل , بل ولم يتورَّعوا عن القيام بمفاوضات مع الصليبيين لإقرارهم على الشام في مقابل إقرار الصليبيين لهم على فلسطين كما وضَّحْنَا .

إنه تاريخ طويل من الخيانة والعمالة والطعن في ظُهُورِ المسلمين السُّنَّة .

أمَّا الصليبيون فقد أخذوا قرار احتلال فلسطين، وخاصَّةً بيت المقدس ، فلا مجال عندهم الآن للتفاوض مع العبيديين، ومن ثَمَّ كان ردُّهم الساخر على سفارتهم .

وهكذا ترك الصليبيون طرابلس ووصلوا إلى بيروت فصيدا ثم صور ، والمسلمون في كل ذلك يتجنَّبونهم بالهدايا والأموال لكيلا يتعرضوا للإيذاء ، ثم اخترقوا لبنان إلى فلسطين، وعبروا نهر الكلب، وهو الحدُّ الفاصل آنذاك بين أملاك السلاجقة وأملاك الدولة العبيدية، فمرُّوا بعكا فقام أميرها العبيديّ بتمويلهم بالطعام والمؤن، ووعد بالدخول في طاعتهم بعد سقوط بيت المقدس !

ثم مرَّ الصليبيون بقَيْسَارِيَة ثم أُرْسُوف , ثم غيَّروا طريق الساحل، وشقُّوا البلاد شرقًا إلى الداخل صوب بيت المقدس، واحتلُّوا في طريقهم الرَّمْلَة، وهي مدينة صغيرة، ولكنها تسيطر على الطريق الواصل من بيت المقدس إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، فسيطر عليها الصليبيون ليؤمِّنوا طريقهم بعد ذلك إلى البحر ؛ حفاظًا على إمدادات السفن والأساطيل الأوربية ، وفي هذه المدينة (الرملة) توقَّف الصليبيون ليعقدوا اجتماعًا مهمًّا لتحديد خطوات الغزو، وكان ذلك في (492هـ) أوائل يونيو 1099م .

لقد بحث الصليبيون في هذا الاجتماع نقطة مهمة تُفَسِّر خطوات مستقبليَّة في الحملات الصليبيَّة ، لقد ناقشوا قضيَّة غزو القاهرة وإسقاط مصر !!

لقد فهم الصليبيون في ذلك الوقت المتقدِّم أن مفاتيح بيت المقدس موجودة في القاهرة ، ولم يكن هذا فقط لأن العبيديين يُسيطرون على بيت المقدس الآن ؛ فقد إتضح للصليبيين مدى هلعهم من قوَّة الصليبيين، ولكن للبُعْدِ الإستراتيجي المهمِّ لهذا البلد الكبير مصر، والذي يحدُّ فلسطين من جنوبها وغربها ، والذي به طاقة بشريَّة ضخمة ، وإمكانيات إقتصاديَّة عالية ، وشعور فطريّ بالتقارب مع فلسطين ، وخاصَّة فيما يتعلق ببيت المقدس ، وبه المسجد الأقصى ؛ لذلك فكَّر الصليبيون في هذا الاجتماع في قضية غزو مصر غير أنهم وجدوا أن قوتهم غير كافية لهذه الخطوة الجريئة ، خاصة أن عليهم إذا فعلوا ذلك أن يجتازوا حاجزًا صحراويًّا صعبًا وهو صحراء سيناء ، وقد تهلك فيه القوة الصليبية ؛ ولذلك عدلوا عن هذا الرأي ، وقرَّروا التوجُّه مباشرة إلى بيت المقدس ، لكن هذا الاجتماع أظهر فكرة ظلَّت مسيطرة على عقول قادة الحروب الصليبية وخلفائهم ، والتي وُضِعت بعد ذلك موضع التنفيذ في الحملتين الخامسة والسابعة من الحملات الصليبية، حيث تمَّ غزو مصر غزوًا صريحًاً ..

والسؤال :

أين الجيوش الإسلاميَّة في طول هذه المسافة التي قطعها الجيش الصليبي من أنطاكية إلى بيت المقدس، وهي مسافة تزيد على ستمائة كيلو متر ؟!

أليس في هذه المناطق كلها رجل رشيد ؟!

لقد افتقد المسلمون في هذه الآونة لمقوِّمات رئيسية من مقومات قيام الأُمَّة؛ لذلك قَبِلَتْ جموع المسلمين أن تَحُثَّ هذه الأقدام النجسة على طريقها إلى مسرى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وأُولَى القبلتين وثالث الحرمين ، وإلى الأرض المباركة ، دون أن يتحرَّك لهم ساكن ؛ ولذلك حُصِر المسلمون في بيت المقدس !

لقد عانى المسلمون في هذا الوقت من أمراضٍ شتَّى .. لقد عانَوْا من بُعْدٍ عن الدين ، وغياب للحميَّة الإسلاميَّة ، وإفتقاد للنخوة المستندة إلى عقيدة قويَّة صحيحة , وعانوا كذلك من فُرقة مؤلمة ، وتشتُّت فاضح ، حتى صارت كل مدينة إمارة مستقلة، ودويلة منفصلة ، بل ومتصارعة مع جيرانها المسلمين .

وعانوا أيضًا من افتقار لزعامة مخلصة متجرِّدة، تجمع الشتات في كيان واحد، وترغب في رفعة هذه الأمة دون نظر إلى مصالح الذات ورغبات النفس , كما عانى المسلمون فوق ذلك من رؤية واضحة للواقع الذي يعيشونه، وللأخطار المحدقة بهم ، وعانوا أيضًا من نقص حادٍّ في الدراية السياسية أو الكفاءة العسكريَّة .

لقد كانت الأُمَّة تمرُّ فعلاً بأزمة مركَّبة معقدة !

لكن إن كنا نتعجب من موقف الأمة وتخاذلها، فإن العجب يأخذنا وبشكل أكبر من موقف الصليبيين ! كيف أَمِنُوا على أنفسهم أن يخوضوا كل هذه المسافات في عمق العالم الإسلامي ، وهم لا يشعرون بخوفٍ ولا وَجَلٍ ؟! إنهم يتوغلون في كثافة بشريَّة عالية جدًّا ، ومحصورون بين عدة إمارات تحوي عدَّة جيوش مسلمة ، والمسافة بينهم وبين أوطانهم بعيدة هائلة ، فلو هُزِمُوا سُحِقُوا ، وليس لهم مهرب ولا منجى !

كيف إستطاعوا أن يتغلَّبوا على الخوف الفطريّ للبشر ، وقَبِلُوا بهذه المغامرة الخطيرة ؟!
إن الإجابة بأنهم خرجوا من ظروف صعبة جدًّا في أوربا - كما فسرْنَا في أوَّل الكتاب - جَعَلَت الحياة هناك أقرب إلى الموت ، وجعلت طموحهم في ترك واقعهم الأليم يطغى على أية رغبة أخرى ، وجعلت الموت في أرض فلسطين لا يفترق كثيرًا عن الحياة في أوربا الفقيرة آنذاك , إن هذه الإجابة فقط لا تشفي الغليل ، ولا تفسِّر عدم الرهبة ، وقلَّة الاكتراث الذي رأيناه في الجيوش الصليبية ؛ فالروح عزيزة على النفس ، وخاصَّةً إن لم يكن الإيمان باليوم الآخر والجنة وازعًا قويًّا يدفع إلى الموت .
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

فما تفسير هذه المعادلة الصعبة ؟

ولماذا بدت الشجاعة في قلوب الصليبيين واضحة جليلة ؟!

إن هذا يفسره لنا حديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - الذي رواه ثوبان ، وبه يفسِّر الأوضاع وكأنه يراها رأي العين ؛ قال رسول الله : "يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ". قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ .


إن الأمم الغربيَّة التي تداعت من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا وألمانيا لم تأتِ بهذه القوة والشجاعة إلاَّ لأنَّ الله عزوجل - نزع الرهبة من قلوبها من جموع المسلمين ، فصاروا لا يكترثون بهم ولا بأعدادهم وحصونهم وسلاحهم، ورأينا اجتماعات الصليبيين لا تُعَبِّر أبدًا عن خوف في صدورهم ، أو عن قلق من مقاومة المسلمين ، إنما يتحرَّكون هنا وهناك بحرية تامَّة، وباطمئنان كامل !!

والمسلمون على الجانب الآخر أُلقى في قلوبهم الوَهْن والضعف والخَوَر ، فيرتعبون لرؤية الجنود الصليبيين، ولو كان الصليبيون أقلَّ منهم في العدد، وأضعف منهم في العُدَّة .
ولنا مع الحديث وقفتان ، وإن كانت وقفاته كثيرة :

أمَّا الوقفة الأولى : فهي أن الله هو الذي ينزع الرهبة مِنَّا من قلوب أعدائنا، وهو الذي يلقي في قلوبنا الوهن ! وقد يقول قائل : ولماذا يفعل ربنا ذلك، مع أننا في النهاية مؤمنون ، وهم كافرون ؟! فنقول: إن الله أَبَى أن يُعِزَّ المسلمين إلا إذا ارتبطوا بالإسلام ، والتزموا بالقرآن والسُّنَّة ، ولو نَصَرَهُم وهم يُفْرِطون في الشرع لصارت فتنة عظيمة؛ إذ سيقول الناس : إننا لسنا في حاجة للإسلام، فقد نُصِرْنَا بغيره؛ لذلك تحدث مثل هذه المواقف العجيبة ليلتفت المسلمون إلى دينهم، وليضع المسلمون أيديهم على مفاتيح النصر الحقيقيَّة .

أما الوقفة الثانية : فإنها مع السبب الذي من أجله حدثت كل هذه التداعيات المؤلمة ، إنَّ وصف الحدث والمأساة أخذ كلمات كثيرة ، ولكن السبب وراء كل ذلك لم يأتِ إلاَّ في جُمْلَتين قصيرتين : حُبّ الدنيا، وكراهية الموت .

إن المسلمين تعلَّقوا بالدنيا تعلُّقًا غير مقبول ، حتى صاروا يكرهون الموت في سبيل الله، وأُمَّة ترهب الموت لا بُدَّ أن تُقْهَر، وأُمَّة تعشق الدنيا لا بُدَّ أن تذلَّ ، والدنيا ملعونة كما ذكر رسولنا , والمتمسِّك بها يهلك، ليس هذا فقط بل وتضيع منه الآخرة .

إن هذا السبب يُفَسِّر لنا التخاذل الرهيب الذي رأيناه من جموع المسلمين التي كانت تخرج إلى الصليبيين وهي تحمل الهدايا النفيسة ، والأموال الطائلة ، لكي يتركونهم "يعيشون"! مجرَّد حياة ، أيًّا كانت هذه الحياة، وهذا - والله - هو الهوان بعينه .

هكذا حُصِرَ المسلمون المتمسِّكون بدُنياهم في بيت المقدس، وراقب المسلمون البعيدون عن القدس الموقف في سكون، ينتظرون اليوم الذي ستدور عليهم فيه الدوائر !!

غادر الصليبيون الرملة في (492هـ) 6 من يونيو 1099م، ووصلوا حول أسوار بيت المقدس في (492هـ) 7 من يونيو 1099م. لقد وصلوا إلى المحطَّة الأخيرة في الخُطَّة التي وضعها البابا أوربان الثاني في كليرمون بفرنسا قبل هذا الموقف بأكثر من ثلاث سنوات ونصف .

ويفيض هنا المؤرخون الأوربيون في وصف مشاعر الصليبيين عندما رأوا المدينة المقدسة ! وليس هذا إلاَّ لتجميل الوجه القبيح للغزو الصليبي البشع، فهذه الجموع كثيرًا ما تردَّدت في الوصول إلى هذا المكان؛ لأنهم قَنَعُوا في الطريق بممالك أخرى، وهذه الجموع تنازعت كل أنواع الدنيا من مال وأسلاب وأملاك وزعامة، وهذه الجموع أقسمت الأَيْمان ثم غدرت، وهذه الجموع سترتكب في داخل المدينة المقدسة ما تخجل منه الإنسانية جميعًا !!

بدأ الحصار المحكم حول المدينة في يوم 7 من يونيو 1099م , ولم يُضَيِّع الصليبيون وقتًا، بل أخذوا يقصفون المدينة معتمدين على عدد كبير من آلات الحصار كانوا يصحبونها معهم ولم يمْلِك المسلمون في داخل المدينة إلاَّ محاولة المقاومة اليائسة، والمطاولة قَدْرَ ما يستطيعون .

وفي يوم 15 من يونيو 1099م، وبعد أسبوع من الحصار وصلت إلى ميناء يافا بعض السفن الجنويّة تحمل المؤن والسلاح وبعض الجنود، واستطاعت هذه السفن القليلة أن تُسيطر على ميناء يافا بسهولة؛ لأن السكان هجروا المدينة بعد أن اقترب الصليبيون من أُرْسُوف! وكان لهذه الإمدادات أكبر الأثر في تثبيت أقدام الصليبيين , ومن ثَمَّ ازداد الحصار ضراوة وقوة، ومرَّت الأيام الصعبة، والعالم الإسلامي يُشاهِد الجريمة في صمت، ومرَّ شهر كامل والمدينة محاصَرة ، وأصبح الموقف صعبًا على الفريقين؛ إذ بدأت حرارة الصيف تُلهب رءوس الصليبيين، فهذا شهر يوليو بشمسه الملهبة وترامت بعض الأخبار أن العبديين أخرجوا جيشًا من مصر لإنقاذ المدينة المحاصَرة، فأسرع الصليببيون الخطوات لكي يُسقطوا المدينة المقدسة قبل أن يتعرضوا للمشاكل التي عانوا منها في حصار أنطاكية ، وصنع الصليبيون بُرجين خشبيين للارتفاع فوق أسوار المدينة، وقد تم صنع هذين البرجين باستخدام خشب الأسقف من المنازل ببيت لحم بعد هدمها ، وبدأ الهجوم باستخدام الأبراج، وأحرق المسلمون البرج الأول باستخدام السهام المشتعلة ، غير أن الصليبيين إستطاعوا الضغط على المدينة باستخدام البرج الثاني، وعبر الجنود الصليبيون فوق الأسوار إلى داخل المدينة , واستطاعوا فتح الأبواب من الداخل، ومن ثَمَّ تدفَّق الصليبيون بغزارة داخل المدينة المقدسة !! وكان ذلك في يوم الجمعة 22 من شعبان سنة 492هـ الموافق 15 من يوليو سنة 1099م ، وهو من الأيام المحزنة التي لا تُنْسَى في تاريخ الأُمَّة ..

ولم يكن للمسلمين المحاصرين في داخل القدس من هَمٍّ إلاَّ الفِرار من وجه الجنود الصليبيين الذين كانت تبدو عليهم علامات الوحشيَّة والبربريَّة .

وتساؤل مهمٌّ :

أين كانت الحامية العسكريَّة العبيديَّة، وقائد المدينة العبيديّ إفتخار الدولة؟

لقد تركوا الشعب وذهبوا إلى محراب داود واعتصموا به ثلاثة أيام ، ثم في ظروف غامضة تم إخراجهم بواسطة الصليبيين في أمان تام , حيث نُقلوا إلى عسقلان ومنها إلى مصر دون أن يلحقهم أذى !! مما يؤكِّد أنهم إتفقوا مع الصليبيين على تسليم المدينة مقابل الأمان لهم ..وتُرِكَت المدينة بلا جيش !

وانطلق الصليبيون الهمج ليستبيحوا المدينة المستسلمة ، ولم يجد السكان المذعورون أملاً في النجاة إلا في الاعتصام بالمسجد الأقصى؛ لعل الصليبيين يحترمون قدسيَّة المكان، أو حُرمة دُور العبادة، لكن هذه المعاني لا تشغل عقول الصليبيين، لا من قريب ولا من بعيد ,وذُبح في المسجد الأقصى سبعون ألف مسلم، ما بين رجل وامرأة وطفل!! وهؤلاء هم كل سكان المدينة تقريبًا، فقد صُفِّيَتْ تمامًا، ولم ينجُ منها إلا الحامية العسكريَّة العبيديَّة ..


هذه هي الحملة الدينيَّة التي جاءت من أجل الربِّ، وخدمة للمسيح عليه السلام! وصمة عار حقيقية في جبين أوربا لا تُنْسَى على مرِّ العصور ! لقد ذكر وليم الصوري - وهو أحد مؤرِّخي الحرب الصليبية - أن بيت المقدس شهد عند دخول الصليبيين مذبحة رهيبة، حتى أصبح البلد مَخَاضَة واسعة من دماء المسلمين، أثارت الرعب والاشمئزاز ,
بل وذكر مؤرِّخ معاصر للحروب الصليبية أنه عندما زار الحرم الشريف غداة المذبحة الرهيبة التي أحدثها الصليبيون فيه ، لم يستطع أن يشقَّ طريقه وسط أشلاء المسلمين إلاَّ في صعوبة بالغة، وأن دماء القتلى بلغت ركبتيه ..

والجدير بالذكر أن القتل في هذا اليوم لم يكن خاصًّا بالمسلمين فقط، بل عانى منه اليهود أيضًا ، فلقد جمع الصليبيون اليهودَ في الكَنِيسِ ثم أحرقوه عليهم ! لقد كانت مجزرة تَطَهُّر عرقيّ بمعنى الكلمة .

ومع وصول الخبر إلى كل بقاع العالم الإسلامي سادت موجة كئيبة من الحزن والكمد، ولكنه - للأسف - كان حزنًا سلبيًّا، بل كان حزنًا مُقعِدًا شلَّ المسلمين عن الحركة، فلم نسمع عن حركة جيش لتحرير الأقصى والقدس وفلسطين، كما لم نسمع آنذاك نداءً شعبيًّا يُطالِب الحكام بحمل المسئولية , لقد كانت أزمة دينيَّة أخلاقية، شملت الشعوب جميعًا بحكَّامها ومحكوميها .

وفي نفس الوقت عمَّت الفرحة أرجاء العالم المسيحي ؛ فبيت المقدس لم يُحكم بالنصارى منذ خروج الدولة النورمانية منذ العام 16هـ\ 637م ، أي منذ أكثر من أربعمائة وسبعين سنة، وبيت المقدس كان الهدف الرئيسي المُعلَن للحملة الصليبية ، ومعنى هذا أن هذا هو أدلُّ برهان على نجاح الحملة وخطتها ، ونجاح البابا أوربان الثاني فيما خطط له، لكن من الجدير بالذكر أن البابا أوربان لم يسعد بسماع أخبار سقوط بيت المقدس في أيدي جنوده، فقد مات في 29 من يوليو 1099م، أي بعد سقوط بيت المقدس بأسبوعين، لكن الخبر ينتقل من القدس إلى روما في وقت أطول من هذا بكثير، ومن ثَمَّ فقد ترك الدنيا دون أن يعرف أن ثمرة جهده على وجه التحقيق ! وما نحسب أنه كان سيحزن للمذابح التي إرتكبت باسم المسيح في بيت المقدس ؛ لأنه شاهد قبلها مذابح أنطاكية ومعرَّة النعمان ولم يتكلم، بل وشاهد مذبحة سملين ضد نصارى المجَرِ ولم يتحرك ، كما أن البابا الذي تولى مكانه - وهو باسكال الثاني - لم يُعَلِّق على الأمر مطلقًا، بل ولم يُعَلِّق عليه أيٌّ من البابوات على مر التاريخ ، مع إعتراف جميع المؤرخين بأن هذه الحادثة البشعة راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء، ومع أنَّ بعض البابوات إعتذروا لليهود عن مذابح هتلر لهم ، بل ورفعوا من على اليهود إثم تهمة قتل المسيح ، مع قناعة المسيحيين - على خلاف عقيدتنا - أنه قُتل .

لقد صار السكوت على هذه الجريمة المنكرة أمرًا مطَّردًا وكأنه عقيدة يتوارثها الناس ، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن الروح الصليبية القاسية التي قادت الجيوش إلى مثل هذه الأفعال ما زالت تسري في أجساد كثير من القادة، سواء القادة المدنيين أو العسكريين أو الفكريين .

ونعود إلى بيت المقدس !

بعد أن خمدت الحركة تمامًا في بيت المقدس، واختفى المسلمون كُلِّيَّة من المدينة، دخل زعماء الحملة الصليبيَّة في مساء يوم سقوط القدس إلى كنيسة القيامة ليُصَلُّوا للربِّ على توفيقهم في هذا العمل، فلا شك أن كلاًّ منهم كان يُصَلِّي للربِّ أيضًا أن يُوَفِّقه في "حُكْمِ" المدينة المقدسة !! ودليل ذلك ما حدث بعد يومين من السيطرة على المدينة، وتحديدًا في 17 من يوليو 1099م حيث اجتمع الزعماء المتناحرون الطموحون لتنازع سلطة حكم بيت المقدس !
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

من يحكم بيت المقدس ؟

إن القضية شائكة جدًّا ، والأطراف المتنازِعة عليها كبيرة وكثيرة، وليس الإغراء في قصَّة بيت المقدس إغراء ثروة ومُلْكٍ فقط، بل هو إغراء شرف ورفعة كذلك؛ فالذي سيحكم بيت المقدس سيُصبح قِبْلَة النصارى من مشارق الأرض ومغاربها، وسينال وضعًا خاصًّا في الكنيسة العالميَّة، سواء كانت الغربيَّة أو الشرقيَّة أو الأرمينيَّة أو غيرها، وسيحفر اسمه في التاريخ كلِّه، فالقدس محطُّ أنظار كلِّ الديانات، ويُعَظِّمها المسلمون والنصارى واليهود .

إنها مدينة ذات طابع خاصٍّ جدًّا، لعلَّه لا يتكرَّر مع أي مدينة أخرى في العالم.
مَن هم المتنازعون على حكم بيت المقدس ؟

هناك زعماء الحملة الصليبيَّة الذين لم يغنموا بمُلْكٍ بعدُ، ولم يحصلوا على ما حصل عليه بلدوين في الرها أو بوهيموند في أنطاكية .
هناك جودفري بوايون أمير الجيش الذي خرج من شمال فرنسا واللورين وألمانيا، وكان من بداية خروجه وهو يأخذ طابعًا مميَّزًا يرفعه فوق بقيَّة القوَّاد؛ وذلك لانضمام عدد كبير من الأمراء تحت قيادته، ومعظم هؤلاء الأمراء أقوياء، بل إن هناك بلدوين الذي كان تحت قيادته، وهو يحكم الآن إمارة مستقلَّة هي الرها وكان جودفري بوايون يتبع في ولائه للإمبراطور الألماني القويّ هنري الرابع، وهذا يُعطِيه قوةً أكبر، ثم إنه كان محبوبًا من بقيَّة زعماء الحملة، حيث كان صدره متَّسِعًا لآرائهم، وكانت له الكثير من الآراء الحكيمة في أثناء سير الحملة ومعاركها ؛ وعلى هذا ففرصته في ولاية الأمر في بيت المقدس كبيرة .

وهناك أيضًا ريمون الرابع الذي حاول منذ بداية الرحلة أن يُضْفِي على نفسه شكلاً دينيًّا، وأن يجعل من نفسه وكأنه قائد الحملة بكاملها؛ لأنه صديق للبابا أوربان الثاني، ويتكلَّم كثيرًا عن الصليب والمسيح، ومن ثَمَّ فهو يعتبر نفسه أولى الناس بزعامة هذا المكان المقدَّس، ثم إن ريمون كان يُبَالِغ في تقدير إمكانيات نفسه، وكان هذا يبدو في شكل غطرسة وتكبُّر جعلت مكانته في قلوب بقية الزعماء تقلُّ , وجعلهم يرغبون في مخالفته لا لشيء إلا لإثبات وجودهم وعدم رغبتهم في أتِّبَاعه .

وهناك أيضًا بقيَّة الزعماء، وإن كانت فرصهم أقلَّ، مثل تانكرد النورماني ابن أخت بوهيموند الذي رفض البقاء مع خاله في أنطاكية؛ لأن لتانكرد أطماعه الخاصَّة، ولا يريد أن يكون تابعًا لأحد، بل يطمع في أن يكون أميرًا على إمارة خاصَّة به، وظهر ذلك منذ أوَّل أيام الحملة الصليبية في منطقة آسيا الصغرى، عندما كان يتنازع مع بلدوين على إمارة طَرَسُوس وغيرها .

أمَّا روبرت أمير الغرب الفرنسي فكان يُدْرِك أن إمكانياته أقلُّ من السابقين؛ ولذلك كان قانعًا بكونه قائدًا تابعًا لغيره، لا مستقلاًّ بذاته .. فهؤلاء هم زعماء الحملة الصليبية والمرشَّحون لولاية الكرسيِّ المهمّ في بيت المقدس .

لكن هل هم فقط الذين يطمعون في هذا الكرسيِّ؟!

إن هناك دون أدنى شكٍّ أطماع الكنيسة الكاثوليكيَّة، فالحملة خرجت من الأساس بتوجيه من البابا أوربان الثاني، والكنيسة كما ذكرنا قبل ذلك لم تكن شَرَفِيَّة فقط في هذه الأيام، إنما كانت قوَّة مؤثِّرة، لها إقطاعياتها وجيوشها وأموالها، والبابا له أطماع حكم كعامَّة الملوك والأمراء بل أشدّ، وهذا بيت المقدس ، وولاية الكنيسة عليه أمر منطقي تمامًا، لكنَّ الكنيسة مُنِيَتْ في الأيام الأخيرة بضربتين كبيرتين ؛ أما الأولى فوفاة المندوب البابوي المصاحب للحملة أدهمار، الذي تُوُفِّيَ في أنطاكية منذ عام واحد تقريبًا ، ولو كان موجودًا لكان تسلُّمه بيت المقدس أمرًا منطقيًّا تمامًا , والضربة الثانية كانت وفاة أوربان الثاني الذي حرَّك الجموع لهذه الحرب، ولا شكَّ أن حميَّته للقضية كانت أشدَّ من حميَّة البابا الجديد باسكال الثاني ، ومن ثَمَّ فإن مساحة حرِّيَّة الحركة عند الأمراء ستكون أوسع في ظلِّ الوضع الجديد .

ولقد كان النزاع قديمًا في أوربا بين العلمانيين اللادينيين وهم هنا طبقة الأمراء ، والكنسيين وهم البابوات والأساقفة والقساوسة ، ولا شكَّ أن في الظروف التي وصفناها صارت فرصة العلمانيين لولاية بيت المقدس أكبر وأعظم ..

غير أن هناك قوَّة أخرى كانت تطمع في ولاية بيت المقدس، وهي قوَّة الدولة البيزنطيَّة، ومن المؤكَّد أن أطماع ألكسيوس كومنين لا تقف عند آسيا الصغرى ، ومن المؤكَّد أيضًا أنها لا ينسَوْنَ تاريخًا قديمًا كانوا يحكمون فيه فلسطين بكاملها بما فيها بيت المقدس، والدولة البيزنطيَّة الآن ترى القوة الإسلاميَّة المنافِسَة لها تتهاوى، وفرصة استعادة الأملاك القديمة واردة، والجميع في هذه الحملة - باستثناء ريمون - كان قد أقسم يمين الولاء للإمبراطور البيزنطي، وحتى ريمون نفسه كان قد أقسم بحماية شرف الإمبراطور، كما أنه بالغ في تضخيم دور الإمبراطور في الأيام الأخيرة وأثناء حصار طرابلس .

هذا كله يعني أن الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة من المتوقَّع ألا تسكت على السيطرة الصليبيَّة على بيت المقدس ؛ ولذلك كان من الضروري للصليبيين أن يختاروا زعيمًا بسرعة يُرَتِّب الأوضاع، وينظِّم الجيوش ، ويستعدُّ للأيام القادمة، خاصَّةً أن الدولة العبيديَّة قد تُحَاول استرداد بيت المقدس بعدما ظهرت لها أطماع الصليبيين بوضوح، كما أن المسلمين في الشرق وفي الخلافة العباسيَّة قد يكون لهم دور في الأيام المقبلة .

من التحليل السابق يظهر أن التنافس محصور بين القائدَيْنِ العسكريين جودفري بوايون وريمون الرابع، ولكي لا تحدث مشاحنات بين الزعيمَيْنِ اجتمع عموم الزعماء ليختاروا مَنْ يتولَّى زعامة بيت المقدس، وكان هذا في 17 من يوليو 1099م ..

ومع أن الأمير ريمون كان أغزر مالاً وأعظم ثروة، ومع أنه كان أكثر طموحًا في التملُّك إلاَّ أن الأمراء اجتمعوا على اختيار جودفري بوايون ليكون حاكمًا لبيت المقدس ؛ لأنهم في وجوده سيكون لهم رأي وأطماع، على العكس من ريمون الذي يتصلَّب في رأيه، ولا يقبل أحدًا معه في الحكم

وهكذا أصبح جودفري بوايون زعيمًا لبيت المقدس!

وقد حاول جودفري بوايون عند ولايته لبيت المقدس أن يُبْدِي شيئًا من التواضع يتناسب مع المهمَّة الدينيَّة المزعومة التي خرجوا من أجلها، فقال في البداية أنه يرفض هذه الولاية؛ لأن هذا شرف كبير لا يستحقُّه ليعطي الانطباع الكاذب أنه لم يأتِ إلى هذه البلاد طمعًا في مُلْكٍ، ولا حُبًّا في سيادة، ثم قَبِل بعد ذلك - بالطبع - عندما أصرَّ الأمراء عليه، ثم رفض لقب أمير أو ملك، واختار أن يُلقَّب بلقب ديني يدلُّ على تواضعه، وهو "حامي بيت المقدس" ، كما رفض أن يَلْبَسَ تاجًا من الذهب والمجوهرات في بلدٍ لَبِسَ فيه المسيح تاجًا من الشوك !

لقد كانت تمثيليَّة متقنة لإقناع العالم أن الصليبيين ما جاءوا إلى هذا المكان إلاَّ نصرة للدِّين، وأن زعماء هذه الحملة طيِّبون مخلصون متواضعون !

ولقد تعجَّبت كثيرًا عندما قرأت لبعض المؤلِّفين المسلمين الذين كتبوا عن الحروب الصليبيَّة من مراجع غربيَّة صليبيَّة، عندما وجدتهم يقولون : إن اختيار جودفري بوايون كان يرجع إلى طيبته، وكذلك إلى تواضعه وتقواه !!

يقولون هذا الكلام وينسَوْنَ أن هذا الاختيار له كان في يوم 17 من يوليو 1099م، أي بعد يومين فقط من ذبح سبعين ألف مسلم مدني من الرجال والنساء والأطفال ، وقَبْلَهُ ذبح أهل أنطاكية ومعرَّة النعمان كما مرَّ بنا .. إنها أزمة النقل الحرفي عن المؤرِّخين الغربيين دون إعطاء فرصة للعقل أن يتدبَّر أو يفهم !

إن التفسير المنطقي لهذه التصرفات من جودفري بوايون هو محاولة كسب ودّ وتعاطف بقيَّة الزعماء ليتمكَّن من السيطرة على الفِرَقِ المتباينة والمختلِفة في داخل الحملة الصليبيَّة، والذي يُفَسِّر اختياره لِلَقَبِ "حامي بيت المقدس"، وهو التقرُّب والتزلُّف للكنيسة لتَقْبَل به حاكمًا على بيت المقدس، فالتنافس بصفة عامَّة بين الملوك والأمراء وبين الكنيسة على المناصب والإقطاعات والسلطات كان كبيرًا ومشتهرًا في أوربا، فإذا أضفنا إلى ذلك أن المتنافَس عليه الآن هو مدينة القدس المقدَّسة، وإذا أضفنا أن المحرِّك للجموع الصليبية والمدبِّر لكلِّ تفصيلات الحملة كان أحدَ البابوات المهمين في تاريخ أوربا وهو أوربان الثاني، إذا أدركنا كلَّ ذلك عرفنا أنَّ الجميع كان يتوقَّع قيادة كنيسة بيت المقدس، وهذا يفسِّر محاولة جودفري بوايون الظهور بشكلِ الرجل المُتَدَيِّن جدًّا ليجمع بين صفات الملوك وصفات القساوسة !

ويُعَضِّد هذا ويؤكِّده ما فعله الصليبيون الزعماء، وفي مقدِّمتهم جودفري، حين قاموا باختيار بطريرك جديد للقدس، فاختاروا رجلاً ضعيفًا ليس له تاريخ مُشَرِّف، بل إنَّ هناك طعوناتٍ كثيرةً في أخلاقه بصفة عامَّة، وفي سلوكه أثناء الحملة الصليبيَّة بوجه خاصٍّ، وهذا الرجل هو أرنولف مالكورن، وهذا حتى لا يكون له أطماع في قيادة بيت المقدس، وسنرى في مستقبل الأحداث أنه ما إن يأتي رجل قوي يُمْسِك بزمام الكنيسة إلا وستكون له أطماع واضحة في حكم هذه المدينة المقدَّسة .

هذا ما يمكن أن يقال عن تواضع جودفري بوايون قائد الحملات الصليبيَّة!

ثم إنه بمناسبة الحديث عن الكنيسة في بيت المقدس، فإنه يجب أن نعرف أن الصليبيين غيَّروا الأوضاع تمامًا في المدينة، فاستبعدوا القساوسة الأرثوذكس من كنيسة القيامة، ممَّا أثار استياء المسيحيين المحلِّيِّين ، لكن لم يكن لهم يَدٌ في التغيير، كما أَجْبَر جودفري القساوسة الأرثوذكس على إعادة صليب الصَّلبوت - أو الصليب الأعظم - وكانوا قد أخْفَوْهُ ، وهو الصليب الذي يزعمون كَذِبًا أن المسيح قد صُلِبَ عليه ، ولم يَعُدْ أمام الأرثوذكس في بيت المقدس سِوَى قَبُول هذا الوضع بعد فقدانهم الأمل في تعيين بطريرك أرثوذكسي ؛ ليفتقد المسيحيُّون الشرقيُّون جزءًا كبيرًا من الحريَّة التي كانوا يَنْعَمُون بها في ظلِّ حُكْمِ المسلمين !

والآن؛ وبَعْدَ سقوط بيت المقدس، هل تحقَّق حُلم الصليبيين وهدفهم، ومن ثَمَّ يَكُفُّون عن التوسُّع والاحتلال ؟! إنَّ نَفْسَ الإنسان تُحِبُّ دومًا التملُّك والتكاثر؛ يقول الله : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، ويقول رسول الله : لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لابْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ , فهذه رَغَبَات الإنسان بصفة عامَّة، فما بالُكم برغبات قُسَاة القلب، غلاظِ الطِّباع كهؤلاء الهمج الذين جاءوا من غرب أوربا ؟!

لقد بدأ الصليبيون فورًا في النظر إلى ما حولهم من مدن وقُرًى ليتوسَّعوا أكثر وأكثر، والحُجَّة هي تأمين المدينة المقدَّسة، وحماية الطرق المؤدِّيَة إليها !! والواقع الأليم الذي كانت تعيشه الأُمَّة جعل هذه الأحلام الصليبيَّة مؤلمة، فالمسلمون هنا وهناك افتقروا إلى زعامة مخلِصة تجمعهم على الكتاب والسُّنَّة، وافتقروا إلى وَحْدَةٍ تجمع شملهم، وافتقروا أيضًا إلى رُوحٍ جهاديَّة وحُبٍّ للموت في سبيل الله، فأذهلتهم مذابحُ القدس، وقرَّرُوا فعل أي شيء ليتجنَّبُوا الموت، ومن ثَمَّ أُطْلِقَتْ أيدي الصليبيين في فلسطين .

وكانت أوَّل المدن الفلسطينيَّة سقوطًا بعد القدس هي مدينة نابُلُس، التي تقع على بُعْدِ خمسين كيلو مترًا فقط شمال القدس، وكان سقوطها مزريًا؛ حيث جاء أهلها بأنفُسُهم لتسليم المدينة للصليبيين، فتَسَلَّمَهَا تانكرد في (492هـ) أواخر يوليو 1099م ..

وفي الرابع من أغسطس عام 1099م - أي بعد سقوط بيت المقدس بعشرين يومًا - وَصَل الجيش العبيديّ إلى ميناء عَسْقَلان لقتال الصليبيين ، واكتشف الصليبيون أمر الجيش وهو ما زال بالميناء، فأسرعت القوَّات الصليبيَّة من كل مكان، وحدث قتال كبير بين الجيشين، وخاصَّة أنَّ كلاًّ منهما يقوده الزعيم الأكبر في كل جيش؛ فجيش الصليبيين على رأسه جودفري بوايون، وجيش العبيديين على رأسه الأفضل شاهنشاه بن بدر الجَمَالِيّ ، وهو الوزير الأوَّل في مصر والمتحكِّم في الأمور بها، وهو أعلى سلطةً وأَجَلُّ من الخليفة العبيديّ نفسه .

دارت الموقعة في (492هـ) الثاني عشر من أغسطس عام 1099م، وما هي إلاَّ لحظات قليلة حتى تشتَّت شمل العبيديين، وقُتِلَ منهم العددُ الكبير، وفرَّ الأفضلُ الجَمَالِيُّ مع بعض مقرَّبيه على سفينة راجعًا إلى مصر، وكانت هذه المعركة خاتمة للمحاولات الجادَّة من الدولة العبيديَّة لاسترداد المفقود من أرض فلسطين ..

ثم إننا نحِبُّ أن نتوقَّف وقفة مع ما حدث بعد ذلك من الصليبيين تجاه مدينة عَسْقَلان المُسْلِمَة؛ لنرى طبيعة العَلاقة بين زعماء الجيش الصليبي وأهداف القتال والغزو، ولنعرف أيضًا طبيعة المسلمين في ذلك الوقت .

لقد حاصر الصليبيون فورًا مدينة عَسْقَلان مستغِلِّينَ الحالة المعنويَّة العالية لجنودهم، والإحباط الذي أُصِيبَ به المسلمون، وقد أُسْقِطَ في يَدِ المُسْلِمِينَ، فَهُمْ لا طاقة لهم بجودفري وجنوده، فماذا يفعلون ؟!

لقد ترامت الأنباءُ إلى داخل أسوار عَسْقَلان أنَّ الذي أخرج الحامية العبيديَّة من داخل بيت المقدس بأمان هو العهد الذي أعطاه إيَّاهم ريمون الرابع أثناء عملية الغزو ، ولعلَّه قد ترامى إليهم أيضًا أنَّ هناك خلافًا بين جودفري وريمون على زعامة الصليبيين، وقد يكون ريمون أعطى قبل ذلك الأمان لجنود الحامية نكايةً في جودفري، وكنوع من إثبات الوجود في داخل الجيش الصليبي، ومن ثَمَّ فقد رأى أهل عسقلان أنهم لو طلبوا الأمان من ريمون الرابع فإنَّ هذا سيكون أوقع ، حيث سَيَتَحَمَّس ريمون لمعارضة جودفري، ولكسب يَدٍ عند أهل عَسْقَلان، فهو رجل يبحث عن إمارة له، فلماذا لا تكون عَسْقلان هي إمارته، إذا كان سيُعْطيهم وعدًا بالحياة !

هكذا فكَّر أهل عسقلان ! ولقد صدق حَدْسُهم !

لقد تحمَّس ريمون لقضيَّة أهل عَسْقَلان، وتناقش فورًا مع جودفري لفكِّ الحصار عن عسقلان، لكن جودفري أيقن أنَّ ريمون لا يريد رفع الحصار عطفًا على أهل عسقلان، أو رغبة في إظهار محاسن الأخلاق، إنما أراد ذلك لتكون عسقلان إمارة له، وهذا يتعارض مع أهداف جودفري نفسه، فهو يريد لميناء عسقلان أن يكون تابعًا لبيت المقدس، حتى يكون له مخرجٌ كبير على البحر الأبيض المتوسط يستوعب الإمدادات البشريَّة والعسكريَّة والغذائيَّة القادمة لمدينة القدس الداخليَّة، كما يُريد موانئ تِجَارِيَّة تُنْعِشُ اقتصاديَّات بيت المقدس؛ لذلك رفض جودفري صراحة أنْ يُعْطِيَ عسقلان لريمون، وغضب ريمون جدًّا لدرجة أنه قرَّر أنْ يَنْسَحِبَ بجنوده من الحصار، مُفَضِّلاً أن تبقى عسقلان في يَدِ المسلمين على أنْ يأخذها جودفري بوايون ..

وهذا ما حدث بالفعل ! لقد ضعفت قوَّة الحصار عن المدينة بعد إنسحاب ريمون ، بل إنَّ ريمون أسرع إلى مدينة أخرى هي أُرْسُوف؛ ليقوم معها بنفس المهمَّة آملاً أن تكون أُرْسُوف هي إمارته، فأسرع خلفه جودفري تاركًا عَسْقَلان، وكرَّر نفس الحوار مع ريمون، فجودفري - الطيب كما يدَّعون، والتقيُّ كما يصفون - يُريد لأُرْسُوف أيضًا أن تكون تابعة له !

وإشتدَّ غضب ريمون، وإن كان لم يستطع أن يفعل شيئًا، كذلك شَعَرَ بقيَّة الأمراء أنَّ هذا الفكر الاستحواذي الذي يتعامل به جودفري سيمنعهم من تنفيذ أي طموح، أو امتلاك أي شيء، وخاصةً أنهم أضعف من ريمون؛ ولذلك فقد قرَّر الجميع أن يتركوا الساحة خالية لجودفري !

أما ريمون فقد توجَّه إلى الشمال في مناطق لُبْنَان والشام؛ ليبحث له عن مُلْكٍ بجوار أنطاكية، وأمَّا بقيَّة الأمراء - وعلى رأسهم روبرت النورماني، وروبرت دي فلاندر فقد قرَّروا العودة إلى فرنسا ، ولا شكَّ أنهم حُمِّلوا في عودتهم بكَمِّيَّات هائلة من الأموال والغنائم يُعَوِّضهم عن ترك الساحة بكاملها لجودفري وجنوده، وهكذا لم يبقَ مع جودفري من زعماء الحملة الصليبيَّة إلا تانكرد النورماني ، الذي آثر أن يبقى مع جودفري ولا يذهب إلى خاله بوهيموند ؛ حيث يُمْكِنُ له في فلسطين أنْ يستحوذَ على إمارة هنا أو هناك، ولو تحت حكم جودفري العامِّ، بينما سيكون الحُكْمُ في أنطاكية مقصورًا على خاله فقط !! إنها المصالح الشخصيَّة فقط هي التي تحكم تصرُّف كل زعيم من زعماء الحملة الصليبيَّة !
ولم يُخَيِّب جودفري ظنَّ تانكرد، إذ أَمَرَهُ أنْ يحتلَّ إقليم الجَلِيل، فإن وُفِّق في ذلك كان واليًا عليه، وتحمَّس تانكرد جدًّا للمهمَّة ، ولم تكن مسألةً صعبةً، فهو مع قلَّة رجاله، وضعف إمكانياته بعدَ رحيل العديد من الأمراء والجنود إلاَّ أنَّ أهل الإقليم كانوا أضعف، حتى إنَّه احتلَّه في فترة وجيزة، وأيضًا احتلَّ مدينة طبرية في سهولة بعد أن هرب منها أهلها ، وفَعَلَ الشيء نفسه في مدينة بيسان في الجنوب الشرقي لإقليم الجَلِيل، وهكذا صار إقليم الجَلِيل تابعًا للصليبيين وتحت إمارة تانكرد، على أن هذا الإقليم صار تابعًا لبيت المقدس وليس مستقلاًّ بذاته .

وهكذا صارت عدَّة مُدُنٍ من مُدُن فلسطين تحت سيطرة الصليبيين، منها بيت المقدس ويافا واللُّدُّ والرملة ونابُلُس وبَيْسَان وطبرية، وفي نفس الوقت لم يستطع الصليبيون في هذه المرحلة أن يحتلُّوا عكَّا أو عَسْقَلان أو أُرْسُوف، ولم يستطيعوا دخول لُبْنَان، حيث بقِيَت طرابُلُس وبَيْرُوت وصيدا في أيدي المسلمين ..

ومن الجدير بالذِّكر أنْ نعلم أنَّ القوَّة الصليبيَّة في كل هذه المدن الفلسطينيَّة المحتلَّة - بما فيها بيت المقدس - كانت ضعيفة جدًّا؛ لتَفَرُّقِ الحاميات الصليبيَّة بين هذه المدن الكثيرة، ولرجوع أعداد كبيرة من الجُنْدِ إلى فلسطين، وأيضًا لانسحاب ريمون بجيشه إلى الشمال بعيدًا عن فلسطين وعن نفوذ جودفري ، وعلى الرغم من هذا الضعف إلاَّ أنَّ المقاومة الإسلاميَّة آنذاك كانت أضعف ؛ حيث هُزِمَ المسلمون نفسيًّا قبل أن يُهْزَمُوا عسكريًّا، وشعروا أنَّ قتال الصليبيين ضربٌ من المستحيل ، وهذا أدَّى إلى استقرار الصليبيين على الرغم من قلَّة أعدادهم !

وقبل أن تتعجَّب لعلَّك ينبغي أنْ تُفَكِّرَ في بقاء اليهود في زماننا الآن بأعدادهم القليلة جدًّا وسط هذا الكمِّ الضخم الهائل من المسلمين؛ لندرك جميعًا أن القضيَّة ليست قضيَّة أعداد وعُدَّة، ولكنها قضيَّة دين وعقيدة وفكر ورُوح .

ولكن ينبغي أيضًا أن نَقِفَ وقفة مع جودفري وسياسته في السيطرة على الأوضاع في فلسطين، على الرغم من قلَّة أعداد جنوده واتساع المساحة المحتلَّة، لقد سلك جودفري عدَّة طُرُق لتأمين المناطق التي يحتلُّها، يَحْسُنُ بنا أن نَقِفَ معها بتدبُّر؛ فالتاريخ يتكرَّر!

أوَّلاً : عَمِلَ جودفري على تقوية وتحصين ميناء يافا فهو المَنْفَذ البَحْرِيُّ الوحيد حتى هذه اللحظة لبيت المقدس ، وهي شِرْيَان الحياة الذي ينبغي أن يَظَلَّ مفتوحًا وقويًّا ، ولقد قَوِي شأنُ يافا تِجَارِيًّا وعسكريًّا حتى أثَّرت في كل الموانئ المحيطة بما فيها موانئ مصر كالإسكندريَّة ودِمْيَاط ..

ثانيًا : الاتفاق مع الجمهوريَّات الإيطاليَّة على إمداد بيت المقدس بالأساطيل التِّجاريَّة والعسكريَّة؛ وذلك لحماية الشواطئ الفلسطينية، ولقد كانت الجمهوريَّات الإيطاليَّة في ذلك الوقت وخاصَّةً بيزا وجنوة والبندقيَّة تمتلك أقوى أساطيل البحر الأبيض المتوسط وهكذا سيطر الإيطاليُّون فعلاً على مجريات الأمور، فخَبَتْ جذوة الموانئ الإسلاميَّة كثيرًا , بل إنَّ الإيطاليين كانوا يهاجِمُون السفن القادمة من مصر؛ فيستولون على تجارتها ويقتلون تُجَّارَها ، ومع مرور الوقت ضعفت موانئ عكَّا وأُرْسُوف وغيرهما، ممَّا سيُسَهِّل بعد ذلك إحتلالَهم .

ثالثًا : سياسة الإرهاب والبطش والمذابح البشعة التي تُحْدِثُ آثارًا إعلاميَّة ضخمة ، ومن ذلك مثلاً ما فعلوه مع بعض المزارعين من أُرْسُوف الذين أمسك بهم الصليبيُّون أثناء خروجهم من حصونهم لرعاية أراضيهم الزراعيَّة، حيث لم يَكْتَفِ الصليبيُّون بقتلهم بل وقطعوا أنوفهم وأيدِيَهم وأرجلَهم؛ لبثِّ الرُّعْب في قلوب المسلمين ..

رابعًا: حرص الصليبيون على طريقة خبيثة تُمَكِّنُ لهم السيطرة على البلاد، وفي نفس الوقت تضمن لهم أنْ تسيرَ الأمور بصفة عامَّة على ما يُرَامُ، فسياسة الإرهاب وحدها لن تؤَدِّيَ إلى النتائج المرجُوَّة، حيث قد يُسيطر الصليبيون على الأوضاع أمنيًّا، لكنهم سيتأثَّرون سلبًا تجاريًّا ومدنيًّا، فأعداد الصليبيين قليلة، ومن ثَمَّ فهم يحتاجون إلى الفلاحين المسلمين ليزرعوا الأراضيَ الواسعة، ويحتاجون إلى العُمَّال المسلمين ليقوموا بأعمال البناء والتشييد وتمهيد الأراضي، بل وبِنَاءِ القلاع والحصون، وهم في نفس الوقت يحتاجون إلى الشعب المسلم هناك لكي يتعامل تِجَارِيًّا مع البضائع الإيطاليَّة والغربيَّة، وإلاَّ فتَوَقُّف التِّجارة سيؤدِّي إلى نفور السفن الإيطاليَّة عن البقاء في هذا المكان، ومن ثَمَّ ستضعف القوَّة البَحْرِيَّة لبيت المقدس .

من أجل ذلك كلِّه حرص جودفري على اتِّباع سياسة جديدة حقَّقت مصالح جمَّة للصليبيين، وهي سياسة مباحثات السلام !! لقد فكَّر جودفري في هذه السياسة الماكرة التي تُحَقِّق مصالح هائلة له، ودون أن يخسر شيئًا، لقد عرض على المدن الإسلاميَّة التي لم تسقط بعدُ أن تَعْقِد معه اتفاقيَّات سلام ، يبقى فيها الحُكْمُ في يَدِ الحاكم المسلم، ولا تدخل حامية صليبيَّة في داخل المدينة، وهذا الحُكْمُ الذاتيُّ سيُعْطِي الحاكمَ المسلم ما يرغب فيه من قوَّة تَسَلُّطِيَّة، ومن وضع اجتماعيٍّ ، وسيُعطي الشعب الأمانَ الذي يُريده، والاستقرارَ الاقتصاديَّ الذي يتمنَّاه، ولكن ما هو المقابل الذي سيأخذه جودفري ؟! إنه ليس من أدنى شكٍّ أنَّ أحلام جودفري التوسُّعيَّة لن تتوقَّف ، فلماذا يَقْبَلُ بمثل هذه المباحثات السِّلْمِيَّة، وهو الذي مَسَح منذ أَمَدٍ كلمة (السلام) من قاموسه ؟! إنها المصالح الهائلة المتحقِّقَة، وهي واضحة لكلِّ مُحَلِّلٍ ومدقِّق في الأحداث، إلاَّ مَنْ عَمِيَتْ بصيرته ، أو أَغْفَلَ النظرَ عمدًا؛ خيانةً منه للوطن والعِرْضِ والدِّين !!
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

وبعض هذه المصالح يتلخَّص فيما يلي :

أوَّلاً : ولعلَّ هذه أهمُّ المصالح مطلقًا، وهي "الاعتراف بدولة بيت المقدس الصليبيَّة"، أي الاعتراف أن بيت المقدس من حقِّ الصليبيين، وليس للمسلمين أن يُطَالِبُوا به في يوم من الأيام، وتُصْبِحُ المفاوضات هي التوثيق الطبيعي لهذا الكيان الصليبي، وهذا سيُعْطِي شرعيَّة قانونيَّة للصليبيين ضدَّ المسلمين، وأيضًا للبيزنطيين .

وهذا الاعتراف وإنْ كان شكليًّا في الوقت الحاضر إلاَّ أنَّ آثارَه في المستقبل ستكون مُعَقَّدة جدًّا، وسيُصْبِح من الصعب على الأبناء والأحفاد أن يُطالِبوا بحقٍّ فرَّط فيه الآباء والأجداد .

ثانيًا : الصليبيون يُعانُون من نقص في الأعداد، وهم وإن كانوا يسعَوْنَ الآن لاستقدام الأفواج النصرانيَّة من أوربا ليستوطنوا في فلسطين، إلاَّ أنهم في حاجة شديدة للأيدي العاملة، ونقص الأيدي العاملة سيؤدِّي إلى بوار الأرض وقلَّة الغذاء، وعدم القدرة على بناء المستوطنات والحصون، فلو كانت هناك عَلاقة سلام حقيقيَّة لخرج المسلمون البسطاء ليعملوا في الأملاك الصليبيَّة، وحين يكثُر الصليبيون القادمون من أوربا سيُطْرَد المسلمون من أعمالهم، وقد يُطْرَدون من البلد بكاملها .

ثالثًا : التُّجَّار الإيطاليُّون سيجدون مشْتَرِين لبضائعهم، وطريقًا مفتوحًا لبلاد الشرق بكاملها، ولا شكَّ أنَّ هذا إغراءٌ كبير للجمهوريَّات الإيطاليَّة يضمن بقاءها في المنطقة، وهي ضروريَّة جدًّا لتأمين الصليبيين .

رابعًا : ستؤَدِّي هذه المباحثات إلى تقطيع الوشائج والعَلاقات بين أهل فلسطين وبقيَّة أقطار العالم الإسلامي، فهذه الأقطار سَتَرَى أنَّ العَلاقة أصبحت سلميَّة بين العدوِّ والشعب المحتلِّ، وسيقولون أنَّ أهل البلد قد ارتضوا ضياعه، وفي ظلِّ غياب الفَهْمِ الإسلامي الصحيح لن يُدْرِكَ المسلمون في أقطار العالم الإسلامي أنَّ القضيَّة ليست فلسطينية محلِّيَّة، بل هي إسلاميَّة عامَّة، ولا يحقُّ لأهل فلسطين - حتى إذا أرادوا ذلك برغبتهم - أنْ يبيعوا البلاد لأعداء المسلمين .

خامسًا : سيحدث إنقسام خطير في المجتمع الفلسطيني ، وكذلك في المجتمع الإسلامي كَكُلٍّ؛ فهناك فريق سيَرْضَى بالتصالح مع الصليبيين من أجل الحياة، وسيرضى بالتعايش السلمي مع المحتلِّ، وسيقبل بالأمر الواقع ولو كان مُرًّا، وهناك فريق آخر سيرفع راية الجهاد في سبيل الله، ويرفض الظلمَ، ويأبى أن يبيع دينه وأرضه، وليس بمُسْتَبْعَدٍ أبدًا أن يتناحر الطرفان ويتصارعان، بل قد يصل الأمر إلى القتال بالسلاح، وهذا ما حدث تمامًا؛ إذ كان لِزَامًا في وقت من الأوقات على المجاهدين في سبيل الله أنْ يُقَاتِلوا أولئك الذين فَرَّطُوا في كل شيء من أَجْلِ كرسيٍّ أو صفقة أو أمان، ولا يخفى على أحد أنَّ حدوث مثل هذا التصارع سيؤدِّي إلى فشل الصفِّ المُسْلِم، وَثَبَاتِ المحتلِّينَ في الأرض .

سادسًا : ولعلَّ من أخطر نتائج هذه المباحثات هي أنها تُؤَدِّي مع مرور الوقت إلى تسكين الرُّوح العَدَائيَّة عند المسلمين تجاه الصليبيين المحتلِّين، فبعد مرور عدَّة سنوات أو أجيال لن تُصبح العَلاقة بين الفريقين عَلاقة ظالم ومظلوم، أو مغتصِبٍ ومنهوب، ولن يُنْظَرَ إلى الصليبيين على أنهم أعداءٌ مجرمون، ولكن ستُصبح العَلاقة عَلاقة صداقة وجِوَار، ومودَّة ووئام , وفي غضون هذه الأوضاع المقلوبة سيُنْزَعُ الجهاد من قلوب الأجيال القادمة، وسيرى المسلمون السفَّاح الصليبي رجلاً وديعًا محبًّا للسلام ، وقد يُطلَق على هؤلاء الراغبين في السلام أنهم الحمائم ، ويُطلق على مَنْ يرفُض هذا الوضع المُخِلّ أنه إرهابي يُرِيد زَعْزَعَة الاستقرار في المنطقة، وينظر تحت قدميه ولا يرى المستقبل .

سابعًا : في غضون هذه المباحثات السِّلْمِيَّة سيُحْرَم المسلمون من أيِّ استعداد عسكري، وستُقَيَّد حركتُهم، ولن يُسْمَح لهم بتكوين جيش، بل قد يحتفظون فقط بشرطة محلِّيَّة تُنَسِّقُ أمور مدنهم، دون القدرة على قتال الجيوش الصليبيَّة، وسيُسَيْطر الصليبيُّون على كل المحاور، ولن يخرج مسلم من بلده إلاَّ بإذن الصليبيين، وكذلك لن يدخل إلى هذه البلاد المُسْلِمَة مسلمٌ من بلد آخر، وهكذا ستمرُّ السنواتُ ويَنْسَى المسلمون في هذه البلاد كلَّ طُرُقِ الحرب والقتال، وتتَّسع الفجوة بين الصليبيين والمسلمين .

ثامنًا : سيدفع المسلمون في هذه البلاد إتاوة سنويَّة أو جزية للصليبيين في سبيل استمرار هذه العَلاقة السلميَّة، وهذه الجزية إضافةً إلى أنها ستستنزف الطاقات الإسلاميَّة، وستُنْعِش الكيان الصليبي فإنها ستهزُّ معنويًّا أهل البلد المسلم، فيشعرون دومًا بالتبعيَّة للكيان الصليبي .

هذه هي بعضُ المصالح التي رأت الجيوش الصليبيَّة أنها ستتحقَّق إذا ما أتمَّت مباحثات السلام مع مسلمي فلسطين، وهي مصالحُ هائلةٌ كما رأينا؛ ولذلك فليس مستَغْرَبًا أبدًا أنْ نرى جودفري السفَّاح الذي أشرف على ذبح سبعين ألف مسلم منذ أيَّام أو أشهر يمدُّ يَدَه بالسلام نحو المسلمين الذين لم يتعرَّضوا للمذبحة !! وما أكثرَ السفَّاحين الذين يمدُّون أيديهم بالسلام!! ولكن لاستكمال الصورة فإننا لا بُدَّ أن نَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما فعله الصليبيون هذا إنما هو مؤقَّت، وإلى أَجَلٍ مُعَيَّن، ويوم يَجِدُ الصليبيون في أنفسهم القدرة على نقض العهد، وإلغاء المفاوضات، واحتلال البلاد المسلمة فإنهم لن يتردَّدوا في ذلك مطلقًا، وستُصبح المعاهدة حبرًا على ورق، وسيحُلُّ السيف محلَّ غصن الزيتون، وسيدفع المسلمون ثمن الغِشاوة التي وضعوها على أبصارهم وهم يُسَاقُون إلى المقصلة على مَرْأًى ومَسْمَعٍ من العالمين .

وهكذا تمَّت هذه المباحثاتُ الآثمة - التي أُطْلِقَ عليها مباحثاتُ السلام - مع عدَّة مدن فلسطينية مثل عَسْقَلان وأُرْسُوف وعكَّا وقَيْسَارِيَة وغيرها ، وطالت أعمار ساكنيها قليلاً انتظارًا لزحف صليبي جديد عندما تحين الفرصة
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

- نور من شمال العراق !!


لقد مرت بنا كما رأينا لحظات عصيبة سواء في الشام أو آسيا الصغرى، ورأينا الاحتلال البغيض يضرب جذوره هنا وهناك ، ورأينا تخاذلاً كبيرًا من المسلمين ، وتهاونًا شنيعًا في الحقوق والمقدسات ، وحتى عندما رأينا نصرًا على الصليبيين ، كذلك الذي حدث في سنة (494هـ) 1101م رأينا خلفه صراعًا على الأرض بل حربًا معلنة بين الزعيمين المسلمين قلج أرسلان وغازي بن الدانشمند !

ولقد كان الوضع في الشام أكثر ترديًا من الوضع في آسيا الصغرى، فلم نألف مقاومة ولا دفاعًا، بل رأينا التسليم والإذعان وطلب المودة والصداقة مع زعماء الصليبيين ، مع كل ما ارتكبوه من مجازر ومذابح راح ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين ، بل يزيد , لكن هل يأتي زمانٌ على الأمة الإسلامية ينقطع فيه الخير، فلا يبقى مصلح ، ولا يظهر تقي ؟! إنَّ هذا أبدًا لا يكون !!

والذين يدعون إلى هذا اليقين ليس مجرد استنباط من حقائق التاريخ ، أو مجرد أمل ينقصه الدليل ، إنما هو وعدُ حقٍّ بشرنا به رسولنا حين قال : " لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" .

فالخير لا ينقطع من الأمة أبدًا ، ولا بد له من ظهور وسيادة ، وسيظل هناك دومًا من يحمل الراية ، ويحض على الفضيلة ، ويتمسك بالشرع ، ويحب الجهاد ، وسيظل هناك دومًا من يسعى إلى تحرير الأرض ، وحفظ العرض ، وردِّ الحق ، ولن يأتي زمان أبدًا تموت الهمة فيه أو تختفي , نعم وقد تضعف وتخبو ، ولكنها تظل دومًا باقية .

والذي ينظر إلى الأحداث أيام الحروب الصليبية يرى أمرًا لا يخفى على دارس ، وإن كان لم يأخذ نصيبه من التحليل والفقه .

وهذا الأمر هو كل حركة جهادية ، أو دعوة إصلاحية في هذه الفترة كانت تخرج من منطقة شمال العراق ! هذا في الوقت الذي خفتت فيه إلى حد كبير دعوات الجهاد في الشام ومصر وآسيا الصغرى، فهل هذه حقيقة ؟ وإن كانت كذلك فما السر وراءها ؟ إننا رأينا في ثنايا القصة خروج كربوغا أمير الموصل في جيش كبير لنجدة أنطاكية عند حصارها سنة (490هـ) 1097م ، ورأينا حصاره لإمارة الرها وهو في طريقه لأنطاكية ، ورأينا سعيه إلى جمع أمراء الشام في حرب مشتركة ضد الصليبيين ، ورأينا كيف خذلوه وتخلوا عنه، كلٌّ منهم بسبب أو عذر ، ولهذا لم يكتب لحملته النجاح كما رأينا ، لكنه على العموم كان الوحيد الذي قطع المسافات لحرب الصليبيين .

وسنرى بعد قليل غيره وغيره ممن سيحمل راية الجهاد ضد الصليبيين، بل سيخرج من نفس المكان عماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، وهم جميعًا أغنياء عن التعريف أو الوصف .

لماذا حدث كل هذا في هذا المنطقة، ولم نره في بلاد الإسلام الأخرى ؟!إننا لكي نفقه هذه الملاحظة لا بد لنا من العودة إلى التاريخ القريب لهذه المناطق ، وندرس الفارق بينه وبين تاريخ المناطق الأخرى ، ومن ثَمَّ نستطيع أن نفهم جذور هذه الحركات الجهادية والإصلاحية .

إننا إذا عدنا إلى منتصف القرن الخامس الهجري - أي قبل الحروب الصليبية بخمسين سنة تقريبًا - سنجد طغرل بك زعيم السلاجقة السني يدخل بغداد مخلِّصًا إياها من الحكم الشيعي المستبد والمتمثل في بني بويه ، وذلك بالتحديد في سنة (447هـ) 1055م , وكان طغرل بك - كما يصفه ابن الأثير - حليمًا عاقلاً من أشد الناس احتمالاً ، وكان يقول عنه أيضًا : "وكان رحمه الله يحافظ على الصلوات ، ويصوم الاثنين والخميس" .

ثم ملك من بعده ابن أخيه البطل الإسلامي الفذ ألب أرسلان الذي ملأ الدنيا عدلاً ورحمة وجهادًا وعلمًا ، ويصفه ابن الأثير بكلام جليل فيقول : " وكان كريمًا عادلاً عاقلاً ، لا يسمع السعايات (أي الوشايات)، وإتسع ملكه جدًّا ، ودان له العالم ، وبحقٍّ قيل له سلطان العالم ، وكان رحيم القلب ، رفيقًا بالفقراء ، كثير الدعاء ، وكان شديد العناية بكفِّ الجند عن أموال الرعية " .

رجل كهذا كان يحكم بلاد المسلمين ، وكان مركز حكمه وسلطانه في منطقة فارس والعراق ، وشمل عدله كل هذه الديار ، وحقَّق نصرًا غاليًا على الدولة البيزنطية في موقعة ملاذكرد سنة (463هـ) 1070م ، ما زالت الدنيا تتحدث عنه إلى يومنا هذا ، ولا شك أن هذا ترك أثرًا لا ينسى في شعبه ، وعلَّمه قيمة الجهاد في سبيل الله وأثره .

ولم يكن ألب أرسلان وحده هو الذي يربِّي هذا الشعب ، بل أنعم الله عليه بوزير من أعظم الوزراء في تاريخ الإسلام ، وهو من بطانة الخير التي تحض دائمًا على الخير ؛ قال رسول الله : "مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلاَّ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ" .

هذا الوزير العظيم هو نظام الملك الطوسي الذي كان من العلماء الأجلاء ، ومن المدافعين عن الشريعة والسنة ، ومن المحفِّزين على الجهاد والبذل، ومن الأشداء في الحق ، الرحماء مع الرعية ، وكان مثالاً يُحتذى في كل مكارم الأخلاق ، وكان اهتمامه بالعلم جليلاً وعميقًا ، وظل وزيرًا لألب أرسلان حتى وفاة ألب أرسلان في (465هـ) 1072م، ثم صار وزيرًا لابنه ملكشاه الذي إتسع ملكه حتى وصل إلى الصين والهند شرقًا ، وإلى الدولة البيزنطية والشام غربًا ، وكان ملكشاه على نهج أبيه ألب أرسلان محبًّا للعلم ، موقِّرًا للعلماء ، مقدِّرًا لقيمة الوزير الجليل نظام الملك ، حتى إنه قال له عند بداية حكمه : " قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك ، فأنت الوالد " .

ثم إن نظام الملك أسدى للأمة الإسلامية فائدة عظيمة هي من أجلِّ أعماله ، إذ قام بإنشاء عدد كبير من المدارس في كل أنحاء الدولة نسبت إليه ، فعرفت بالمدارس النظامية (نسبةٌ إلى نظام الملك) ، وهي نوع من المؤسسات العلمية التي هُيِّئ فيها للطلاب أسباب العيش والتعليم، حيث كان يجري فيها على طلبة العلم الرواتب الشهرية ، وكان يهتم بجلب أكابر العلماء للتدريس فيها، فدرَّس فيها مشاهير الفقه والحديث وسائر العلوم ، وكان من أهمِّ أدوارها مقاومة المد الشيعي ، والفكر الباطني الذي كان منتشرًا في كثير من البلاد آنذاك ، وعلى قمة البلاد التي كانت تحت الحكم الشيعي آنذاك مصر والشام .

وظل الوضع على هذه الصورة حتى قُتل نظام الملك سنة (485هـ) 1092م على يد الشيعة الإسماعيلية الباطنية، أي قبل الحروب الصليبية بست سنوات فقط .

ومن الجدير بالذكر أن السلطان العظيم ملكشاه تُوفِّي بعد وزيره نظام الملك بأكثر من شهر بقليل ! ولا أشك أنهما لو كانا في زمان الحروب الصليبية ما تركا بلاد المسلمين تنهب على هذه الصورة ، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل ، ورحمهما الله رحمة واسعة .

ولكن إن ذهب هؤلاء العظماء فإن أثرهما لم يذهب، فإنهما أورثا البلاد التي كانت تحت حكمهم حب الشريعة والدين ، ولعل من أبرز المعاني التي ارتفعت في زمانهما معنيين : العلم والجهاد ، ولا ترفع أمة إلا بهما ، ولا تذل أمة إلا بتركهما ، وهي معاني لا تزول بسرعة ، بل تظل محفورة في الأذهان حتى بعد موت الداعي لها بزمان وزمان .

كان هذا هو الحال في منطقة فارس والعراق وما حولها ، وهو ما عرف في التاريخ بدولة السلاجقة العظام ، والتي ورثها بعد موت ملكشاه ابنه بركياروق الذي كان حليمًا كريمًا صبورًا عاقلاً إلا أنه لم يكن على مستوى أبيه وجَدِّه ، وكثرت في عهده الفتن والصراعات ، وفي عهده دخل الصليبيون أرض الإسلام ، ومع كثرة انشغاله في الصراعات الداخلية فإنه لم يتردد في إرسال كربوغا أمير الموصل لنجدة أنطاكية كما مر بنا .

وإذا كنا نذكر أن هذا هو حال البلاد التي كانت تحت حكم السلاجقة العظام بصفة عامة، فإننا نذكر أن معظم الحركات الجهادية والإصلاحية كانت تخرج من شمال العراق ؛ وذلك لأنها أقرب الإمارات للشام وآسيا الصغرى ، فإمارة الرها تقع في غرب إمارة الموصل وفي جنوبها ، وعلى هذا فقد تحمَّل شمال العراق عبء إخراج المجاهدين والعلماء إلى هذه البلاد المنكوبة، بينما كانت جهود بقية بلاد السلاجقة العظام التي تتمثل في فارس وما حولها ، موجهةً إلى شرق العالم الإسلامي لمواجهة الاضطرابات الناجمة عن الوثنيين من الأتراك أو الهنود .

ومما يلفت الأنظار أيضًا في هذه البلاد في شمال العراق أن الشعب نفسه كان مقدِّرًا لقيمة العلماء، وكان قادرًا على تقييم الحاكم في ضوء الشريعة ، فيقف إلى جوار من ينصر الشرع والدين ، ويقف في وجه من يظلم ويتجاوز حدود الشريعة .

ولنا أن نضرب مثلاً من حياة العلماء في منطقة شمال العراق لنرى قيمتهم وأثرهم ، وليكن هذا المثل هو العالم الجليل (عديّ بن مسافر) .

ولعل الكثير من المسلمين لم يسمع عنه أصلاً، ولكنه كان من العلماء الأفذاذ الذين عاصروا بدايات الحروب الصليبية ، وكان يعيش في منطقة شمال العراق عند جبال هكار بين قبائل الأكراد الهكارية ، وكان هذا العالم كما يقول ابن تيمية : " كان رجلاً صالحًا ، وله أتباع صالحون " , بل يقول عبد القادر الجيلاني في حقه كلمة عجيبة حيث قال: "لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة ، لنالها الشيخ عدي بن مسافر !" .

وكان الشيخ عدي قد بنى له مدرسة يُعلِّم الناس فيها ، وكما يقول ابن كثير : "فأقبل عليه سكان تلك النواحي إقبالاً هائلاً ؛ لما رأوا من زهده وصلاحه وإخلاصه في إرشاد الناس". ويقول ابن خلكان: "وسار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير" , بل يذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء أن دعوة الشيخ عدي أدت إلى إنتشار الأمن في تلك المنطقة ، وإرتدع مفسدو الأكراد وتابوا .

وهذا مجرد مثال لتقدير الشعب لقيمة العلماء، ولفقههم لأهمية الشريعة ، وهذا انعكس بدوره على تفاعلهم مع القادة العسكريين والسياسيين ، فمن كان منهم معظِّمًا للشريعة مطبِّقًا لها، كان مطاعًا عندهم ، محبوبًا إلى قلوبهم ، ومن كان غير ذلك كان مكروهًا مذمومًا يتحين الجميع فرصة لعزله وإقصائه , إنها طبيعة شعب يُرجى من ورائه خيرٌ كثير .

وإذا كان بروز السلاجقة واضحًا جدًّا في هذه المنطقة ، وأثرهم لا يغفل أبدًا، فإن هناك من ظهر إلى جوار السلاجقة ، وأسهم معهم إسهامًا واضحًا في الحفاظ على روح الجهاد في سبيل الله ، ومن أهم هذه الطوائف الأراتقة والأكراد .

أما الأراتقة فهم من نسل أرتق التركماني ، وهو من قبائل الأتراك أيضًا ، وكان من القواد السياسيين البارزين لملكشاه السلطان السلجوقي العظيم ، وتقلد كثيرًا من المناصب كان آخرها ولاية بيت المقدس حيث تُوفِّي بها سنة (484هـ) 1091م ، تاركًا ولدين من بعده هما : سُقمان وإيلغازي، اللذان حكما بيت المقدس لفترة وجيزة حتى سقط تحت الاحتلال العبيدي (الفاطمي)، وذلك أثناء الغزو الصليبي ، وتحديدًا في سنة (491هـ)\ 1097م ، مما جعلهما يرحلان إلى الشمال ، حيث ذهب إيلغازي إلى بغداد ليكون في خدمة السلطان السلجوقي بركياروق ، بينما إتجه سقمان إلى منطقة ديار بكر في شمال العراق ليؤسس هناك إمارة إسلامية تابعة للسلاجقة ، وأهم مدنها ماردين وحصن كيفا (في جنوب تركيا الآن) .

وكان لهذين الزعيمين نخوة إسلامية واضحة، وكذلك لابن أخيهم بَلْك بن بهرام ، وكان لهم جميعًا أثرٌ في حروب الصليبيين ، سنراه مع تتابع الأحداث .

أما الأكراد فهم شعب عظيم من شعوب الإسلام ، ينتمي - غالبًا - في جذوره إلى مجموعة القبائل الهندوأوربية ، والتي هاجرت إلى مناطق شمال العراق وجنوب تركيا وشرق إيران قبل الميلاد بألفي سنة .

وقد دخلت هذه القبائل الكبيرة في الإسلام منذ أيامه الأولى ، بحيث إنه لم تأتِ سنة 21 من الهجرة حتى دخل غالب الأكراد في الإسلام ، ومنذ الدخول الأول لهم في الإسلام فإنهم ظلوا على عهدهم من الحميَّة والنصرة لدين الله مهما تقلبت الأحوال أو تغيرت الظروف، وكانوا في كل تاريخهم ملتزمين بالمنهج السُّني ، وغالبهم على المذهب الشافعي، وحتى عندما سيطر بنو بويه الشيعية على الخلافة العباسية في القرنين الرابع والخامس الهجريين ، ظل الأكراد على منهجهم السني الأصيل ، وعاطفتهم الإسلامية القوية ؛ لذلك لم يكن مستغربًا أبدًا أن تأتي النصرة من بلادهم، وأن يخرج نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي والملك الصالح نجم الدين وغيرهم من أصلاب هذه الأسرة الكريمة .

كان هذا الوضع في منطقة شمال العراق ، وهو ما يفسر ظهور الحركات الجهادية والإصلاحية من هذه البقاع ، ولا شك أننا نلاحظ أن كل ما ذكرناه من أسماء وقبائل كان من أصول غير عربية ، بل إن المغيِّرين في قصتنا بكاملها من العرب سيكونون قلة قليلة جدًّا ؛ وهذا ليس تقليلاً من شأن العرب، ولكنه ذكر لتاريخ وواقع ، وهو في نفس الوقت تعظيم للإسلام الذي صهر كل هذه الأنواع البشرية والأجناس المتباعدة في بوتقة واحدة، فجاء السلاجقة والأراتقة والأكراد ليرفعوا راية هذا الدين ، ويعزوا أمره متناسيين تمامًا أن نبي هذه الأمة عربي ، وأن الخلافة كانت في العرب !! بل إن غالب المسلمين في ذلك الوقت كانوا من غير العرب، بل إن غالبهم في زماننا نحن الآن من غير العرب أيضًا ، فالعرب لا يمثلون في المسلمين الآن إلا نسبة 25% فقط ، وكذلك كانوا في التاريخ بعد زمان أبي بكر الصديق ، وبدءًا من زمان عمر بن الخطاب حيث إنتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا لا عجب أن نجد أن معظم المغيِّرين والمجددين في تاريخ الإسلام ليسوا عربًا ، وليس على سبيل الحصر أن نذكر أسماء طارق بن زياد ، وألب أرسلان ، ويوسف بن تاشفين ، وعماد الدين زنكي ، ونور الدين محمود ، وصلاح الدين الأيوبي ، وقطز ، ومحمد الفاتح ، وكلهم كما هو معلوم ليسوا من العرب ، وكذلك في مجال العلوم ، بل في مجال العلوم الشرعية، وليس أدل على ذلك من ذكر أصحاب كتب الحديث المشهورين ، فأعظمهم ستة ، هم أصحاب ما يعرف بأمهات الحديث، وليس مستغربًا أن نجد أن خمسة من هؤلاء الستة ليسوا عربًا ، وهم البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه ، ويبقى أبو داود وحده ممثِّلاً للعرب !

إن هذا دليل واضح على عظمة هذا الدين وقدرته على التأثير في عقول الناس وقلوبهم، وطبيعته التجميعية لشتات الشعوب ، ويا لخسارة المسلمين لو جاء عليهم زمان يعلون شأن القومية فوق الإسلام ، ويتجمعون على أواصر النسب والدم لا على أواصر العقيدة والدين !

هذا هو حال شمال العراق أيام الحروب الصليبية !! فكيف كان حال الشام التي إبتليت بالاحتلال الصليبي ؟!

إن بلاد الشام ، وأيضًا مصر ، قد نكبت بالاحتلال العبيدي البشع بداية من سنة (359هـ) 969م ، ولم يرفع عنها إلا عندما جاء السلاجقة وأخرجوا العبيديين في (477هـ) 1084م ، أي بعد أكثر من مائة سنة كاملة , أما في مصر فقد استمر حكمهم لها مائة سنة أخرى، ولم ينتهِ إلا في سنة (567هـ) 1171م ؛ وفي هذه السنوات الطويلة فرَّغ العبيديون البلاد المحتلة من علماء السنة ، ونشروا البدع ، ومنعوا التعليم الإسلامي الصحيح ، ولم تكن لهم أبدًا قضايا جهادية ، بل كانوا يحاربون المجاهدين ويؤذونهم ، ويحالفون أعداء الأمة ويصادقونهم ، وقد رأينا طرفًا من أعمالهم ومفاوضاتهم مع الصليبيين ؛ وفي وسط هذا الجو الكئيب كان لا بد للشعب أن يخرج رخوًا مائعًا لا قضية له ! إنه حُرِم من العَالِم الذي يدله على الطريق ، وحُرِم من المجاهد الذي يكون له قدوة ، ولم يكن هذا لعام أو عامين ولكن لقرن كامل في الشام ، وقرنين كاملين في مصر ؛ ولذلك لم يكن متوقعًا من هذه البلاد أن تحمل على أكتافها قضايا المسلمين ، حتى لو كانت هذه القضايا هي قضاياهم شخصيًّا !! فالأموال المنهوبة أموالهم ، والديار المهدَّمة ديارهم ، والأرواح التي أزهقت هي أرواح أبنائهم وإخوانهم وعشيرتهم ! ثم إن الذي حرر الشام من العبيديين كان ظالمًا مثلهم ، وإن كان سنيًّا !

فالذي تولى أمر الشام من السلاجقة هو تُتش بن ألب أرسلان ، وكان على النقيض تمامًا من أبيه ألب أرسلان أو أخيه ملكشاه بن ألب أرسلان ، والله ضرب لنا ابن نوح مثلاً لنفهم هذا التضارب في الشخصيات والأخلاق .

لقد كان تتش ظالمًا مستبدًا ، لا يهتم إلا بكرسيه ، ولا ينظر إلا لمصالحه ، ولا يسمع لرأي إلى جوار رأيه ، ولا يعتبر بأرواح شعبه ولا أموالهم ، ولا يحترم روابط دين أو عقيدة ، ولا روابط دم أو نسب ، فقطَّع علاقاته مع الناس أجمعين ، وحارب هذا وذاك ، حتى وصل به الأمر أن حارب بركياروق ابن أخيه ملكشاه بعد وفاة ملكشاه ! وكل ذلك طمعًا في توسيع رقعة ملكه ؛ أملاً في زيادة ثروته .

وكان من الطبيعي لشعب رُبِّي في هذا الجو الملبد بالظلم والقهر أن يخرج خانعًا خاضعًا ذليلاً ، يُقاد بالسياط ، ويقبل بإنتهاك الحرمات ، ويألف ضياع الحقوق , ولذلك لم يكن الصليبيون يختلفون كثيرًا في حسابات الشعب عن تتش بن ألب أرسلان أو عن العبيديين ، بل إن بعض أفراد الشعب كانوا يتعاونون مع الصليبيين بغية طعام أو شراب أو مال أو إقطاع .

ولم يختلف الحال كثيرًا بعد وفاة تتش مقتولاً في سنة (488هـ) 1095م؛ إذ قسمت الشام إلى نصفين بين ولديه رضوان ودقاق ، فأخذ رضوان حلب ، وأخذ دقاق الشام ، وهما لم يختلفا في كثير أو قليل عن أبيهما ، فقد ورثا عنه الظلم وسوء الأخلاق ، فكانا وبالاً على شعوبهما ، بل وعلى عامة المسلمين ، بل إن رضوان بن تتش جمع إلى جوار ظلمه ظلمَ العبيديين ، فتشيَّع وقرَّب الباطنية الإسماعيلية المجرمة ، وحرضهم على جرائمهم المنكرة بغية إرهاب الناس وتثبيت ملكه , ولقد مرَّ بنا في هذه القصة - حتى الآن - جريمتان من ارتكابهما؛ الأولى كانت مقتل الوزير العظيم نظام الملك سنة (485هـ)، والثانية كانت مقتل جناح الدولة حسين بن ملاعب زوج أم رضوان بن تتش بتحريض من رضوان بن تتش نفسه ، وذلك في سنة (495هـ) .

وهكذا - بالتحليل السابق - فإنه ينبغي أن نتوقع في غضون الأيام والسنوات القادمة أن تهب حركة جهادية إصلاحية من شمال العراق ، وأن يكون تفاعل الشعب معها في الشام ضعيفًا في البداية إلى أن تتغير الأجيال التي تربَّت على الذل والقهر، والبُعد عن الدين والشرع ، وعندها سيكون لهم شأنٌ كبير في تغيير الواقع الأليم !

هذا ما ينبغي أن نتوقعه ، وهذا ما حدث بالفعل ! وكان من أوائل بذور الخير ما رأيناه في سنة (496هـ) 1104م من تباشير حركة جهادية تهدف إلى مقاومة الصليبيين !
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

وهكذا أُقصي بوهيموند الشرس من ساحة الصراع !

ولعله من المناسب هنا أن نعرض لقصته في أوربا حتى لا تضيع منا في خضم الأحداث الساخنة، فإن بوهيموند قد نجح فعلاً في تجميع الجيوش والأموال من فرنسا وإيطاليا لحرب الدولة البيزنطية ، وأقنع الجميع بضرورة الوقوف أمام أطماعها ، وصوَّر لهم أنها تتعاون مع السلاجقة المسلمين ضد الصليبيين ، وأنها كانت سببًا مباشرًا في هلاك حملة سنة (494هـ) 1101م ، وعلى هذا فقد تجهزت أوربا الغربية في جيش كبير من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وإنجلترا وألمانيا بقيادة بوهيموند لحرب الدولة البيزنطية ، وتمت فعلاً موقعة فاصلة في ميناء دورازو ، وهو يحوي أقوى قلعة بيزنطية عند مدخل الأدرياثيك ، وتمت هذه الموقعة سنة (500هـ) 1107م بعد ثلاث سنوات من رحيل بوهيموند من أنطاكية ، وفي هذه الموقعة إنتصر الإمبراطور ألكسيوس كومنين - وقد حضر الموقعة بنفسه - إنتصارًا ساحقًا على بوهيموند وجيوشه ، وأرغم بوهيموند على توقيع اتفاقية إستسلام مخزية في مدينة دفول Devol سنة (501هـ) 1108م ، وفيها أقر بتسليم إقليم قليقية بمدنه الثلاث ، وكذلك ميناء اللاذقية إلى الدولة البيزنطية ، والإعتراف أن هذه ليست من أملاك أنطاكية ، كما اشترط الإمبراطور البيزنطي أن يعزل البطرك الكاثوليكي عن كنيسة أنطاكية ذاتها ، ويعيِّن بطركًا أرثوذكسيًّا ، وأن يتعهد بوهيموند بحرب إبن أخته تانكرد إذا رفض بنود هذه الاتفاقية !!

وأمام هذا الخزي الذي وصل إليه بوهيموند لم يستطع أن يعود إلى أنطاكية ، ولا أن يلتقي برفقاء الحملة الصليبية، وعليه فقد عاد إلى صقلية بعد معاهدة دفول ليبقى هناك ثلاث سنوات في عزلة ومهانة حتى مات في سنة (504هـ) 1111م ، وقد خسر كل شيء !! وهكذا رأينا بوهيموند يفقد مستقبله السياسي تمامًا بعد هذه المعركة العجيبة : (معركة البليخ) ..

ولعل المحلل للأحداث قد يتعجب أن هذه النتائج الهائلة قد حدثت من جَرَّاء هذه المعركة البسيطة التي تمت في يوم واحد، ولم يكن لها إعداد طويل ، وقُتل فيها من الصليبيين اثنا عشر ألفًا من المقاتلين ، بينما لم تكن نتائج معارك سنة (494هـ) 1101م ، والتي قُتل فيها أكثر من مائتي ألف مقاتل صليبي على نفس المستوى .

إن الفارق بين الموقعتين أن موقعة حران أو البليخ موقعةٌ رفعت فيها راية لا إله إلا الله ، وخلصت فيها النوايا لله ، وكانت موقعة ممثِّلة للإسلام ، فبارك الله في نتائجها وعظَّم من آثارها، بينما كانت مواقع مرسفان وهرقلة الأولى والثانية - على عظمها وضخامتها - مواقع لم تتم إلا للدفاع عن الأملاك والأرض والثروة والملك فقط ، ولم تكن فيها النفوس موجهة إلى الله ، وكان المشاركون فيها حريصين على قبض الثمن الدنيوي ، ودار القتال الحقيقي من أجل الحرص على تقسيم ثمرة المعركة، وهو القتال الذي لم نره في معركة البليخ، بل رأينا ورعًا من سقمان بن أرتق، وبُعدًا عن النزاع والشقاق، وحتى جكرمش - الذي حرص على أخذ شيء من الغنائم، وهذا في حدِّ ذاته ليس خطأً فاحشًا؛ لأنه وجنوده شاركوا بقوة في القتال - وجدناه على استعداد لبذل الأسير الثمين في مقابل إطلاق سراح أمير سلجوقي مسلم ؛ مما يدل على قيمة الأسير المسلم ، وروح المودة في الجيشين ، ولم يفعل مثلما فعل بوهيموند الذي آثر المال على تحرير بلدوين دي بورج، مع أهمية مركزه ووضعه .

إن الذي علينا هو توجيه النية لله وبذل الجهد قدر المستطاع ، والتوحيد بين صفوفنا أما النتيجة فالله كفيلٌ أن يبارك فيها ، ويضاعف من ثمارها ، فهو سبحانه القوي العزيز .

وإن كانت موقعة البليخ من الأخبار المفرحة في سنة (496هـ) 1104م ، فإنَّ هناك خبرًا مفرحًا آخر تمَّ في نفس السنة ، وإن كانت آثاره غير ذلك؛ فقد شهدت هذه السنة صلحًا بين الأخوين المتخاصمين والمتنازعين سلطاني السلاجقة بركياروق ومحمد ! وكان النزاع بينهما مستحكمًا وصل إلى حد الحرب والنزال ، مع حسن أخلاق كليهما ! ولكن بفضل الله إجتمع الأخوان في هذه السنة ، وتم بينهما الصلح عن تراضٍ من الطرفين ، لكن - للأسف - كانت نتيجة هذا الصلح هو تقسيم البلاد بينهما !! وهذا - لا شك - فكر معوج، ومنهج منحرف، والله يقول: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .

لقد قبل الأخوان بتقسيم المملكة التي تركها أبوهم ملكشاه بن ألب أرسلان إلى ثلاثة أقسام : الأول يحكمه بركياروق ويضم أصبهان وفارس ومعظم العراق دون شمالها ، ويتبعه في ذلك قسم بغداد ، بمعنى أن الخطبة في بغداد ستكون للخليفة المستظهر بالله والسلطان بركياروق , أما القسم الثاني فيحكمه محمد ، وهذا يضم أذربيجان وأرمينية وديار بكر والموصل، مع أن الموصل كانت تحت حكم بركياروق قبل الصلح، وهذا سيؤدي إلى بعض المشاكل التي سنتعرض لها , وأما القسم الثالث والأخير فلأخيهما الثالث سنجر، وهذا يحكم خراسان (شرق إيران) وبلاد ما وراء النهر .

لقد كان هذا هو الحل الذي لجأ إليه الأخوان، وهو خطأ شرعي سياسي لا ريب، ولا ندري كيف وصل بهما الحال إلى الوقوع في هذا الخطأ، مع ما يوصف به كل منهما من حسن الخلق، وجمال السيرة، والعدل في الملك، وما إلى ذلك من صفات جليلة !

لكن الشاهد من الأحداث أن النفوس سكنت لهذا الصلح، وعمَّ الأمن في البلاد، واختفت سحب الحرب التي كانت تظلل هذه المنطقة من العالم الإسلامي .

كانت هذه هي الأخبار في القسم الشرقي من العالم الإسلامي ، وهي مفرحة إلى حد كبير حيث تم انتصار البليخ كما ذكرنا ، وكذلك الصلح بين الأخوين .

لكن الحال في بلاد الشام لم يكن مفرحًا قَطُّ في هذه السنة، ولا في التي بعدها! وهذا حال متوقع لما ذكرناه قبل ذلك من أسباب كذهاب العلم، وضياع قيمة الجهاد، وسلبية الشعب، وتسلط الحكام، وما إلى ذلك من أمراض , ولعل أبرز الأحداث التي رأيناها في أرض الشام في هاتين السنتين تشمل الآتي :

أولاً : إستولى الصليبيون على ميناء جبيل في لبنان جنوب طرابلس ، وذلك بمعونة أسطول بحري جنوي ، وغدر الصليبيون بأهل جبيل بعد إعطائهم الأمان ، وكافأ ريمونُ الرابع الأسطولَ الجنويّ الذي أسقط جبيل بإعطائه ثلث مدينة جبيل، لتصبح جبيل فيما بعد مستوطنة جنوية ، وبسقوط جبيل يكون ريمون الرابع قد وضع الحدود المتوقعة لإمارة طرابلس، حيث يحدها من الشمال مدينة طرطوس ، ومن الجنوب مدينة جبيل ، ويبقى فقط أن يُسقِط المدينة الكبرى (طرابلس) .

ثانيًا : أتم ريمون الرابع بناء قلعة كبيرة في مواجهة طرابلس مباشرة سماها سانت جيل ، Saint Gilles، والمعروفة في المصادر العربية بقلعة الصنجيل ، وقد بناها ريمون الرابع ليستخدمها في إسقاط طرابلس ، ولقد نُقِلت الأخشاب اللازمة لبنائها من قبرص بواسطة الأسطول البيزنطي المساعد لريمون ، ولم يتحرك أحد من المسلمين في المنطقة لهدم القلعة أو منع بنائها ، مع أن طرابلس محاطة من شمالها الشرقي وشرقها وجنوبها الشرقي بإمارتي دمشق وحمص التابعتين لدقاق بن تتش ، وحيث توجد حمص على مسافة أقل من 90 كيلو مترًا ، ودمشق على مسافة أقل من 120 كيلو مترًا .

ثالثًا : حادث آخر مفجع هزَّ العالم هو سقوط مدينة عكا الحصينة في سنة (497هـ) مايو 1104م ، وكان سقوطها مفجعًا لأنها أحصن مدن الشام مطلقًا ، وسقوطها يعني سقوط بقية المدن تقريبًا ، كما أنه سيمنع وصول الإمدادات البحرية للمسلمين بعد ذلك ، هذا إضافةً إلى المجزرة التي تمت في المدينة بعد سقوطها ، على الرغم من الأمان الذي أعطاه الصليبيون للسكان ، وقد تم سقوط المدينة بمساعدة الأسطول الجنويّ الذي أسقط جبيل قبل ذلك ! ولهذا أعطى بلدوين الأول ثلث مدينة عكا للأسطول الجنويّ ، وصارت عكا مدينة تابعة لمملكة بيت المقدس .

رابعًا : بعد رحيل بوهيموند إلى إيطاليا بدأ تانكرد يرتب أوراقه وينظم جيشه ، ودخل في سنة (498هـ) ربيع 1105م في معركة كبيرة مع رضوان ملك حلب ، وإنتصر في هذه المعركة ليسترد بها حصن أرتاح، وليقتل من المسلمين ثلاثة آلاف رجل !

خامسًا : تلقى المسلمون هزيمة أخرى في منطقة الرملة في 498هـ\ 27 من أغسطس سنة 1105م ، وهو ما يعرف في التاريخ بموقعة الرملة الثالثة، حيث هُزم الجيش العبيدي وتشتت شمله في محاولة فاشلة لاسترداد بيت المقدس ، ولعلَّ هذه هي آخر المحاولات الجادة التي بذلها العبيديون لإسترداد القدس .

سادسًا : تُوفِّي دقاق بن تتش في رمضان (496هـ) 1103م ، وتولى من بعده أتابكه طغتكين ، وهو أحد مماليك تتش بن ألب أرسلان والد دقاق ، وكان قائدًا عسكريًّا قويًّا صاحب خبرة مما جعل تتش يوكل إليه مهمة تربية دقاق ، ومن ثَمَّ أعطاه لقب أتابك (أي مربي الأمير) ، ولكن عندما ضعف الأمراء السلاجقة صار للأتابكة العسكريين دور كبير في تسيير الأمور ، بل وأحيانًا صار لهم الحكم صراحة، كما هو في حالتنا هذه، فقد أصبح طغتكين هو حاكم دمشق وحمص ، وبذلك انتهى حكم السلاجقة تمامًا لهاتين المدينتين ، ولكن على العموم فإن طغتكين كان أفضل كثيرًا من دقاق حيث آثر العدل مع الرعية ، وحرص في فترات كثيرة من حياته على حرب الصليبيين، وإن كانت قوته وقوة جيشه لم تمكِّنه من تحقيق نصر حاسم في حياته ، وولاية طغتكين تُعَد بداية فترة حكم للتركمان استمرت مدة 52 سنة، حيث انتهت سنة (549هـ)\ 1154م .

سابعًا : تُوفِّي أيضًا في 2 من ربيع الآخر سنة (498هـ) ديسمبر 1104م السلطان بركياروق سلطان السلاجقة في منطقة فارس والعراق ، وهذا بعد إتمام الصلح مع أخيه محمد كما مرَّ بنا - وكان يبلغ من العمر عند وفاته خمسًا وعشرين سنة فقط ! - وبعد عدة فتن ، ونتيجة لموته استقام الأمر لأخيه السلطان محمد ، فصار يحكم أملاكه وأملاك أخيه بركياروق، وهذا وحَّد الأمة في هذه المنطقة لفترة 12 سنة متصلة .

ثامنًا : من الشخصيات المهمة التي تُوفِّيت أيضًا في سنة (498هـ) فبراير 1105م الأمير الفرنسي الشهير ريمون الرابع ! وقد تُوفِّي في القلعة التي بناها في مواجهة طرابلس لحصارها ، وكانت النار قد اشتعلت في القلعة نتيجة مقاومة أهل طرابلس للحصار ، فسقطت بعض الأخشاب المحترقة على ريمون ، فمات متأثرًا بجراحه , وهكذا فقد الصليبيون زعيمًا شرسًا من زعمائهم دون أن يرى لنفسه إمارة كأقرانه ، وقد ترك حكم جيشه بعد ذلك لابن خالته وليم جوردان الذي إستأنف سياسة ريمون بكاملها حيث صمم على إسقاط طرابلس، ومن ثَمَّ استمر في حصارها ، وكذلك تعاون مع الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين كما كان يفعل ريمون .

تاسعًا : حدثت أزمة في إمارة الموصل نتيجة محاولة السلطان محمد السيطرة على مدينة الموصل ورفض جكرمش لهذه السيطرة لولائه لبركياروق ، مع أن الموصل كانت في الصلح الذي تمَّ بين بركياروق ومحمد من حق السلطان محمد ، إلا أن جكرمش كانت له ميول استقلالية جعلته يرفض تسليم المدينة ، غير أن أخبار وفاة بركياروق ما لبثت أن أتت ، ومن ثَمَّ اضطر جكرمش إلى التسليم للسلطان محمد ، وإن كان هذا التسليم مؤقتًا كما سيتبين لنا .

عاشرًا : فَقَد المسلمون في سنة (498هـ)1105م شخصية مهمة كان لها دور بارز في جهاد الصليبيين ، وهو سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا ، والذي حقق الانتصار في موقعة البليخ بالاشتراك مع جكرمش كما فصلنا ، ولقد كان موته مؤثرًا جدًّا ، حيث كان في سرية عسكرية هبت لنجدة طرابلس عندما إستغاثه حاكمها ابن عمار لحصار ريمون ثم وليم جوردان لها ، وعلى الرغم من كون ابن عمار شيعيًّا وجيشه كذلك ، إلا أن سقمان بن أرتق رحمه الله لم ينظر إلى ذلك ، إنما نظر إلى العدو المشترك للسنة والشيعة وهو العدو الصليبي ، ومن ثَمَّ تقدم في بسالة ، قاطعًا المسافات من حصن كيفا إلى طرابلس (ما يقرب من ستمائة كيلو متر) ، وكان سقمان مريضًا بداء الخوانيق - وهو مرض يعني حدوث اختناق في التنفس - وكان يأتيه في نوبات ، فجاءته هذه النوبة وهو عند القريتين (على بعد 120 كم من طرابلس) ، وعرض عليه أصحابه أن يعودوا به إلى حصن كيفا ؛ حيث لن يقدر على القتال في هذه الحالة، فقال كلمته الخالدة : "بل أسير، فإن عوفيت تممت ما عزمت عليه ، ولا يراني الله تثاقلت عن قتال الكفار خوفًا من الموت ، وإن أدركني أجلي كنت شهيدًا سائرًا في جهاد" ، فساروا به صوب طرابلس ، ولكنه مات بعد يومين !!

إنه صورة مشرقة في وسط هذا الركام أبتْ إلا أن تلقى الله مقبلة غير مدبرة ، فرحمه الله رحمة واسعة ، وجعل مسيره هذا طريقًا له إلى الجنة .

واستكمالاً لبعض الأحداث المؤسفة نخوض قليلاً في تطورات الأحداث في الموصل، وما كنت أود أن أخوض في تفاصيل دقيقة لصراعات وأزمات ، لولا أن أثر هذه الصراعات سيكون كبيرًا ، فالموصل بالذات - كما ذكرنا - لها وضع خاص، ومنها خرجت وستخرج حركات جهاد كثيرة، وشعبها في ذلك الوقت على وعيٍ كبير ، وعلم واسع ، كما أن هذه التطورات ستؤدي إلى اختفاء شخصيات مهمة مرت معنا في قصتنا في أكثر من موضع .

كنا قد ذكرنا أن جكرمش أبدى الموالاة للسلطان محمد بعد وفاة السلطان بركياروق ، ولكن مع مرور الوقت تثاقل جكرمش في إرسال الخراج إلى السلطان محمد ؛ مما جعله يشكك في ولائه ، وراسله في ذلك، فتعلَّل جكرمش ، وهكذا تيقن السلطان محمد أن جكرمش يريد الانفراد بالموصل مستغِّلاً حب الناس له، فاضطر السلطان محمد أن يرسل أحد العسكريين الأشداء لإسترداد الموصل لصالح السلطان، ولكن - للأسف - هذا العسكري كان سيئ الخلق، وحشيًّا في تعاملاته، مكروهًا من العامة، وكان إسمه (جاولي سقاوو) وهو من الأتراك، فسار جاولي إلى الموصل، والتقى معه جكرمش في موقعة على ضفاف دجلة في سنة (500هـ) 1106م ، وهُزم جكرمش بل أسر أيضًا، ولكن شعب الموصل رفض فتح الأسوار لجاولي سقاوو ، وأقاموا عليهم زنكي بن جكرمش، وهو ابن زعيمهم المحبوب جكرمش ، وهذا يدل على إيجابية عالية عند هذا الشعب الواعي، وإن كان الأَوْلَى أن تدخل الموصل تحت حكم السلطان محمد ، لكن السيرة السيئة لجاولي سقاوو جعلت الشعب يأخذ هذا الموقف ، وراسل الشعب شخصية قوية تأتي لتسانده في هذه الأزمة ، وهذه الشخصية هي قلج أرسلان سلطان سلاجقة الروم !

رأى قلج أرسلان أن هذه فرصته لامتلاك الموصل، ولفتح الطريق لتوسيع مملكته ، وجاء بجيشه إلى الموصل ففتح له السكان الأبواب وسط ترحيب، فدخل المدينة وملكها ، ثم خرج لقتال جاولي سقاوو ، ودارت موقعة كبيرة بينهما هُزم فيها قلج أرسلان ، ثم اضطر إلى الهرب فسقط في نهر الخابور ، ولم يستطع النجاة فغرق ، ولم تظهر جثته إلا بعد عدة أيام !

وهكذا جاء قلج أرسلان من آسيا الصغرى يدفعه طموحه لتوسيع ملكه ، وتقوية سلطته ، فإذا به جاء ليلقى حتفه في بلاد غريبة عن بلاده، وفي أرض يطؤها لأول مرة في حياته !! قال تعالى : (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ). وشتَّان بين ميتة قلج أرسلان الذي ملك بلادًا واسعة ، وجاء ليزيدها اتساعًا ، وميتة سقمان بن أرتق الذي لم يملك إلا إمارة صغيرة ، ولكنه مات وهو في طريقه لجهاد الصليبيين !

وعلى العموم فقد دخل جاولي سقاوو مدينة الموصل بعد غياب المدافعين عنها ، وعامل أهلها في منتهى الغلظة ، وأسرف جنوده في اضطهاد السكان ثم لم يلبث جاولي سقاوو أن استقل بالمدينة سنة (502هـ) 1108م، وكان هذا متوقعًا من رجل شرس مثله، فإضطر السلطان محمد أن يرسل له أحد أتباعه لردِّ الموصل إلى سيطرة السلطان ، ولكن في هذه المرة كان مبعوث السلطان رجلاً فاضلاً عالمًا مجاهدًا هو القائد الفذُّ مودود بن التونتكين ، وهو من التركمان الأخيار ، وحاصر مودود مدينة الموصل ، وقاومه جاولي وجنوده ، وحذر جاولي العامة من الإقتراب من الأسوار لعلمه بتعاطف العامة مع الصالحين وكراهيتهم له ، وشدَّد عليهم في ذلك، لكن الشعب لم تمُتْ فيه النخوة، فاجتمعت طائفة من الشعب، وتعاهدوا على فتح الأبواب ، وإتفقوا على استغلال وقت صلاة الجمعة والجميع بالمساجد ، فخرجوا بالفعل في ذلك الوقت إلى أحد الأبراج ، وقاتلوا حرَّاسه وقتلوهم ، وفتحوا الأبواب وهم ينادون باسم السلطان محمد، فأسرع إليهم جند السلطان بقيادة مودود، ودخلوا المدينة وقاتلوا جنود جاولي، وما لبثوا أن سيطروا على المدينة ، غير أن جاولي هرب آخذًا معه صيدًا ثمينًا هو الأمير بلدوين دي بورج الذي كان أسيرًا في مدينة الموصل من أربع سنوات ، وقد أخذه - لا شك - لأنه يعلم أن قيمته كبيرة ، ويستطيع أن يفاوض عليه أو يبيعه !

في ذلك الوقت كان جوسلين دي كورتناي - وهو أمير تل باشر ، والقائد التالي مباشرة بعد بلدوين دي بورج - قد أطلق سراحه في مقابل عشرين ألف دينار ، ومن ثَمَّ سعى بجدية لإطلاق سراح بلدوين دي بورج الذي أصبح الآن في قبضة جاولي الهارب من الموصل .
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

لقد صار الموقف في غاية التعقيد !!

مودود الآن يحكم الموصل ، وجاولي يهرب ببلدوين دي بورج ، وجوسلين دي كورتناي يحاول فك أسر بلدوين دي بورج ، وإمارة الرها تحت حكم تانكرد منذ 4 سنوات ، وكان تانكرد متسلطًا على شعب الرها وغالبه من الأرمن ، وكان تانكرد مستقرًّا في أنطاكية بعد رحيل بوهيموند عنها، ولكنه كان ينيب عنه في الرها ابن عمه ريتشارد سالرنو .

في ظل هذه الأجواء وصل جوسلين دي كورتناي إلى جاولي ، وسرعان ما بدأ التفاوض المادي حول الأسير الأمير ، ووصل الطرفان إلى إطلاق سراح بلدوين دي بورج في مقابل سبعين ألف دينار، إضافةً إلى وقوف بلدوين دي بورج إلى جوار جاولي والعكس أيضًا عند الأزمات العسكرية ! أي أنها معاهدة دفاع مشترك .

وأطلق سراح بلدوين دي بورج بالفعل وأسرع إلى إمارته ، غير أنه فوجئ أن تانكرد يرفض تسليمه الإمارة بعد أن أعجبته لثرواتها وموقعها ! وهنا لم يجد بلدوين دي بورج حلاًّ بديلاً للحرب لاسترداد إمارته من الصليبي تانكرد !

في هذا الوقت كان جاولي يحاول أن يكون لنفسه إمارة في المنطقة مستخدمًا جيشه الإجرامي ، والمال الوفير الذي توفر في يده ، وكان يسعى لتكوين هذه الإمارة على حساب بعض الأملاك لمملكة حلب المملوكة لرضوان بن تتش .

وعلى هذا أدت هذه الظروف المعقدة إلى حرب عجيبة ، قامت فيها أحلاف أعجب ! فقد تحالف الصليبي بلدوين دي بورج وجوسلين دي كورتناي وجيشه مع المسلم جاولي وفرقته ، ليحاربوا تانكرد الصليبي الذي تحالف مع رضوان بن تتش عدوه القديم، والذي يعاني الآن من هجمات جاولي !!

أيُّ غيابٍ للفهم هذا ! وأي ضياع للعقل !

ودارت معركة بين الفريقين عند بلدة منبج غربي الفرات ، وذلك في (502هـ) أكتوبر سنة 1108م وهُزم فريق بلدوين وجاولي، وكان النصر حليفًا لتانكرد ورضوان ، غير أن بطرك أنطاكية تدخل في الأمر ، وأمر بأن يعود بلدوين دي بورج لحكم الرها ، ويبقى تانكرد في أنطاكية، وذلك حتى لا يستمر النزاع بين الصليبيين !

في هذا الوقت كان الأرمن من سكان الرها يعتقدون أن هزيمة بلدوين دي بورج وجوسلين دي كورتناي ستمنعهما من العودة إلى الرها ، فقاموا باجتماع كبير أظهروا فيه رغبتهم في الخروج كلية من سيطرة الصليبيين، وقد ضاقوا ذرعًا بحكم تانكرد لهم ، ولن يختلف حكم غيره من الصليبيين عن حكمه ، ولكن ما لبث بلدوين دي بورج أن ظهر في الصورة، ودخل المدينة حاكمًا، وعلم بهذا الاجتماع ، ومن ثَمَّ انقلب على أهل المدينة ، وعزل كل الكبار من الأرمن ، بل هدد أسقف الكنيسة الأرمينية بسَمْلِ عينيه ، ولم يفتدِ نفسه إلا بمبلغ كبير من المال ، وكل هذا أدى إلى حالة كبيرة من السخط داخل المدينة ، واضطراب عام في الأوضاع ، وهذا - لا شك - سيكون له أثر في عدم استقرار تلك الإمارة .

وهكذا عاد تانكرد لحكم إمارة أنطاكية، بل إنه أفلح في استرداد اللاذقية من الدولة البيزنطية في نفس السنة ، أي في سنة (502هـ) 1108م ، وأصبح بلدوين دي بورج أميرًا من جديد على الرها، ولعله من المناسب أن ننظر نظرة إلى منطقة طرابلس ؛ لأن الأحداث فيها في ذلك الوقت كانت في منتهى السخونة .

لقد كان الحصار مستحكمًا حول طرابلس بقيادة وليم جوردان خليفة ريمون الرابع وابن خالته، وهذا الحصار كان ريمون قد بدأه في سنة (495هـ) 1102م، أي منذ 6 سنوات كاملة، وفي غضون هذه السنوات الست لم تتلقَّ طرابلس أي مساعدة إسلامية خارجية، لا من الإمارات السنية المحيطة بها ، ولا من الدولة العبيدية الشيعية المتمركزة في مصر ، وكما هو معلوم فطرابلس كانت محكومة ببني عمار الشيعة ، وكان أميرها هو فخر الملك ابن عمار .

لم يجد ابن عمار بُدًّا من ترك طرابلس تحت الحصار ، وذلك في سنة (502هـ) 1108م ليذهب إلى بغداد لمقابلة الخليفة العباسي المستظهر بالله ، والسلطان السلجوقي محمد للاستنجاد بهما وبجيوشهما ، لكن للإختلاف المذهبي بين الفريقين لم يُقدِّم الخليفة والسلطان لابن عمار سوى بعض الكلمات التشجيعية والعبارات التأيدية ، تاركين بذلك طرابلس تسقط تحت أقدام الصليبيين ! ولا شك أن هذا نقص في الفهم ، وغياب في الرؤية ، فتقوية ابن عمار إضعاف للصليبيين ، وطرابلس في النهاية مدينة مسلمة ، ولم نطلب من الخليفة والسلطان هنا أن يغيرا من عقائدهما ، أو يبدلا من مبادئهما ، ولكننا نطلب النخوة للدماء التي تُسال ، والنجدة للأرواح التي تزهق ، والشجاعة في وجه الصليبيين ! ولكن كل ذلك لم يحدث ، وعاد ابن عمار ليجد أن طرابلس قد طارت من يده ، لا إلى الصليبيين ولكن إلى العبيديين ! فقد إستنجد أهلها بهم في غياب ابن عمار، فجاءوا بأساطيل من مصر ، وأخذوها لحسابهم ! كل هذا والجيش الصليبي يحاصر المدينة من خارجها !

وفي هذه الأثناء وصل إلى أرض الشام برترام بن ريمون الرابع يبحث عن ملك أبيه ! وبعد صراع وصدام مع وليم جوردان تدخل بلدوين الأول ليقسم بلاد المسلمين بين الأميرين الصليبيين، فأعطى وليم جوردان عرقة وطرطوس، في حين أخذ برترام بن ريمون قلعة صنجيل التي بناها أبوه ومدينة جبيل، على أن يأخذ برترام مدينة طرابلس حال سقوطها .

ثم سعى بلدوين الأول ملك بيت المقدس في تجميع الجهود الصليبية لإسقاط طرابلس، وبالفعل - وهذه أول مرةٍ منذ زمن - تجتمع جيوش برترام ووليم جوردان مع جيوش بلدوين الأول ملك بيت المقدس وجيوش تانكرد أمير أنطاكية ، إضافةً إلى أسطول جنويّ كبير؛ وذلك لإسقاط المدينة العنيدة طرابلس !

ووجدت المدينة المسلمة نفسها وحيدة أمام الطوفان ، وأحيط بالشعب المسكين، وسرعان ما دارت المفاوضات بين الحامية العبيدية (الفاطمية) وزعماء الجيش الصليبي على تأمين الحامية وإخراجها في سلام، وفتح أبواب المدينة للصليبيين ، مع الوعد بصيانة دماء وأعراض المسلمين ، ويتكرر بذلك سيناريو الأحداث في بيت المقدس، وكأنَّ الحامية العبيدية ليس لها دور إلا تسليم المدن الإسلامية إلى جيوش الصليبيين !

وخرجت بالفعل الحامية العبيدية في أمان، ودخل الصليبيون إلى مدينة طرابلس في أواخر سنة 503هـ، وتحديدًا في الحادي عشر من ذي الحجة ثاني أيام عيد الأضحى المبارك (1109م) !

غير أن الجيش الصليبي - كما هو متوقع - غدر بالمسلمين فقتل الكثير من أهل المدينة ، وأسر بقية الرجال، وتم سبي كل النساء والأطفال ، ونهبت الأموال الغزيرة؛ فقد كانت طرابلس من أغنى المدن الإسلامية ، وغنم الصليبيون ما لا يحصى من كتب العلم الموقوفة ، بل حرق الصليبيون في ميادين طرابلس أعدادًا لا يمكن إحصاؤها من الكتب والمخطوطات !

وبسقوط طرابلس تكون الإمارة الصليبية الرابعة قد تكوَّنت بعد حصار سبع سنوات متصلة ، ويكون حلم ريمون الرابع قد تحقق بعد موته ، وإمتلك المدينة ابنه برترام بن ريمون ، لتدخل المدينة فترة عصيبة من تاريخها لم تنتهِ إلا بعد مائة وثمانين سنة كاملة !!

ولم تلبث القلاع الإسلامية المتبقية في ساحل الشام أن تساقطت بعد حالة الإحباط المزرية التي أصابت المسلمين ، فسقطت مدينتا بانياس وجبلة في يد تانكرد وضمهما إلى إمارة أنطاكية ، ثم تبعتها بيروت حيث سقطت - بعد حصار 4 أشهر - في يد بلدوين الأول ملك بيت المقدس بمساعدة برترام بن ريمون في سنة (503هـ) مايو 1110م ، وذلك بعد حدوث مذبحة رهيبة في أهل بيروت المسلمين ، وأخيرًا سقطت مدينة صيدا اللبنانية ، وذلك لحساب بلدوين الأول ملك بيت المقدس ، وبمساعدة أسطول بحري بقيادة ملك النرويج شخصيًّا ، وأسطول آخر بندقي بقيادة دوق البندقية نفسه !

وعلى ذلك سقطت كل مدن الساحل الشامي من أنطاكية شمالاً إلى يافا جنوبًا ، ولم يبق من كل هذه المدن العديدة إلا صور وعسقلان اللتان تأخر سقوطهما نسبيًّا ، وظلتا فترة تحت الحكم العبيدي المصري !

أما المدن الداخلية فقد ذاقت هي الأخرى ألوان الذل ، وإن لم تقبع تحت الاحتلال المباشر ؛ فتانكرد على سبيل المثال حاصر حصن الأثارب غرب حلب - وهو حصن خطير في الطريق بين حلب وأنطاكية ، وهو تابع لإمارة حلب - وعرض تانكرد فك الحصار في مقابل دفع رضوان مبلغ ثلاثين ألف دينار ، ولكن رضوان لم يكن يريد دفع هذا المبلغ الكبير، ولم يكن يريد قتال تانكرد، فترك حصن الأثارب يسقط وكان ذلك في سنة (504هـ) ، وقتل الصليبيون ألفين من رجال المسلمين في داخل الحصن ، وأسروا الباقي ! لكن المشكلة الكُبْرَى أن السيطرة على هذا الحصن جعل حلب مهددة طوال الوقت، وتكرر حصارها إلى الدرجة التي آذت أهلها جدًّا، ولم يستطيعوا أن يخرجوا بسهولة إلى مزارعهم وتجارتهم ؛ مما دفع الكثير من سكانها إلى الهجرة إلى بغداد وغيرها ، وهذا بدوره دفع رضوان إلى عقد صلح مجحف مع تانكرد يتكفل فيه بدفع ثلاثين ألف دينار دون أن يتخلى تانكرد عن حصن الأثارب ، بل إن تانكرد احتل حصنًا آخر هو حصن زردنا، إضافةً إلى إطلاق كل أسرى الصليبيين والأرمن الموجودين في سجون حلب ، ومن هنا تدهور الحال جدًّا في حلب .

ومثلما حدث في حلب حدث في شيزر حيث دفع أميرها سلطان بن منقذ الجزية لتانكرد ، وكذلك تكرر الأمر في حماة حيث تكفل أميرها علي الكردي بدفع الجزية هو الآخر لتانكرد نظير مسالمته !

وهكذا أصبح تانكرد هو سيد المنطقة الشمالية من الشام، كما أصبح بلدوين الأول هو سيد المنطقة الجنوبية من الشام وكذلك فلسطين .

وعند هذا الحد تكون قد مرت ثلاث عشرة سنة على الاحتلال الصليبي للأراضي الإسلامية ، ونحتاج إلى وقفة لتدبر الوضع بعد أن تبلورت صورته إلى حد كبير، ولنأخذ بعض العِبَر من الموقف، ونستقرأ المستقبل الذي ستئول إليه الأحداث .

أولاً : أخذت الإمارات الصليبية بعد هذه السنوات الثلاث عشرة شكلها النهائي ولن يكون التغيير بعد ذلك ولمدة عشرات السنوات كبيرًا، ونستطيع أن نجعل الصورة النهائية للوضع كما يلي :

وهكذا استقرت هذه الكيانات الأربع في عمق العالم الإسلامي ، ودام هذا الاستقرار عشرات السنين كما سيتبين لنا من سياق القصة .

ثانيًا : الوضع الذي وصفناه الآن لا شك أنه أشد وطأة من الوضع الذي نعاني منه الآن في فلسطين ؛

1- تكونت في أرض فلسطين وأجزاء من لبنان مملكة بيت المقدس الصليبية ، وهي الوحيدة التي أطلق عليها لقب مملكة، وهذا يدل على أنها غير تابعة لغيرها بينما يتبعها الآخرون ؛ وهذا هو الواقع الفعلي الذي رأيناه بعد ذلك، فإنه وإن تمتعت كل إمارة صليبية باستقلال ذاتي إلا أن الكلمة الأولى في شئون الصليبيين كانت لمملكة بيت المقدس، وكانت هذه المملكة تحت حكم بلدوين الأول الفرنسي ، وأخذت طابعًا فرنسيًّا بحتًا ، مما جعل المسلمين يطلقون على كل الصليبيين لفظ الفرنجة أو الفرنج أو الإفرنج، وكلها تعني الفرنسيين ، وهذا لمكانة مملكة بيت المقدس بالنسبة لغيرها من الإمارات، وكانت حدود مملكة بيت المقدس في سنة (504هـ) 1110م تمتد من بيروت شمالاً إلى يافا جنوبًا ، وتصل في العمق إلى مدينة القدس في فلسطين، وهي بذلك تضم عدة مدن في غاية الأهمية مثل : بيروت وصيدا وعكا وحيفا ويافا واللد والرملة ، وأهم من كل ذلك القدس الشريف، وسوف تتوسع هذه المملكة مستقبلاً حتى تضم أيضًا صور وعسقلان ، إضافةً إلى صحراء النقب كما سنرى في الصفحات القادمة .

2- الإمارة الثانية للصليبيين هي إمارة طرابلس التي تكونت حديثًا سنة (503هـ) 1109م ، وكان على رأسها الأمير برترام بن ريمون، وكانت هذه الإمارة في بادئ الأمر منقسمة على نفسها كما بينا، حيث كانت طرابلس والجبيل في يد برترام بن ريمون، وعرقة وطرطوس في يد وليم جوردان، غير أن وليم جوردان قُتل - كما يقولون - في ظروف غامضة ! ولا يستبعد أن الذي أوعز بقتله هو برترام بن ريمون ليخلو له الجو في الإمارة، وبالفعل تكونت إمارة طرابلس الموحدة، وكانت حدودها الشمالية تصل إلى طرطوس (في سوريا الآن) ، بينما تصل حدودها الجنوبية إلى مدينة جبيل في لبنان ، أما قاعدة الإمارة فهي مدينة طرابلس بالطبع .

3- الإمارة الثالثة هي أنطاكية، وأميرها هو تانكرد النورماني، وقد توسعت جنوبًا حتى وصلت إلى بانياس، وشمالاً إلى إقليم قليقية، وتوسعت أيضًا شرقًا حتى وصلت إلى مشارف حلب، وكان غالب الجيش في هذه الإمارة من النورمان الإيطاليين . 4- الإمارة الرابعة هي إمارة الرها ، وهي أول الإمارات تأسيسًا، ويقودها بلدوين دي بورج، وتضم عدة مدن في جنوب تركيا وشمال سوريا حول نهر الفرات، وأهم هذه المدن إلى جوار الرها مدينة سميساط وسروج والبيرة، إضافةً إلى مدينة تل باشر التي يقودها جوسلين دي كورتناي الشخصية الثانية في إمارة الرها .

ومع كون الوضع مترديًا على هذه الصورة فإنَّ المسلمين - كما سيتبين لنا - استطاعوا الخروج من الأزمة ولو بعد حين، وعلى هذا فإذا كانت أزمتنا الآن أهون فخروجنا منها أسهل بإذن الله، وحتمًا - كما يثبت لنا التاريخ - يظهر بعد الليل الطويل فجرٌ سعيد .

1- فالوضع أيام الحروب الصليبية لم يكن مقتصرًا على دولة واحدة، بل تأسست أربع دول . 2- ولم يكن الاحتلال مقصورًا على فلسطين وحدها ، بل شمل فلسطين ولبنان وسوريا وتركيا . 3- ولم يقبع الاحتلال هناك فترة قصيرة من الزمن إنما دام مائتي سنة . 4- كما أن المذابح التي رأيناها في احتلال المدن الإسلامية أكثر بكثير من كل ما نشاهده الآن في المدن الفلسطينية . 5- كما أن حالة الفُرقة بين المسلمين أشد وأعتى مما نعانيه الآن؛ فلو نظرت إلى سوريا فقط فإننا سنجدها في زمان الحروب الصليبية مقسمة إلى عدة إمارات منفصلة، منها حلب وحمص ودمشق وحماة وشيزر وبانياس وغيرها . ثالثًا : رأينا الأخطاء المتتالية التي ارتكبها الجيل الذي عاصر الحروب الصليبية، وهذه الأخطاء المركبَّة لم يقوموا هم وحدهم بدفع ثمنها بعد ذلك، بل دفعتها أجيال متعاقبة، ولسنوات طويلة ؛ فقد شاهدوا على سبيل المثال تقاعسًا من المسلمين عن نصرة طرابلس المحاصرة ، وظل الحصار كما رأينا سبع سنوات متصلة ثم سقطت طرابلس ، واستمر هذا السقوط مائة وخمسًا وثمانين سنة !! أي دفع الثمن ستة أو سبعة أجيال متلاحقة ، مما يبين أن حجم الخطأ الذي يرتكبه المرء قد يكون له ذيول وعواقب تضاعف من أثره ونتائجه، وعليه فلا ينبغي أبدًا أن يستهين الإنسان بالذنب أو الخطأ ، ولعل المسلمين تخيلوا عند سقوط طرابلس أن هذا شيء عارض لن يستمر سوى عام أو عامين، ثم كانت العواقب كما رأينا .

وقد حذَّر رسولنا الكريم أن هذا قد يحدث مع الكلمة الواحدة ، فكيف بالفعل والأفعال ! يقول رسول الله : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ" .

رابعًا : رأينا في المواقف السابقة تعاونًا مشينًا بين بعض القواد المسلمين كرضوان من ناحية أو جاولي من ناحية أخرى مع جيوش الصليبيين ، وفي لحظة من اللحظات ظنَّ هؤلاء أن عزتهم ستكون بالارتباط بالقوة العسكرية الأولى في المنطقة ، ثم رأينا سريعًا أن الصليبيين يتنكرون لهذا التعاون ، وينقلبون على الزعماء المسلمين عند أول فرصة ، ويبيعونهم بأبخس ثمن ، فقد أدَّوا دورهم في مرحلة، ثم لم يعد لهم قيمة ولا نفع ! لقد رأينا تانكرد لا يكتفي بالتنكر لعهده وحلفه مع رضوان ، بل رأيناه يقف بجيشه على أبواب حلب يقصفها ويحاصرها ويمنعها الطعام والشراب ، ويُمعِن في إذلال رضوان فيفرض عليه الجزية، ويسخر منه ويفضحه بين الناس !

إن هؤلاء الزعماء المساكين لم يمروا بقلوبهم أو حتى بعيونهم على قول الله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) , وأقول لهم : إن لم يكن لكم اعتبارٌ بكتاب الله ولا سنة رسوله فليكن لكم اعتبارٌ بالتاريخ ، وليست هذه صورًا نادرة نحكيها ، إنما هي السنة المطردة، والواقع المتكرر !

خامسًا : إذا كنا رأينا هذه الصورة المتخاذلة من حكام الشام في هذه الفترة العصيبة، فلا بد أن نتساءل: أين علماء الشام ؟! لقد اختفى إلى حد كبير، وأحيانًا إلى حد مطلق مَن يأمر بالجهاد أو المقاومة أو التحرير، سواء في دمشق أو في حلب أو في غيرهم ا!
أين العلماء ؟!

واقع الأمر أنه كما ذكرنا قبل ذلك فقد فُرِّغت الشام من علمائها في أثناء الاحتلال العبيدي السابق لفترة حكم سلاجقة الشام، ولكن - للأسف الشديد - عند ولاية سلاجقة الشام بداية من تتش بن ألب أرسلان أو ولديه رضوان ودقاق كان التغيير في الوضع سياسيًّا فقط، لكن بقي للإسماعيلية الباطنية وجود كبير في داخل المدن الشامية، وعلى رأسها حلب ودمشق، ولكن مر بنا الظهور الإسماعيلي الشيعي الفج في حلب ودورهم في التأثير في رضوان حاكمها، ولكن هذا لم يكن في حلب وحدها ، إنما رأيناه في دمشق أيضً ا!! نعم لم نجد التعاطف الذي أبداه رضوان تجاه الإسماعيلية ، ولكن رأينا بدلاً من التعاطف خوفًا وجبنًا من الباطنية الإسماعيلية أفضى إلى نفس النتيجة، فقد اشتهر الباطنية بحوادث الاغتيال والمؤامرات؛ ولذلك آثر الحكام المسلمون السلامة ، ولم يتقدموا بأي جهد لتغيير الواقع الأليم، حتى رأينا تسلطًا من زعماء الإسماعيلية على مجريات الأمور في دمشق إلى الدرجة التي جعلت حاكمًا مثل طغتكين - على حُبِّه للجهاد ورغبته في نصرة السنة - لا يستطيع الوقوف في وجه الشيعة الإسماعيلية ، فأعطاهم قلعة بانياس بناءً على طلبهم ليتحصنوا بها !

ولكن المؤلم حقًّا أن من بقي من العلماء السنة في داخل دمشق لم تكن له القدرة على الكلام أو التعليم، ولم تكن عندهم الجرأة على النصح والإرشاد، ولما إستفحل أمر بهرام داعي الباطنية في دمشق، وانتشر فساده ماذا فعل العلماء؟! يقول ابن القلانسي في وصفه حال العلماء آنذاك : "وضاقت صدور العلماء وأرباب الدين وأهل السنة، ولم يتجاسروا على الكلام خوفًا من أسرهم وقتلهم" .

آهِ لو خاف العَالِم وسكت ! آه لو تعلل العالِم بعذر فاعتزل! آه لو تمسك العالِم بدنياه فأضاع دينه ودين الناس !

لعل هذه الملاحظة - أعني سكوت العلماء وخوفهم على حياتهم - من أهم أسباب الأزمة التي رأيناها أيام الحروب الصليبية، ومن أهم أسباب الضعف في أي فترة من فترات سقوط الأمة الإسلامية؛ فالعلماء ورثة الأنبياء، وهم قادة الأمة الحقيقيون، فلو ضلُّوا وضاعوا فكيف يُرجى للأمة هداية ؟!

سادسًا : وإذا كنا رصدنا في هذا التحليل القصور الشديد الذي كان عليه الحكام والعلماء، فإن هذا لا يعني أن نعفي الشعوب من المسئولية !
أين الشعب في الشام؟!
أين شعب حلب ودمشق وحماة وحمص؟!
أين شعب بيروت وصيدا وحيفا وعكا؟!
أين أولئك الذين لم يصابوا في دينهم ومقدساتهم فقط، بل أصيبوا في أموالهم وأملاكهم وأعراضهم؟!

إن الشعب الذي يسكت على مثل هذا الذل شعبٌ لا يستحق الحياة !
إن الحاكم لا شيء بغير شعبه ، وإلا فكيف كان يقاتل رضوان إلى جوار الصليبيين؟! هل كان يقاتل بمفرده، أم إنه يقاتل بجيش كبير، ومن وراء الجيش وزراء وأمراء، ومعهم علماء وقضاة وفقهاء ومدرسون، ومن ورائهم موظفون وتجار وفلاحون؟! ألم يكن في بيت كل واحد من هؤلاء زوجة وأم وأخت وبنت؟! ألم يسمع أيُّ واحد من هؤلاء كلمة نصح، أو على الأقل كلمة تعجب: لماذا تفعلون هذه الأفعال ؟!
إن المصيبة كانت عامة! والخطأ مركب، ولا تحدث مثل هذه الكوارث العامة، والنكبات الهائلة إلا بتقصير عام من شتى طوائف الشعب من أعلى سلطة فيه إلى أقل عامل من عمال المسلمين، إلا من رحمه الله، وقليل ما هم !!

سابعًا : رأينا في هذه المواقف أيضًا أن الدولة العبيدية قد باعت القضية تمامًا، فبعد المحاولات الثلاث التي قامت بها عند مدينة الرملة توقفت جهودهم تمامًا لاسترداد فلسطين، أو على الأقل لتأمين الحدود الشرقية للدولة المصرية ، وهذا كان أمرًا متوقعًا منهم بعد أن شاهدنا تخاذلهم في القدس ، وشاهدنا تخاذلهم في عكا ، وشاهدنا استغلالهم للموقف في طرابلس لحسابهم وليس للمصلحة العامة للمسلمين، وشاهدنا أيضًا تخاذل علمائهم في حلب ودمشق، بل وشاهدنا الفظائع التي ارتكبها الباطنيون الإسماعيلية هنا وهناك !

إن هذا كله يثبت أن هذا الدين لا ينصره مختل العقيدة أو مضطرب الفكر، إن هذا الدين عزيز ثمين، ولن يحمل رايته إلا المخلصون الفاهمون !

ثامنًا : مع كل هذا الظلام الذي رأيناه في قصة بداية الاحتلال إلا أن النور لا ينعدم! فقد شاهدنا أمثلة تدل على أن الخير في الأمة لا ينقطع، والهمة لا تموت، نعم قد تضعف، ولكنها أبدًا لا تموت ؛ ولعل رؤيتنا لسقمان بن أرتق وهو يذهب إلى الجهاد في حالته المرضية الشديدة دليلٌ على هذا الكلام، كما رأينا في موقعة البليخ وما ظهر فيها من جهاد وتجرد لله، إضافةً إلى حملات عسكرية متكررة من طغتكين أمير دمشق الذي كان - على سلبياته - محبًّا للجهاد، محببًا عند الرعية، راغبًا في الخير، نادمًا على أخطائه التي لعل من أبرزها سكوته على الإسماعيلية بل إعطاءهم قلعة بانياس، ومع ذلك فإنه عند موته أوصى ابنه بوري بن طغتكين الذي تولى الأمر من بعده بأن يُعلِي من شأن العلماء السُّنَّة، وأن يتمسك بالجهاد في سبيل الله .

إن الأمثلة التي رأيناها في هذه الفترة لم تكن هي الأمثلة الخالصة التي يتحقق التغيير على يدها، ولكنها كانت أمثلة طيبة حملت الراية لمن بعدها، تمهيدًا لظهور شخصية تامة التجرد لله؛ ليُنزِل الله عليها نصره .

تاسعًا : مع شدة الألم الذي إعتصر قلوبنا لسقوط المدن الإسلامية الواحدة تلو الأخرى، ولذبح الآلاف من المسلمين، فإنَّ هذه الغمة كانت سببًا في توضيح الرؤية للشعوب ولنا، فبعض الحكام يُدلِّس على شعبه ؛ مستغلاً إعلامه وجنوده ومقربيه ، وموهمًا الجميع أنه يتحلى بالحكمة ، ويتصف بالكياسة ، ويتميز بحسن الرأي والقرار ، بل لعله يتظاهر بحب الشريعة ، وبذل النفس من أجل الدين ! لكن تأتي مثل هذه الأحداث المحزنة فتكشف الأوراق، وتبدي الحقائق ، ويعرف الناس الغَثَّ من السمين ، والصالح من الطالح ، ولعل هذا من أبرز فوائد هذه الكوارث ، ومن أعظم نتائجها، وصدق الله إذ يقول : (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) .

عاشرًا : برز لنا بوضوح في هذه الأحداث أن الخير سيأتي - غالبًا - من جهة شمال العراق ، وتحديدًا من مدينة الموصل، وإذا كنا قد رأينا حملات كربوغا وجكرمش ، فإننا سنرى ما هو أعظم منها على يد مودود بن التونتكين ، ثم سيكون الظهور الأجلُّ لعماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي ، وكلهم سيأتي من هذه المناطق، وقد ذكرنا قبل ذلك مبررات هذه الخيرية في هذه المنطقة في هذا التوقيت ، ولكن الوقفة المهمة التي نريد أن نلفت الأنظار إليها هي أن التغيير قد يأتي من مكان بعيد جدًّا عن الأحداث ، فقد رأيناه هنا يأتي من شمال العراق بدلاً من الشام أو فلسطين أو آسيا الصغرى ، وهي الأماكن المنكوبة في القصة ، ورأيناه في قصة التتار يأتي من مصر، مع أن التتار لم يدخلوا مصر أصلاً، ورأينا إصلاح أوضاع الأندلس بعد أن كاد الإسلام ينتهي فيها، يأتي على يد عبد الرحمن الداخل صقر قريش القادم من دمشق ، وهكذا ؛ وعلى ذلك فعند وقوع مثل هذه النكبات لا ينبغي لنا عند التحليل والتقييم أن نقصر النظرة على البلد المنكوب ، بل نوسع النظر لنشمل العالم الإسلامي بكامله ، وحتمًا عندها سنرى النور هنا أو هناك، وهذه هي عظمة هذا الدين .
 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

عماد الدين زنكي .. وحدة وجهاد !

تسلَّم عماد الدين زنكي منصبه الجديد ، والذي لم يكن تشريفًا على قدر ما كان تكليفًا ، فالمهمَّة صعبة ، والعبء ثقيل ، والآمال معلَّقة على هذا القائد الجديد .. وبدأ عماد الدين زنكي في ممارسة مهامه حتى قبل أنْ يصل إلى الموصل !

لقد كان متَّجِهًا من بغداد إلى الموصل ، وهو يعلم أن جاولي الذي تولى الوصاية على إبن آق سنقر البرسقي قد يرفض تسليم الموصل ويتحصَّن بها ، وقد يستقلُّ بها كما حدث من بعض الزعماء قبل ذلك ، فأراد عماد الدين زنكي أن يضع الخطَّة البديلة لمثل هذا الوضع إن حدث ، وعرف أنه لا بُدَّ له من مركز يتحرَّك منه ، وبالتالي فقد توجَّه على رأس الفرقة التي كانت معه إلى مدينة البوازيج ، وهي مدينة قرب تَكريت إلى الجنوب من الموصل ، وسيطر عليها ، وجعلها قاعدة لجيشه ، وبهذا يستطيع أن يتابع الضغط على الموصل في حال رفض جاولي أن يُسَلِّمها ، وفي نفس الوقت ستصبح البوازيج تأمينًا لحدود الموصل الجنوبيَّة في حال تسليم جاولي للمدينة ، أو سقوطها في يَدِ عماد الدين زنكي .

وبالفعل سيطر عماد الدين زنكي على البوازيج ، ثم أتبعها بضمِّ جزيرة إبن عمر ، وهي منطقة مهمَّة جدًّا تقع على مسافة خمسة كيلو مترات تقريبًا جنوب الموصل ، ولها أهمية عسكرية وإقتصادية عالية ، وكان قد إستقلَّ بها أحد مماليك البرسقي ؛ ولهذا كان لا بُدَّ من ضمِّها لتأمين جنوب الموصل ، ثم تقدَّم بطلنا صوب الموصل .

وفكر جاولي في موقفه ، فوجد أنه ضعيف ، وليس له سند من الدولة ولا من الشعب ؛ ولذلك تردَّد في منع عماد الدين زنكي من دخول المدينة ، وكان عماد الدين زنكي يقرأ أفكار جاولي ، ومن ثَمَّ عَلِمَ أنه ليست له طاقة كاملة للإستقلال بالمدينة ، إلاَّ أنه من الممكن أن يُكَلِّف عماد الدين زنكي خسائرَ في المال والأرواح والوقت إذا قاومه لفترة ؛ لذلك فكَّر عماد الدين زنكي في إستغلال جاولي لصفِّه ، فراسله من البداية ، ووعده بإعطاء إقليم الرحبة وما حوله كإقطاعية يحكمها بإسم عماد الدين زنكي ، وإقليم الرحبة من أقاليم الشام الثريَّة والقريبة من حصون الصليبيين ، وهو بذلك سيضرب أكثر من عصفور بحجر ؛ فهو سيدخل الموصل آمنًا دون قتال ، وسيستخدم جاولي في إدارة إقليم إسلامي مهمٍّ ، ويصبح بذلك من رجاله ، ثم سيستغلُّ طاقاته العسكرية في قتال الصليبيين ، وهو الهدف الرئيسي لعماد الدين زنكي ، وفوق كلِّ ذلك فإن هذا السلوك من عماد الدين زنكي سيشجِّع كل المعارضين على التعامل معه والإخلاص له ، فهو لا يتخلَّص من المنافسين له ، ولكن يُجزل لهم العطاء ، ويُوَلِّيهم في إمارته ، ولا شكَّ أن هذا سيجذب إليه القلوب .

وجد جاولي في هذا العرض السخي من عماد الدين زنكي حلاًّ لمطامحه ، وبالتالي وافق بسهولة ، ومن ثَمَّ دخل عماد الدين زنكي الموصل دون إراقة قطرة دم واحدة ، وكان هذا منهجه كلَّما إستطاع إلى ذلك سبيلاً .

بدأ عماد الدين زنكي مباشرة في ترتيب البيت الداخلي ، فعيَّن على إمارة الموصل نصير الدين جقر ، وهو بمنزلة محافظ الموصل ، وكان نصير الدين جقر شخصية حازمة قويَّة تناسب الوضع الأمني المتدهور في الموصل آنذاك ، وأوكل إليه عدَّة مهام رئيسية كان منها إستتباب الأمن الداخلي في الموصل ، وتقوية الأسوار والقلاع والخنادق ، وتقوية العلاقات مع رءوس الناس والأعيان ورؤساء القبائل ، وتنسيق الدواوين والإدارات ، وقد جعل عماد الدين زنكي ميزانيَّة ضخمة لهذه الدواوين (الوزارات) ، حتى صار العمل فيها سلسًا وسريعًا ومنظَّمًا ، كما أكَّد عماد الدين زنكي على حسن التعامل مع الجمهور حتى وصف أبو شامة المتعاملين مع هذه الدواوين بقوله : "وكأنهم في أهلهم" ..

وأوكل عماد الدين زنكي مهمَّة الجيش إلى صلاح الدين محمد الياغيسياني ، وهو أحد الرسولَيْنِ اللذين أرسلهما جاولي قبل ذلك للسلطان محمود ، وقام مع زميله بترشيح عماد الدين زنكي خلافًا لما أراده جاولي ، وقد شعر عماد الدين زنكي بمدى تجرُّد الرجل حيث ضحَّى بمنصب متوقَّع في سبيل تزكية عماد الدين زنكي ، إضافةً إلى أنه من المتمكِّنين عسكريًّا ، ومن المتميِّزين في ساحة المعارك ..

ثم أسند عماد الدين زنكي مهمَّة القضاء إلى الرسول الثاني الذي كان مرافقًا لصلاح الدين محمد الياغيسياني ، وهو بهاء الدين الشَّهْرُزُوري وقد كانت عائلة الشهرزوري بكاملها من العائلات المشهورة بالعلم عامَّة ، وبالقضاء خاصَّة ، وقد أيقن عماد الدين زنكي أيضًا بإخلاص هذا الرجل فقدَّمه على غيره ، وإعتمد عليه في إختيار مَنْ تحته من القضاة في الولايات المختلفة .

وهكذا إستقرَّ عماد الدين زنكي رحمه الله على حكومته الرئيسيَّة ؛ حيث إطمأنَّ على أهمِّ القيادات في دولته ، وهي القيادة الإداريَّة والعسكريَّة والدينيَّة .

ثم شرع عماد الدين زنكي رحمه الله في إستقدام العلماء من الأماكن المختلفة في العالم الإسلامي ، وأفسح لهم المجال لتعليم الناس دينهم ، والحديث بإستفاضة عن قضية الجهاد ، وتعبئة الشعب لهذه المهمَّة النبيلة ، وتذكير الناس بأيام الله التي إنتصر فيها المسلمون ، وإعادة الناس إلى ربهم سبحانه وتعالى ، وتنشئة الجيل الجديد على التضحية والبذل ، وتوجيه النيَّة لله رب العالمين وهكذا بدأ الإعلام في الدولة الجديدة يهتمُّ بقضايا أُهملت في كثير من المناهج ، وبدأت أحلام الناس وأهدافهم تتغيَّر لصالح قضية عماد الدين زنكي الرئيسيَّة ، وهي قضية إخراج الصليبيين من بلاد المسلمين .

وهكذا رتَّب عماد الدين زنكي بيته الداخلي ، وأسَّس دولة على بُنيان صُلب ، وإطمأنَّ إلى الأوضاع في داخل الموصل ، ومن ثَمَّ بدأ ينظر إلى خارجها عازمًا على توحيد الأُمَّة في كيان كبير يستطيع أن يصمد أمام الصليبيين .

ولما كان عماد الدين زنكي واقعيًّا ، وكان يُحسن تقدير قوَّته وقوَّة عدوِّه فإنه أدرك أنه في هذه المرحلة لا يَقْوَى على قتال إمارة الرها القريبة ، وكان في نفس الوقت يريد أن يتفرَّغ لتوحيد الإمارات الكثيرة المتناثرة حول الموصل ، ومن هنا قرَّر أن يعقد هدنة مع إمارة الرها لمدَّة سنتين ، وقد كان واضحًا جدًّا أن الإتفاقية محدَّدة بفترة زمنيَّة معيَّنة ؛ لأنه لا يستطيع بحالٍ أن يعقد إتفاقيَّة سلام دائم مع عدوٍّ يحتلُّ أرض المسلمين ، ومن هنا دلَّل على أنه يجمع بين الفقه العسكري والفقه الديني ، وهذا ما ميَّزه عن بقيَّة زعماء عصره .

ولما عُقِدَتْ هذه الهدنة المهمَّة فكَّر عماد الدين زنكي مباشرة في ضمِّ المدينة العظيمة حلب ، وقد تحدَّثنا قبل ذلك عن أهميَّة حلب الإستراتيجيَّة والعسكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والبشريَّة ، إضافةً إلى أن حلب كانت متحدة قبل ذلك في زمان آق سنقر البرسقي مع الموصل تحت حكم السلطان السلجوقي محمود ، فالوَحدة بينهما منطقيَّة وقانونيَّة ، وليس من المفترض أن يكون هناك خلاف على توحيدها مع الموصل ، هذا إضافةً إلى أن القاعدة الشعبية لعماد الدين زنكي هناك قويَّة ؛ وذلك لذكريات أبيه العادل قسيم الدولة آق سنقر الحاجب ، الذي قُتل منذ أربعٍ وثلاثين سنة وهو يدافع عن حلب ضد تتش بن ألب أرسلان .

لكن عماد الدين زنكي - مع رغبته في ضمِّ حلب - لم يشأ أن يُقْدِم على هذه الخطوة قبل أن يقوم بإجراءين رئيسيين :

أما الإجراء الأول فهو تأمين الحدود الشمالية والشمالية الشرقية للموصل ، وكان قد أمَّن حدودها الجنوبية قبل ذلك بضمِّ البوازيج وجزيرة إبن عمر كما مرَّ بنا ، وهذا التأمين يضمن له الحركة الآمنة في إتجاه الغرب ناحية حلب .

وكانت هذه المناطق مستَقَرًّا لقبائل الأكراد الكثيرة ، وكانت أقرب هذه القبائل للموصل هي قبائل الأكراد الحميدية والأكراد الهكارية ، وكانوا في هذه الفترة يُكَوِّنُونَ فِرَقًا مسلَّحة تُغِيرُ على مزارع وقرى الموصل الشرقيَّة ، وبالتالي يُثيرون الذعر بين الفلاَّحين ومواطني الموصل ؛ ومن ثَمَّ توجَّه إليها عماد الدين زنكي بفرقةٍ من جيشه .

ومع كون الفارق هائلاً بين قوَّة عماد الدين زنكي وجيشه النظامي وبين هذه القبائل المتفرِّقة ، إلاَّ أن عماد الدين زنكي رحمه الله كان حريصًا طيلة حياته على الإستفادة من كل الطاقات من حوله ، وكما وظَّف جاولي لصالحه قرَّر أن يوظِّف الأكراد - إن إستطاع - لخدمة دولته الناشئة ، وقد أقدم على هذه الخطوة على الرغم من التاريخ السيِّئ لهذه التجمُّعات ، لكنه كان دائمًا - رحمه الله - يسعى إلى الإصلاح وإلى الوَحدة .

إجتمع عماد الدين زنكي رحمه الله مع زعيم الأكراد الحميديين الأمير عيسى الحميدي ، وفي هذا الاجتماع أقرَّه على ولايته على الأكراد ، وترك له كل ما في يده ، في مقابل أن يُصبح تابعًا لإمارة الموصل ، وبالتالي لا يُغِيرُ على الإمارة ، إضافةً إلى الإستعانة به ضدَّ الصليبيين إذا لزم الأمر .. ولا شكَّ أن عيسى الحميدي أدرك قوَّة عماد الدين زنكي ، وعلى الرغم من أن هذه القبائل كانت كالميليشيات العسكرية الخاصة إلاَّ أنهم أدركوا أنه من الأسلم لهم - على الأقلِّ في هذه المرحلة - أن يخضعوا لسلطان عماد الدين زنكي , وهكذا ضُمَّتْ قوَّة الأكراد الحميدية إلى قوَّة الموصل ، أو على الأقلِّ حُيِّدَتْ .

وعندما نجحت خُطَّة عماد الدين زنكي رحمه الله مع الأكراد الحميدية , إتجه مباشرة إلى الأكراد الهكارية ، وعقد نفس الإتفاقية مع أبي الهيجاء الهكاري زعيمهم ، وبذلك أمَّن الحدود الشمالية والشمالية الشرقية تمامًا وهكذا نجح عماد الدين زنكي بجهود دبلوماسية في أن يقرَّ الأوضاع في الموصل وما حولها ، وبالتالي أفرغ ذهنه لقضيَّة حلب ، وكان هذا هو الإجراء الأول - وهو تأمين الحدود الشمالية والشمالية الشرقية - قبل الإتجاه غربًا إلى حلب .

أمَّا الإجراء الثاني فهو التمهيد الإعلامي والعسكري لفكرة قدومه إلى حلب ؛ حتى يتجنَّب حدوث صدام قد تراق فيه الكثير من الدماء المسلمة .

وكان التمهيد الإعلامي الذي قام به هو إرسال الرسل من طرفه إلى حلب فتسلَّلوا إليها ، وتحدَّثوا مع الناس في مساجدهم ومجتمعاتهم بأحقِّيَّة عماد الدين زنكي في حكم هذه المدينة المهمَّة ، فهو الذي إرتضاه لهم السلطان محمود سلطان السلاجقة والقوة الأُولى في العالم الإسلامي آنذاك ، وهو المجاهد الصُّلب الذي يستطيع أن يقف في وجه الصليبيين ، وهو الحاكم العادل الذي سيُقِرُّ السلام في داخل حلب ، ويُعيد الحقوق لأصحابها ، وهو إبن آق سنقر الحاجب الذي توارث أهلُ حلب الرحمة عليه ..

لقد كان عماد الدين زنكي يهدف من وراء هذا التمهيد أن يجعل قدومه على حلب مطلبًا شعبيًّا ، خاصَّةً أنه يعلم أن قتلغ أبه وإبراهيم بن رضوان كليهما من الفاسدين ، وأن سليمان بن عبد الجبار الأرتقي ضعيف ، وأن أهل حلب لا يريدون أحدًا منهم ، فإذا كان البديل هو عماد الدين شخصيًّا فلا شكَّ أن هذه ستكون فرصة طيِّبة للشعب هناك .

ولقد نجحت خطَّة عماد الدين زنكي تمامًا ، وإنتشر دُعاته بين الناس ، وصار الناس يترقَّبون اليوم الذي يظهر فيه عليهم .

أما التمهيد العسكري فقد قام به عماد الدين زنكي عن طريق إرسال رأس جيشه صلاح الدين الياغيسياني ، الذي درس الأوضاع حول حلب ، وأمَّن الطرق ، وتراسل مع بعض الأفراد من جيش حلب ، ومهَّد الأوضاع لإستقبال القائد العظيم عماد الدين زنكي ..

وعندما تيقَّن عماد الدين زنكي من أن الظروف أصبحت مناسبة في حلب ، تحرَّك إليها من الموصل على رأس فرقة قويَّة من جيشه ، وفي طريقه ضمَّ مدينتي بزاغة ومَنْبِج ، وهما مدينتان في شرق حلب تمامًا ؛ وذلك لتأمين خطِّ رجعته إن فشل في دخول حلب ، ثم إقترب بعدها من حلب ، وهنا حدثت المفاجأة السارَّة !

لقد خرج شعب حلب من المدينة ؛ ليكون في إستقبال عماد الدين زنكي ، مرحِّبِينَ به أشدَّ الترحيب ، ومعلنِينَ ولاءهم الكامل له ، بعد معاناتهم الفترة السابقة تحت حكم هذه المجموعة من الفاسدين .

وإزاء هذه المظاهرة الشعبيَّة الرائعة لم يجد إبراهيم بن رضوان ولا سليمان بن عبد الجبار بُدًّا من الهرب من المدينة دون قتال ، بينما أمسك الشعب بقتلغ أبه ، وقُتل جزاءً وفاقًا للأرواح الكثيرة التي أزهقها فترة حكمه ..

وهكذا دخل عماد الدين زنكي مدينة حلب دون إراقة دماء وفي وسط ترحيب شعبي عارم ، وتتوحَّد بذلك مدينتان من أهمِّ مدن المنطقة ، وهما الموصل وحلب ، ولم تكن أهمية هذه الوحدة تعود إلى إزدياد القوة الإسلاميَّة فقط ، ولكنها تعود أيضًا إلى فصل إمارة الرها عن بقيَّة الإمارات الصليبيَّة في الشام وفلسطين , ممَّا سيُؤَثِّر حتمًا في مقدراتها وإمكانياتها ، وكان هذا الدخول المبارك لحلب في شهر جُمادى الآخرة سنة (522هـ) يونيو 1128م أي بعد حوالي تسعة أشهر فقط من تسلُّم عماد الدين زنكي مقاليد الحكم في الموصل ، وهو بذلك إنجاز رائع في زمن قياسي !

وبمجرَّد دخول عماد الدين زنكي حلب قام بخطوة سياسيَّة رائعة ، وهي الزواج من خاتون إبنة رضوان بن تتش حاكم حلب السابق ، وكان هذا الزواج سياسيًّا ؛ لأنه بذلك سيُهَدِّئ أفئدة بيت رضوان ، وأصحاب العَلاقات معه .. ولا ننسى أن رضوان حَكَمَ حلب عشرين سنة كاملة قبل ذلك ، من سنة 487هـ إلى سنة 507هـ، ولا بُدَّ أن تكون له عَلاقات ضاربة في جذور البلد ، فضلاً عن عائلته المستقرَّة هناك ، وكذلك إبراهيم بن رضوان الذي كان يحكم حلب منذ أيَّام ، وهرب إلى نصيبين عند قدوم عماد الدين زنكي .

لقد كان الملوك والأمراء في ذلك الوقت يُثَبِّتون دعائم ملكهم عن طريق الزواج من حلفائهم ، وأحيانًا من أعدائهم ؛ حتى يتوثَّق الحِلْف بشكل أقوى ، أو تزولَ العداوة بشكل طبيعي ، وهذا ما سعى إليه عماد الدين زنكي ، وأثمر نتائجَ طيِّبةً ؛ حيث لم تقم عليه ثورات مطلقًا في داخل المدينة المهمة حلب .

ثم إنه تزامن مع دخول عماد الدين زنكي إلى حلب ، أو قبل ذلك بقليل ، في نفس السنة 522هـ أن مات طغتكين أمير دمشق بعد حكم دام حوالي خمسٍ وعشرين سنة (من سنة 497هـ إلى سنة 522هـ) ، وخلفه في الحكم إبنه بوري بن طغتكين بوصية من والده ..

وهذا الموت لطغتكين سيجعلنا نفتح مع عماد الدين زنكي ملف دمشق ! فلا شك أن دمشق هي أكبر مدن الشام مطلقًا ، وقوة من القوة المؤثِّرة في مجريات الأمور ، وهي بإمكانياتها البشرية والتاريخية والسياسية والعسكرية تمثِّل محطة مهمة جدًّا من محطات الصراع مع أي عدو من أعداء المسلمين ، وعندما ينصلح حالها ويقوى تُصبِح من أثقل النقاط إيجابية في المعادلة ، ولكنها على الجانب الآخر عندما يفسد حالها وتضعف تؤثَِّر تأثيرًا سلبيًّا في المنطقة ككل ، هذا أمرٌ لا نستطيع أبدًا أن نغفله .

وإذا كان عماد الدين زنكي يمتلك مشروعًا واضحًا ضخمًا كمشروع إخراج الصليبيين من أرض المسلمين كُلِّيَّةً ، فإنه لا بد أن يضع دمشق في حساباته ، وخاصةً أنها بموقعها المتوسط في الشام تصبح مركز إنطلاق وعودة في غاية الأهمية لإمارة أنطاكية وإمارة طرابلس ، وكذلك لمملكة بيت المقدس .

ومن هنا فلا بد لمن أراد أن يتم هذا المشروع بنجاح أن يضم دمشق إلى المشروع الوحدويّ الذي يجمع طاقات هذه المنطقة بكاملها ، وهذا من المؤكد أنه في ذهن عماد الدين زنكي ، وسيكون بعد ذلك في ذهن نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي ، بل ومن يأتي بعد صلاح الدين الأيوبي من زعماء ، سواء في الدولة الأيوبية أو في المماليك ، ولعله إلى زماننا الآن ؛ فإن دمشق - لا شك - محطة لا يمكن أن تُغفل .

لكن - للأسف الشديد - مع كل الإعتبارات التي ذكرناها فإن دمشق في هذه الفترة من حياة الأمة ، حين دخل الصليبيون بلاد الشام وفلسطين كانت تمثِّل - بلا جدال - حجر عثرة أمام أي مشروع وحدة إسلامية !

ولقد ذكرنا قبل ذلك الخلفيات التي جعلت الشعب في دمشق في هذه الآونة يخرج بلا هُوِيَّة واضحة ، ولا نزعة إسلامية سويَّة ؛ وذلك نتيجة الحكم العبيديّ الذي إمتد أكثر من مائة سنة ثم حكم تتش الظالم وإبنه دقاق كذلك ، ولئن كان طغتكين على خلاف ذلك ، فإنه أيضًا لم يكن بالرجل المتكامل الذي يقدِّم مصلحة الأمة بصرف النظر عن مصالحه الشخصية ، بدليل أنه لم يمانع من التحالف مع الصليبيين في نظير الحفاظ على كرسيِّه في الحكم .

ولقد كانت مشكلة كبرى بالنسبة لدمشق أن الذي يحكمها يشعر من تلقاء نفسه بالإستقلالية ؛ لأنها مدينة كبيرة ، ولها سمعتها وقيمتها ، وبالتالي يصبح له من الوضع الإجتماعي ما يمنع ذهنه تمامًا من التفكير في كونه يصبح تابعًا لغيره ! إنه ملك دمشق أو زعيمها ، فكيف يتبع أميرًا آخر أيًّا كان هذا الأمير ؟! هذه كانت مشكلة طغتكين وأبنائه من بعده .

أضف إلى هذا أن طغتكين كان من عائلة تركية منفصلة عن بقية العائلات الكبرى التي كانت تحكم المنطقة ، فلا هو من السلاجقة ، ولا هو من العباسيين ، ولا هو من العائلات العربية التي كان لها تاريخ في الحكم في المنطقة كبني عقيل أو بني مرداس أو بني منقذ أو غيرهم ؛ ومعنى هذا الكلام أنه سيظل محدودًا في دمشق ، ولن يكون له أعوان في مدن أخرى ، وهذه كانت مشكلة طغتكين الكبرى ، إذ إنه مع قوة مدينته لم يستطع أن يضم إليها أي مدينة في المنطقة إلا بشكل عابر ومؤقت ؛ ولذلك قنع طغتكين بالإحتفاظ بدمشق ، وسيقنع أولاده من بعده بذلك ، وسيُخرِجون تمامًا مشروع الأمة من أذهانهم ليستمر لهم حكم دمشق !

كان عماد الدين زنكي يقرأ كل هذه الظروف والملابسات ، وكان في نفس الوقت يخطِّط لضم المدينة المهمة دمشق إلى الوحدة المنشودة التي تهدف إلى جهاد الصليبيين ، ولا شك أن محور الموصل - حلب لو إكتمل بدمشق ، فإنه سيصبح محورًا مستعصيًا على الإنكسار .
والآن بعد موت طغتكين الذي حكم خمسًا وعشرين سنة متصلة ، لا بد أن دمشق في حالة فقدان للتوازن ، والحاكم الجديد بوري بن طغتكين ليست له الخبرة الكافية التي تمكِّنه من السيطرة على مجريات الأمور في دمشق ؛ ولذلك فإنْ أراد عماد الدين زنكي أن يضم هذه المدينة فلا بد أن يسعى في ضمِّها الآن دون تأخير .

فإذا أضفنا أن دمشق في ذلك الوقت كانت وكرًا للباطنية ، وكان طغتكين طيلة حياته يخشاهم ويداريهم ، ويترك لهم الحبل على الغارب ؛ مما أدى إلى توحُّشهم ، وبالتالي إزدادت خطورتهم ، ليس على دمشق فقط ، بل على منطقة الشام بكاملها ؛ إذا أضفنا هذا فلا بد أن نعلم أن سرعة السيطرة على دمشق ستُعِيد الأمن إلى نصابه في الشام وستصرف جهود المسلمين إلى الإصلاح ، وستفتح المجال للعلماء والقادة أن يتحركوا في سبيل الله دون أن يخشوا من خناجر الباطنية وسيوفهم .

وكان عماد الدين زنكي كسياسي خبير يدرك أن محاولات الوحدة السلمية بين دمشق وحلب والموصل تكاد تكون مستحيلة ، فلم يكن طغتكين على هذه الصورة ، ومن المؤكد أن إبنه كذلك سيكون متمسِّكًا بحكم دمشق ؛ ولذلك فإنه لكي يضم دمشق إلى الكيان الإسلامي الجديد لا بد له من سلوك أحد طريقين : إما طريق الحيلة ، وإما طريق القوة .

ولما كان عماد الدين زنكي لا يحب أن يريق الدماء إلا عند الضرورة القصوى ، وكان يغلب عليه طيلة حياته محاولة ضم المدن والبلاد الإسلامية دون الدخول في قتال عسكري ، فإنه إختار طريق الحيلة، ومحاولة الضغط على بوري بن طغتكين بطريقة غير عسكرية ليضم في النهاية دمشق إلى حكمه ، خاصةً أن دمشق كانت تسيطر على حماة أيضًا وهي مدينة مهمة جدًّا ، وقريبة من طرابلس .

وقبل الحديث عن حيلة عماد الدين زنكي ، فإننا يجب أن نشير إلى أنَّ حمص كانت هي الأخرى إمارة مستقلة ، وكان على رأسها رجل ظالم عامل أهلها بالتعسف والجور ، وهذا الرجل هو صمصام الدولة خيرخان بن قراجا ، وليس هذا فقط ، ولكن كان الشعب كذلك في حمص فيه من الصفات كما كان الحال في دمشق تمامًا لتعرُّض المدينة لنفس الظروف ، فقد حُكمت المدينة بالعبيديين أكثر من مائة سنة ، وحكمها بعدهم تتش بن ألب أرسلان ثم دقاق ، بل كان طغتكين شخصيًّا أميرًا عليها فترة من الزمان أيام حكم دقاق .

وهكذا - وبالنظر إلى جغرافية المنطقة - نجد أن الوصول إلى دمشق يحتِّم السيطرة على حماة وحمص أولاً لوقوعهما في الطريق بين حلب ودمشق فماذا يمكن أن يفعل عماد الدين زنكي ليتمكن من حمص وحماة أولاً ، ثم دمشق بعدهما ؟

لقد فكر عماد الدين زنكي في حيلة سياسية ، وهي أن يُظهِر أنه يجهِّز جيشًا لحرب الصليبيين ، ثم يطلب التعاون من الأميرين خيرخان بن قراجا أمير حمص ، وبوري بن طغتكين أمير دمشق، فإذا جاءا إليه ألقى عليهما القبض ، فتخلو مدنهما من الحماية ، وبالتالي يستطيع دخول المدن دون قتال .

هكذا كانت حسابات عماد الدين زنكي ولقد نجحت خطة عماد الدين زنكي في شقها الأول حيث جاءه بالفعل خيرخان بن قراجا في فرقة من جيشه ، أما بوري بن طغتكين فإكتفى بإرسال إبنه سونج مع سرية رمزية من دمشق قوامها خمسمائة فارس ، وكان سونج أميرًا على حماة .

فقام عماد الدين زنكي بالقبض على سونج فورًا ، وأسرع بدخول حماة ، وقد ضعفت لعدم وجود سونج وجيشه فيها ، وهكذا دخلت حماة في دولة عماد الدين زنكي دون إراقة دماء ، وبعد أن إستقر الوضع له هناك ألقى القبض على خيرخان بن قراجا ليفعل بحمص مثلما فعل بحماة ، لكن حمص أغلقت أبوابها ، وكان بها جيش كبير ، فلم يستطع عماد الدين زنكي أن يدخلها .

حاول عماد الدين زنكي أن يضغط على بوري بن طغتكين ليسلِّم مدينة دمشق في مقابل إطلاق سراح إبنه سونج إلا أن بوري رفض ، وعليه فقد ظلت دمشق منفصلة عن الوحدة الإسلامية .

وهكذا خرج عماد الدين زنكي من هذا الموقف بمدينة حماة بينما فشل في السيطرة على حمص ودمشق ، وليس هذا فقط، ولكن كُشفت كذلك أوراق عماد الدين زنكي أمام المدينتين ، وعلم بوري بن طغتكين أمير دمشق ، وقريش بن خيرخان أمير حمص الجديد (بعد أسر أبيه) أن عماد الدين زنكي لن يتردد في المستقبل في إختيار الحل العسكري لضم المدينتين ..

ويحمل كثيرٌ من المؤرخين على عماد الدين زنكي أنه قام بهذه الحيلة ، وأوهم بوري بن طغتكين ، وخيرخان بن قراجا بالجهاد ، ثم غدر بهما وقبض على الثاني وعلى إبن الأول ، وأن الغدر ليس أبدًا من شيم المؤمنين .

والواقع أن هذا الموقف من المواقف الصعبة في التحليل ؛ لأن الغدر فعلاً ليس من شيم المؤمنين ، لكن الأمر هنا ليس بهذه البساطة ، فالذي يصدر حكمًا على عماد الدين زنكي لا بد أن ينظر إلى جميع الملابسات في آنٍ واحد ، وأن يضع النقطة بجوار النقطة ، والدليل فوق الدليل ليخرج في النهاية برؤية سليمة للحدث ، ولا يتعامل معه على أنه غدرٌ مجرَّد أو مطلق .

ولعلنا لكي نتعايش مع عماد الدين زنكي في هذه القضية لا بد أن نقف على بعض الأمور :

أولاً , لا بد أن ننظر إلى المهمة التي يحملها عماد الدين زنكي قبل إطلاق الأحكام النظرية على الموقف والأحداث ؛ إنه يحمل مهمة جهاد الصليبيين الذين إحتلوا بلاد المسلمين منذ أكثر من ثلاثين سنة ، وإرتكبوا - وما زالوا يرتكبون - المذابح الشنيعة في القرى والمدن الإسلامية ، والوقت عامل مهم جدًّا في قضية كهذه القضية .

ثانيًا , هؤلاء الزعماء يرفضون مشروع الوحدة تمامًا ، وأي تلميح فضلاً عن التصريح لن يحمل إلا كل رفض ، وستضيع فرصة توحيد الأمة في كيان واحد قادر على مواجهة الصليبيين ، ولن يستطيع المسلمون - كما فهم عماد الدين زنكي - أن يُقدِموا على خطوة جهاد الصليبيين دون هذه الوحدة ، فأصبحت الوحدة واجبًا لا بد منه لتحقيق الواجب الأكبر وهو الجهاد ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

ثالثًا , هؤلاء الزعماء لا يكتفون برفض الوحدة ، والوقوف السلبي تجاه القضية ، ولكنهم يتعاونون تعاونًا صريحًا مع الصليبيين ، وتاريخهم يشهد بذلك، وكذلك واقعهم ، بل وسنرى في المستقبل القوات الصليبية تقف مدافعةً من حمص ودمشق ضد قوات عماد الدين زنكي !

رابعًا , ما هو البديل لهذه الحيلة ؟! البديل هو الضم القسري للمدينتين ! بمعنى أن يتم حصار المدينتين عسكريًّا ، وينشب القتال بين الجيشين المسلمين ، وتسقط الضحايا المسلمة ، وتدمر الحصون الإسلامية ، وتنسف الأسوار الإسلامية ، ويتعمق الحقد والبغضاء بصورة عظيمة بين الطائفتين !!

وهذا البديل وإن كان صعبًا ومُرًّا إلا أن الفقهاء أقروه ، وطبعًا هذا الإقرار لا يكون إلا في آخر المطاف ، أي بعد إستنفاد الوسائل السلميَّة الأخرى ، وقد رأينا هذه المواقف العسكرية لضم المدن الإسلامية في حياة معظم المجاهدين في تاريخ الأمة الإسلامية ، وخاصةً في الأوقات التي إبتليت فيها الأمة بضعف الخلافة ، فلم يعُدْ هناك رابط معين بين الدويلات الكثيرة المتفرقة .

فإذا نظرنا إلى هذا البديل العسكري ونتائجه ، ونظرنا في نفس الوقت إلى ضم حماة دون قطرة دم واحدة ، فإننا سندرك المنطلق الذي فكر به عماد الدين زنكي في هذه المسألة .

خامسًا , نحن لم نطَّلع على الصيغة التي أرسلها عماد الدين زنكي إلى بوري بن طغتكين أو خيرخان بن قراجا ، لندرك هل كان فيها أسلوب تورية أم لا ، فلعله صرَّح بألفاظ تحمل أكثر من معنى من أجل تحقيق هدفه دون غدر .

سادسًا , يقول رسول الله : "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ" ، وهذه حرب حقيقية بين المسلمين والصليبيين ، وبين المجاهدين المخلصين ومن يقف حجر عثرة ضد الجهاد ، وقد رأى عماد الدين زنكي أن هذه خدعة من خدع الحرب ، وهذا اجتهاد قد يكون أصاب فيه أو أخطأ ، لكن يبقى أنه في حالة حرب ، والحرب لها أحكامها التي قد تختلف كُلِّيَّةً عن أحكام الأوضاع السلمية .

سابعًا , عندما أراد رسول الله أن يقتل كعب بن الأشرف ، قال له محمد بن مسلمة : أتحب أن أقتله ؟ قال : "نعم" .. قال: فإذن لي أن أقول شيئًا .. قال: قل , ثم كان حوار طويل بين محمد بن مسلمة وكعب بن الأشرف ، كان فيه خداع كبير من محمد بن مسلمة ، وإنتهى الأمر بقتل كعب بن الأشرف .

وأنا أعلم أن الفعل هنا مع كافر وليس مسلمًا ، ولكن الحكم عام ، وخاصةً أن الزعماء المسلمين في هذه المدن كانوا يتعاونون مع الصليبيين تعاونًا صريحًا مشينًا .

ثامنًا , كان عماد الدين زنكي رحمه الله يستفتي الفقهاء في كل أموره ، وقد وجد فقهاء زمانه أن الضرر الواقع من هذه الحيلة أقل من الضرر الواقع عند إصطدام الجيوش الإسلامية ببعضها البعض ، مع الإعتراف أنه ضرر ولا يجب أن يُفعل في الظروف العادية ، ولا داعي لاتهام فقهاء العصر جزافًا ، فقد وصل الأمر ببعض المؤرخين أن قال في حق هؤلاء الفقهاء : " فأفتاه من لا دين له ، وجوَّز له ما لا يحل ، ولا يحسن شرعًا وعرفًا " .

فلم يكن عماد الدين زنكي بالرجل الذي يستفتي من لا دين له ، ولم يكن فقهاء دولته من الذين يفتون للسلطان بما يريد ، إنما كانوا بشهادة كل المؤرخين من أفضل علماء عصره ، غاية ما هناك لو كانت الفتوى خاطئة ، أنهم إجتهدوا لتحقيق مصلحة فأخطئُوا .

تاسعًا , يؤخذ الفعل في ضوء سيرة الشخص ! فهل بمراجعة سيرة عماد الدين زنكي يمكن أن نقول أنه رجل غادر لا يهتم برأي الدين ؟! لقد وجدنا في سيرته سواء قبل هذا الحدث أو بعده سعيًا حثيثًا لجهاد الصليبيين ، وبذلاً لوقته وجهده وكل حياته من أجل هذه القضية ؛ ولذلك نستطيع أن نقول أنه ما كان يريد بهذا الفعل - حتى ولو كان خطأً لا يجب أن يُكرر - إلا المصلحة للمسلمين ، وليست المصلحة الشخصية له .

إننا نقول هذا الكلام لكي لا يتخذ أحد الجشعين من عشاق السلطة هذا الفعل ذريعة أن يتقدم بجيشه ناحية كذا أو كذا من بلاد المسلمين بحجة توحيد الأمة لمصلحة ما ! فلا بد أن ننظر إلى سيرة هذا الذي يجمع البلاد تحت حكمه ، هل هو من نوعية المجاهد العظيم عماد الدين زنكي ؟ أم من نوعية الحاكم الظالم تتش بن ألب أرسلان أو أولاده ؟!

عاشرًا وأخيرًا , لقد حكم عماد الدين زنكي المسلمين عشرين سنة كاملة ، من سنة 521هـ إلى سنة 541هـ ، فكم كانت أخطاؤه؟! إننا إذا سلمنا أن هذا خطأ محض ، وأنه موقف ما كان له أن يحدث ، فإننا سنجد هذه المواقف نادرة تمامًا في حياته ، ومَن هذا الذي لا يُخطِئ من البشر إلا المعصومين من الأنبياء ؟!

وكفى بالمرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبه ! ولا ننسى أن الزمن كان زمن فتنة ، والخلافة ضعيفة ولا رأي لها ، وبالتالي فجهود المخلصين لتوحيد الأمة لا بد أن يشوبها لبسٌ كبير ؛ لأنه ليس هناك تكليف من شخصية معينة لها الأمر على كل المسلمين ، مما كان يستدعي بعض الرؤى الخاصة التي قد تتعارض أحيانًا مع الرأي الحكيم .

إننا بعد هذا التحليل لا نريد أن نخرج عماد الدين زنكي من دائرة البشرية فنعتبر أنه لا يخطئ ، ولا نريد أن نبرِّر له خطأً بينًا أو فعلاً فاحشًا ، وإنما نريد أن نقول أن الظروف المضطربة ، والأمور المتشابكة المعقدة جعلت من إختيار الرأي الصائب في قضية من القضايا أمرًا صعبًا لا يتحقق في كل الأحوال ، وشتَّان بين من يأخذ هذا الرأي وهو يعيش وسط الأحداث ، ويرى الصليبيين يجوسون خلال الديار ، ويري المعاملات الدنيئة من بعض الزعماء المسلمين مع قواد الصليبيين ، وبين من يجلس في غرفته آمنًا مطمئنًا ، وبعد الحدث بمائة سنة أو مئات السنين ، يحلِّل ويُنظِّر ، ويصوِّب ويخطِّئ ، ويقول في بساطة : هذا حلال ، وهذا حرام !

 

مصطفـــى الجنابي

Well-Known Member
LV
0
 
إنضم
12 نوفمبر 2014
المشاركات
731
مستوى التفاعل
34
النقاط
0
العمر
33
الإقامة
العراق/اربيل
رد: قصة الحروب الصليبية

نعود إلى قصتنا ..

فإن عماد الدين زنكي - وبعد مرور سنة واحدة على حكمه - أصبح أميرًا على الموصل وحلب وحماة ، وهذه قوة لا يستهان بها ، وبالتالي سعى عماد الدين زنكي لتأمين الطريق الواصل بين هذه المدن لتصبح إمارته آمنة ، وجيدة المواصلات ، وضم لذلك سنجار الواقعة في منتصف الطريق بين الموصل وحلب ، وذلك في أواخر سنة 522هـ\ أواخر 1128م ، كما شاء الله أن يستدعيه أهل حرَّان لضم مدينتهم لدولته ، حيث أصبحت بعد وفاة عز الدين مسعود بن البرسقي معرضةً لهجمات الصليبيين ، وبالفعل ضمها عماد الدين زنكي في سنة 523هـ\ 1129م ، وبذلك صارت الأوضاع مستقرة إلى حد كبير في هذه الدولة الجديدة ..

ومع أن هذه الجهود التي كان يبذلها عماد الدين زنكي رحمه الله كانت تشير إلى ظهور قوة جديدة قد يكون لها شأن في تخليص المسلمين من كابوس الصليبيين ، إلا أن تنامي هذه القوة لم يكن مريحًا لكل القوى المعاصرة !

لقد وجد السلطان سنجر - وهو سلطان السلاجقة في منطقة خراسان وبلاد ما وراء النهر - أن هذه القوة المتنامية قد تؤثِّر سلبًا في ممتلكات السلاجقة أنفسهم ، فأشار على السلطان محمود إبن أخيه - وهو السلطان على منطقة فارس والعراق ، والذي عيَّن عماد الدين زنكي في منصبه - أن يعزل عماد الدين زنكي ويولِّي مكانه دبيس بن صدقة ! ودبيس بن صدقة هو أمير قبيلة بني مزيد ، وكان متشيعًا هو وقبيلته ، وكان قد أفسد قبل ذلك في بغداد ، وقام بمحاولة إنقلابية على الخليفة المسترشد بالله سنة 514هـ ، أي منذ تسع سنوات ، ولكنه كان قد لجأ إلى السطان سنجر ، وأصبح من خاصَّته ؛ ولذلك أراد السلطان سنجر أن يضعه في إمارة الموصل وحلب ليكون رجله في المنطقة ، خاصةً أنه يضمن أن الخليفة لن يستقطبه لحسابه للخلاف القديم الذي بينهما !

إنها حرب المصالح والأهواء ، حيث لم ينظر السلطان سنجر إلى مصلحة المسلمين ، ولا إلى قضية جهاد الصليبيين ، فطلب هذا الطلب من السلطان محمود ، الذي لم يعارض تقديرًا لمكانة عمِّه ، ومن ثَمَّ إستدعى عماد الدين زنكي ليخبره بهذا التطور الجديد !

هكذا وبهذه البساطة ! .. وكادت هذه الفكرة تُنهِي على آمال المسلمين في الوحدة ، وعلى قضية الجهاد في سبيل الله ضد الصليبيين ، وأسرع عماد الدين زنكي إلى بغداد ، حيث إلتقى مع السلطان محمود في مباحثات طويلة ، وإستعمل فيها كل ما أوتي من فكر ودبلوماسية لإقناع السلطان محمود بضرورة بقائه في هذا المنصب ، وعدَّد له الأسباب التي من أجلها لا بد أن يستمر في مهمته ، فكان منها :

أولاً : أنه لم يخطئ في منصبه ، بل على العكس، لقد حقق نجاحًا غير مسبوق ، وأفلح في ضم الموصل وحلب وحماة وسنجار وحرَّان ، ومناطق الأكراد تحت راية واحدة .

ثانيًا : كل هذا النجاح يصبُّ في صالح السلطان محمود ، حيث يحكم عماد الدين بإسمه .

ثالثًا : السلطان سنجر وإن كان عم السلطان محمود إلا أنه يحاول السيطرة على هذه المناطق لحسابه هو ، وليس لحساب السلطان محمود ؛ ولهذا يضع رجله هو في المكان وذلك تمهيدًا لإقصاء محمود عن مكانته .

رابعًا : من هو البديل؟ إنه دبيس بن صدقة الشخص المنحرف الذي أفسد قبل ذلك في بغداد ، كما أنه متشيِّع بينما دولة السلاجقة بكاملها سُنِّيَّة .

خامسًا : دبيس بن صدقة شخصية إستقلالية ، ولا يستبعد أبدًا أن يستقل بحكم الموصل وحلب لنفسه ، خاصةً وقد حاول أن يفعل ذلك مع مدينة بغداد نفسها .

سادسًا : دبيس بن صدقة سيحبط أهم مشروع عند المسلمين الآن ، وهو مشروع جهاد الصليبيين ؛ لأنه لم يقف قبل ذلك موقفًا سلبيًّا فقط ، إنما تعاون معهم في حروبهم ضد المسلمين .

لهذه الأسباب مجتمعة فإن من مصلحة المسلمين ، ومصلحة السلطان محمود نفسه ، أن يستمر عماد الدين زنكي في منصبه .

وكان السلطان محمود كما يصوِّره إبن الأثير حليمًا عاقلاً ، فلما إستمع إلى هذه الكلمات والحجج وافق على إقرار عماد الدين زنكي في منصبه ، بل وكتب له منشورًا جديدًا يؤكِّد فيه على منشوره السابق ، وفيه يُقطِعه حكم الموصل والجزيرة وما إستطاع أن يضمه من بلاد الشام .

وهكذا مرت أزمة خطيرة كادت تعصف بالأمة دون أن يكون لها أثر في المسيرة التي بدأها عماد الدين زنكي .

ولعل هذا الموقف يطمئننا أن الله يريد الخير لهذا الجيل ؛ لأنه إطَّلع على الصدق في قلوبهم ، فلو عُزِل عماد الدين زنكي وولي دبيس بن صدقة لكان في ذلك تعطيل واحد لحركة الجهاد ولنهضة الأمة ، ولكن الله سلَّم .

عاد عماد الدين زنكي إلى الموصل وهو أكثر قوة ، بعد أن نال تأييد السلطان محمود ، كما أن الخليفة المسترشد بالله كان سعيدًا به ؛ لأنه أقصى دبيس بن صدقة عن إحتمالية حكم الموصل وحلب ، مما كان سيشكِّل أزمة للخليفة لعداوته السابقة معه .

نظر عماد الدين زنكي إلى الوضع الآن ، فوجد أنه أصبح قريبًا جدًّا من حدود إمارتي الرها في الشمال وأنطاكية في الغرب ، فأيهما يبدأ ؟

إن إمارة الرها - لا شك - أضعف من إمارة أنطاكية ، ليس لمناعة حصون أنطاكية فقط ، ولكن أيضًا لقوة المقاتلين النورمان في أنطاكية ، ولكون التركيبة السكانية في الرها عبارة عن مزيج من الأرمن والصليبيين بكل المشاكل التي بينهما ، والتاريخ الأسود الذي لا ينساه الأرمن ، أما إمارة أنطاكية ففيها تجانس واضح ، حيث يغلب عليها الطابع النورماني الكاثوليكي .

هذا الفارق بين الإمارتين جعل تفكير عماد الدين زنكي يتجه إلى الجهاد ضد إمارة الرها قبل إمارة أنطاكية .

لكن هناك مشكلة كبيرة تعوِّق مسيرة الجهاد إلى الرها ! :

إن إمارة الرها تقع في شمال منطقة الجزيرة ، وعلى ضفاف نهر الفرات ، وبقية شمال الجزيرة يقع الآن تحت حكم الأراتقة ، والجيل الموجود الآن يختلف تمامًا عن الجيل السابق ، فليس فيهم من يشبه سقمان بن أرتق أو إيلغازي بن أرتق أو بلك بن بهرام ، إنما هناك شخصيات هشَّة في غاية الضعف ، وقد قسمت بينها البلاد والعباد ، وأضعفت المسلمين وشتتهم ، ولا نبالغ إذا قلنا أن المنطقة أصبحت تضم عشرات الإمارات المستقلة ، وكلها يجاور إمارة الرها ، ويفصل بين عماد الدين زنكي وبين الإمارة الصليبية .

إن عماد الدين زنكي لو خاطر باجتياز أرضهم لقتال الصليبيين في الرها ، فإنه سيعرِّض نفسه لعدة مخاطر :

أولاً : قد يُضرب في ظهره من هؤلاء الزعماء المسلمين أنفسهم ؛ لأنهم سيعتبرونه خطرًا عليهم كما هو خطر على الصليبيين .

ثانيًا : قد يتعاون هؤلاء تعاونًا صريحًا مع الصليبيين ، فتكون كارثة على جيش عماد الدين زنكي .

ثالثًا : إذا هُزِم جيش عماد الدين زنكي من إمارة الرها ، فإلى أي الحصون سيلجأ ؟ إن العودة إلى الموصل أو حران أو حلب تحمل مخاطر جمَّة لطول المسافة ، فلا بد من وجود قاعدة قريبة ينطلق منها ويعود إليها .

رابعًا : هذه المناطق ذات كثافة سكانية عالية ، وكل السكان من المسلمين ، فلو توحدت قوتهم مع جيش عماد الدين زنكي كانوا إضافةً قوية ، ولو قاوموه وعطَّلوا مسيرته ، كانت مشكلة صعبة الحل .

لهذه الأسباب وجد عماد الدين زنكي أن ضم هذه المنطقة إلى حكمه خطوة لازمة قبل محاربة إمارة الرها ؛ وعلى هذا بدأ عماد الدين زنكي يدرس الوضع هناك ، ويقيِّم موازين القوى الرئيسية في المنطقة .

لقد كان هناك عشرات الزعماء في هذه المنطقة إلا أن القوة الرئيسية تعود إلى ثلاثة :

أما الأول فهو حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي الأرتقي ، وهو - كما ذكرنا قبل ذلك - شخصيَّة تميل إلى الدَّعَة والرفاهية ، ولا يضع قضية الصليبيين في حساباته ، وكان يستقر في ماردين ، ويمتلك عدة مدن بالإضافة إلى ماردين ، لعل من أهمها مدينة نصيبين (على الحدود بين تركيا وسوريا الآن) .

أما الثاني فهو ركن الدولة داود بن سقمان الأرتقي ، وهو أمير حصن كيفا ، وكان رجلاً متصلبًا وفظًّا صعب المِرَاس .

وأما الثالث فهو سعد الدولة أبو منصور إيكلدي أمير آمد ، وكان أضعفهم عسكريًّا .

وجد عماد الدين زنكي أن أقرب المدن إلى مناطق حكمه هي مدينة نصيبين التابعة لحسام الدين تمرتاش ، ولم يرد أن يكرِّر مشكلة دمشق ، وقد علم أن المفاوضات السلمية لن تؤدِّي غالبًا إلى نتيجة ، فذهب بسرعة في أوائل سنة 524هـ ، وبعد عودته من بغداد ، وحاصر مدينة نصيبين بجيشه ، بينما كان حسام الدين تمرتاش في ماردين .

وجدت الحامية الأرتقية نفسها في أزمة كبيرة نتيجة قوة جيش عماد الدين زنكي بالقياس إلى قوة الحامية ، ومن ثَمَّ أرسلت رسالة إستغاثة عاجلة إلى حسام الدين تمرتاش في ماردين ، فردَّ عليهم حسام الدين بأنه سيوفِّر لهم فرقة عسكرية في غضون ثلاثة أيام ، مع أن المسافة بين المدينتين أقل من خمسين كيلو مترًا ! مما يدل على عدم الجاهزية وقلة الحيلة ! ثم أراد الله أن تقع الرسالة التي أرسلها حسام الدين تمرتاش ، وكان قد أرسلها على جناح طائر من الحمام الزاجل ، في يد عماد الدين زنكي ، فحوَّر ألفاظ الرسالة وجعل المدة التي ستأتي فيها النجدة عشرين يومًا بدلاً من ثلاثة ! ثم أعاد إطلاق الطائر إلى داخل مدينة نصيبين ، وقد أراد بذلك أن ييأس الجنود من المقاومة فيفتحوا الأبواب سلميًّا ، وهو ما حدث بالفعل ، وفتحت المدينة أبوابها ليضمها عماد الدين زنكي في سهولة ، ودون إراقة دماء !

وصلت الأخبار إلى حسام الدين تمرتاش ، وشعر بالقلق الشديد ، وتكلم مع بقية زعماء الأراتقة ، وجمع الأعوان والأنصار منهم بقيادة ركن الدولة داود بن سقمان ، وأبو منصور إيكلدي ، وغيرهم من زعماء التركمان الموالين لداود بن سقمان ، وتجمعت قواتهم في بلدة إسمها دارا ، وبلغ تعدادهم عشرين ألفًا ، وعلم عماد الدين زنكي بتجمعهم ، فتحرك لهم على رأس فرقة من جيشه قوامها أربعة آلاف مقاتل فقط ، ومع أن قوته صغيرة إلا أنه إنتصر عليهم في فترة قصيرة جدًّا ، وأتبع هذا الانتصار بالسيطرة على عدة حصون في المنطقة مثل : حصن دارا ، وحصن سرجي .

لقد كان هذا دليلاً على أنهم لا يملكون مقومات الإستقلال ، إنما عاش كل منهم على بقعة صغيرة من الأرض ، وإعتبر نفسه زعيمًا وقائدًا وعطَّل بذلك مسيرة الأمة ، وشتَّت أمرها .

كانت هذه هي أول الصدامات مع الأراتقة ، وكُلِّلت بنجاح سريع ، وكان من الممكن أن تكون بداية جيدة لمسيرة واضحة تنتهي بضم إقليم الجزيرة بكامله إلى دولة عماد الدين زنكي ، وذلك بكل ما في الإقليم من إمارات ودويلات لا وزن لها ؛ كان من الممكن أن يحدث ذلك لولا الأنباء المفاجئة التي جاءت من إمارة أنطاكية !

والقصة أن أحد التجمعات الأرمينية في جبال طوروس القريبة من شمال أنطاكية تعرضت لهجوم بوهيموند الثاني أمير أنطاكية ، فما كان من ليون الأول زعيم الإمارة الأرمينية إلا أن يستغيث بإيلغازي الدانشمندي زعيم ملطية ، وحدث صدام بين الجيش الدانشمندي بقيادة إيلغازي ، والجيش النورماني بقيادة بوهيموند الثاني ، وكانت المفاجأة الكبرى أن سُحِق الجيش النورماني ، بل وقُتِل بوهيموند الثاني في المعركة !

وهكذا خلت أنطاكية من الزعماء !

لقد كان بوهيموند الثاني شابًّا صغيرًا ، وكان متزوجًا من أليس ابنة بلدوين الثاني ملك بيت المقدس ، ولم يكن له إلا ابنة صغيرة إسمها الأميرة كونستانس ، ووفقًا لقوانين الإقطاع في غرب أوربا فإنَّ إمارة أنطاكية تنتقل إلى الوريثة الوحيدة ، وهي الطفلة كونستانس ! على أن يوضع وصيٌّ مناسب عليها حتى تبلغ سن الرشد ، فوضعت أليس بنت بلدوين الثاني نفسها على الوصاية دون أن تنتظر رأي أبيها ملك بيت المقدس ، وكان من الواضح أنها تطمح إلى الملك ، بل وترامت الإشاعات في أنطاكية أنها تريد أن تحكم كأميرة مستقلة ، وليست كوصية على الأميرة الصغيرة كونستانس !

ووصلت الأنباء من أنطاكية بسرعة إلى كل مكان ..

سمع عماد الدين زنكي بالأخبار فإهتم بها جدًّا ؛ لأن حالة أنطاكية الآن مضطربة جدًّا ، ولو إستغل الفرصة ، وباغتها بالهجوم فقد يستطيع أن يفتحها ، ويخلِّص المسلمين من هذا الإحتلال .

وكذلك وصلت الأخبار إلى بلدوين الثاني ملك بيت المقدس ، فأسرع إلى أنطاكية ليختار الوصي المناسب .

ووصل بلدوين الثاني إلى أسوار أنطاكية أولاً ، ففوجئ بكارثة أخرى ! وهي أن إبنته أعلنت العصيان عليه وإستقلت بالإمارة ، بل وأرسلت إلى عماد الدين زنكي تعرض عليه مساعدتها في حكم أنطاكية على أن تعطيه جزية مالية كرمزٍ للتبعية !

كانت هذه بالطبع فرصة ذهبية لعماد الدين زنكي لولا أن بلدوين الثاني إستطاع أن يمسك بالرسول الذي يحمل رسالة أليس، بل وأعدمه ، ثم تراسل مع رجال الحكومة في أنطاكية الذين وجدوا أن محاولة أليس هذه محاولة طفولية للاستئثار بحكم إمارة صليبية عسكرية ؛ ففتحوا الأبواب لأبيها بلدوين الثاني الذي تملك الأمور بسرعة ، ثم قام بنفي إبنته إلى مدينة اللاذقية .

ومع أن بلدوين الثاني سيطر على الأوضاع في أنطاكية إلا أن عماد الدين زنكي أدرك أن الوضع في الإمارة لا بد أن يكون مضطربًا ، ومن هنا أسرع عماد الدين زنكي بجيشه إلى حلب ليدرس الوضع هناك ، فلعل الهجوم على أنطاكية الآن أفضل من الهجوم على الرها ، وعليه فيمكن له أن يؤجِّل قصة الأراتقة إلى وقت لاحق ، خاصةً أن قوتهم كما بدا له ضعيفة .

وجد عماد الدين زنكي أن أقرب الحصون التابعة لإمارة أنطاكية هو حصن الأثارب ، وقد فقده رضوان بن تتش سنة (504هـ) 1110م ، أي منذ عشرين سنة كاملة ، وهو أقوى حصون المنطقة مطلقًا ، ويشرف مباشرة على مدينة حلب ، ويسيطر على الطريق بين حلب وأنطاكية ، ولأهميته القصوى وضع فيه الصليبيون فرقة من أمهر الفرسان في أنطاكية .

رأى عماد الدين زنكي أن فتح هذا الحصن سيهزُّ أنطاكية هزة عنيفة ، إضافةً إلى تأمين مدينة حلب ؛ حيث كان الفرسان الصليبيون كثيرًا ما يخرجون من الحصن ليغيروا على مزارع حلب وفلاحيها ثم يعودون سالمين إلى داخل الحصن ؛ ولذلك توجه عماد الدين زنكي مباشرة لحصار الحصن المهم ، مستغلاًّ حالة الفوضى التي تعاني منها الإمارة .

لكن عماد الدين زنكي بخبرته العسكرية أدرك أن فتح الحصن صعب جدًّا ، وقد تطول مدة الحصار دون فائدة ، وهو في نفس الوقت لا يستطيع أن يهاجم أنطاكية في الغرب تاركًا هذا الحصن الخطير في ظهره ، فقام بحيلة ذكية ؛ إذ توجه بجيشه في إتجاه أنطاكية موهمًا فرسان الأثارب أنه سيستغل ظروف أنطاكية في إسقاط المدينة الرئيسية ، ومن الواضح أنه لم يظهر لهم قوته بكاملها ، إذ رأى الفرسان في الحصن أن الخروج واللحاق بعماد الدين زنكي ممكن ، وسينقذ الإمارة ، وهكذا خرجوا بالفعل ، فإستدرجهم عماد الدين زنكي بعيدًا عن الحصن ، ثم فاجأهم بالقتال المباشر ، وأسقطهم في كمين عسكري محترف ، وما هي إلا ساعات قليلة وسقطت كتيبة الفرسان بكاملها بين قتيل وأسير ! وعاد عماد الدين زنكي بسرعة إلى الحصن ، ففتحه عنوة ، وأسر الحامية التي بداخله ، ثم أمر بتخريب الحصن ؛ لكي يقطع على الصليبيين أي فرصة مستقبلية للسيطرة منه على حلب .

لقد إنتصر إنتصارًا مهيبًا حقًّا ، خاصةً أن هذه الفرقة الصليبية كانت من أمهر فرقهم وأقواها ، ولم يكتف عماد الدين زنكي بذلك ، بل انطلق صوب أنطاكية ، فحاصر مدينة حارم القريبة جدًّا من أنطاكية ، فعرضوا عليه أن يدفعوا له نصف دخل البلد ، على أن يعقد معهم هدنة، ووجد عماد الدين زنكي أن قوته العسكرية لن تسمح له بفتح البلد ، وكان رحمه الله حاسمًا جدًّا في قراراته ، فأدرك أنه لن يستطيع فتحه ، ومن ثَمَّ قَبِل بعرضهم، ورفع الحصار .

لقد كانت حملة موفقة غاية التوفيق ، أسقط فيها حصنًا منيعًا كحصن الأثارب ، وأوقع فرقة صليبية ماهرة بين قتلى وأسرى ، وضرب الجزية على مدينة حارم ! وكانت كل هذه الأحداث في سنة (524هـ)1130م .

وطار ذكر عماد الدين زنكي في الآفاق ، وصار الحديث عنه كبطل المسلمين في حروبهم ضد الصليبيين ، وبدا المسلمون يشعرون أن الجهود التي بُذلت لتوحيد المسلمين قد بدأت تؤتي ثمارها .

وحملت سنة 525هـ بعض الأخبار الجديدة التي تصب في مصلحة المسلمين ، فقد شاء الله أن يموت في هذه السنة (21 من أغسطس 1131م) بلدوين الثاني ملك بيت المقدس ، وهو الملك صاحب الخبرة العريضة الذي حكم قبل ذلك إمارة الرها ثمانية عشر عامًا ، ثم مملكة بيت المقدس ثلاثة عشر عامًا ، وطَّد في كل هذه السنوات ملك الصليبيين ، وإكتسب مهارة فائقة وخبرة عميقة في التعامل مع المسلمين ، وكذلك مع زعماء الصليبيين ، وكان موته خسارة كبيرة للصليبيين ، خاصةً أنه كان وصيًّا على إمارة أنطاكية بعد الظروف الصعبة التي مرت بها من قتل للأمير بوهيموند الثاني ، والمؤامرة الفاشلة التي قامت بها أليس إبنة بلدوين الثاني للإستيلاء على الحكم .

لقد كانت أزمة كبيرة لمملكة بيت المقدس وإمارة أنطاكية ، خاصةً أن الذي تولى الحكم بعد بلدوين الثاني لم يكن له إلا خبرة بسيطة جدًّا في الأراضي الإسلامية ، وهو الملك فولك الأنجوي !

أما كيف وصل الأمير فولك الأنجوي إلى حكم مملكة بيت المقدس ، فالقصة تبدأ من ثلاث سنوات (521هـ\ 1128م) حيث رغب بلدوين الثاني أن يزوِّج إبنته الكبرى من أمير يصلح لقيادة المملكة من بعده ؛ وذلك لأنه لم ينجب إلا أربعة بنات كانت إحداهن هي أليس التي تزوجت من بوهيموند الثاني أمير أنطاكية ، ومرت بنا قصتها ، وحيث إن الملك بلدوين الثاني لم يجد في الزعماء الصليبيين في المنطقة من يصلح لهذا الزواج ، فقد أرسل رسالة إلى لويس السادس ملك فرنسا في ذلك الوقت ، وطلب منه ترشيح أحد الأمراء الأكفاء الذين يصلحون لهذا الشرف ، وكان أن إختار ملك فرنسا أحد أهم الأمراء الفرنسيين ، وهو فولك الأنجوي ، وأرسله إلى بيت المقدس ، وإطمأنَّ له بلدوين الثاني ، وزوجه فعلاً من إبنته ميلزاند وأقطعه مدينتي صور وعكا ، وحرص على تدريبه سياسيًّا وعسكريًّا ، حتى إذا مات بلدوين الثاني إعتلى فولك الأنجوي مملكة بيت المقدس ، وصارت له كل صلاحيات الملك الراحل ، ومنها أنه أصبح وصيًّا على أنطاكية كذلك .

ومن هنا فلا شك أن أوضاع الصليبيين ستصبح مضطربة ، لا لقلة خبرة الملك فولك الأنجوي فقط ، ولكن لأن الأوضاع في أنطاكية لم تكن مستقرة أبدًا بسبب أطماع الأميرة أليس بنت الملك بلدوين الثاني ، والتي تم نفيها قبل ذلك إلى اللاذقية .

وشاء الله أن يحدث أمرٌ آخر مهم جدًّا بعد هذه الأحداث بقليل، وهو وفاة جوسلين دي كورتناي أمير الرها المخضرم ! وتولى من بعده إبنه جوسلين الثاني ، الذي لم يكن يمتلك معشار خبرة أبيه ، فكان هذا حدثًا كبيرًا مساعدًا للمسلمين ، خاصة أنه يأتي في الوقت الذي تتنامى فيه قوة المسلمين تحت قيادة عماد الدين زنكي رحمه الله .

ثم إنه تزامن مع هذه الأحداث أمر آخر كان له من الآثار ما غيَّر من مسيرة الأحداث ، ذلك أن دُبيس بن صدقة ، وهو زعيم قبيلة بني مزيد الشيعي ، الذي كان مواليًا للسلطان سنجر السلجوقي الرأس الأكبر للسلاجقة ، وقع أسيرًا في يد بوري بن طغتكين ، ولم يكن هذا الأسر في معركة ولا قتال ، ولكن ضلَّ دبيس بن صدقة الطريق يومًا ما فوقع في يد حسان بن كلثوم الكلــبي، فعرف شخصه وقيمته ، فحمله إلى زعيم دمشق ليكون له يدٌ عنده !

وعرف عماد الدين زنكي بأسر دبيس بن صدقة لدى بوري بن طغتكين ، فقام بمباحثات مع بوري بن طغتكين إنتهت إلى تبادل الأسرى ، حيث يأخذ عماد الدين زنكي دبيس بن صدقة ، في نظير ردِّ سونج بن بوري بن طغتكين إلى دمشق .

وتمت بالفعل الصفقة ، وكان الجميع - بما فيهم دبيس بن صدقة - يتوقع أن يُؤذِي عماد الدين زنكي دبيسًا ؛ لأنه كان رجلاً فاسدًا ومثيرًا للفتن ، إضافةً إلى أنه كان منافسًا لعماد الدين زنكي على منصب إمارة الموصل وحلب ، لكن عماد الدين زنكي بفقهه السياسي المعروف فعل عكس ما توقع الجميع !

لقد إستقبل عماد الدين زنكي دبيسًا إستقبال الأمراء والزعماء ، وقرَّبه وأكرمه ، وعامله بما يعامل به أكابر الملوك ! وهذا أثار تعجب الناس ودهشتهم ، لكن عماد الدين زنكي كان يستقطب مثل هذه الرموز المحرِّكة فيستفيد منها ، ويوجِّهها نحو خدمة الهدف العام لدولته .

لقد كان دبيس بن صدقة من الشخصيات المؤثرة في المجتمع في ذلك الوقت ، مع الإعتراف تمامًا أن تأثيره كان سلبيًّا ولم يكن إيجابيًّا ، إلا أنه يستطيع توجيه قبيلة كبيرة تسيطر بشكل كبير على وسط العراق ، وخاصةً منطقة واسط والحلَّة ، ولن يُقدِم مثل هذا الرجل على محاولته القديمة الفاشلة بقلب نظام الحكم في بغداد إلا وهو يملك مقومات كثيرة تدفعه إلى هذه الفكرة ؛ فلماذا لا يشتري عماد الدين زنكي ولاءه في هذا الموقف ، فيضمن وقوفه إلى جانبه في مشاريعه الضخمة لتوحيد المسلمين ولجهاد الصليبيين ؟ أو على الأقل فإنه سيضمن تحييده ، وعدم التدبير له ؟ ..

إن قبيلة دبيس بن صدقة لن تختفي من الساحة ، بل سيظهر من يقودها في حال غياب دبيس ، فلماذا لا يوجِّه عماد الدين زنكي دفَّة القبيلة عن طريق دبيس بن صدقة نفسه ؟ , ثم إن دبيس بن صدقة كان مقربًا للسلطان سنجر أعلى سلطة في الدولة السلجوقية ، ومثل هذا الفعل من عماد الدين زنكي يُهدِّئ من روع هذا السلطان ، الذي كان يريد تولية دبيس مكان عماد الدين زنكي ، فسيرى الآن أن عماد الدين زنكي يحفظ أصدقاء السلطان ومقربيه .

وهذا العمل من عماد الدين زنكي لن يكون منتقدًا من السلطان محمود سلطان فارس والعراق ؛ لأنه لم يكن يمانع منذ سنتين أن يولِّي دبيسًا إمارة الموصل وحلب ، لولا قوة حجة عماد الدين زنكي وحسن بيانه .

على أن السلبية الوحيدة التي تظهر في هذا العمل هي أن هذا الفعل سيغضب الخليفة المسترشد الذي كان يكره دبيس بن صدقة كراهية شديدة ؛ لأنه كان يريد أن يخلعه من منصبه ، وهذه كبيرة لا تغتفر عند الخلفاء ، ولا تُنسى أبد الدهر ؛ ولذلك فمن المتوقع أن يعترض المسترشد بالله على هذا الموقف من عماد الدين زنكي ، ولكن عماد الدين زنكي كان محدِّدًا وجهته من البداية ، وكان واضح الرؤية تجاه مراكز القوى الحقيقية في المنطقة ؛ ولذلك فولاؤُهُ سيكون أقرب إلى السلطان سنجر والسلطان محمود لا إلى الخليفة المسترشد حتى لو أظهر بعض القوة !

وغني عن البيان أن عماد الدين زنكي لم يقدِّم أي تنازل عقائدي أو فقهي أو فكري للقائد الشيعي دبيس بن صدقة ، إنما كان تعامله معه من باب السياسة وتقريب وجهات النظر في العمل الإسلامي ، لا من باب الرضا بمخالفات دبيس بن صدقة في الفقه والعقيدة ، أو التقريب بين مذهبين متباعدين .

وكما كان متوقعًا فإن هذا الموقف من عماد الدين زنكي أثار إرتياحًا عند السلطان سنجر والسلطان محمود ، بينما أثار غضبًا شديدًا عند الخليفة المسترشد بالله ، الذي راسل عماد الدين زنكي يطلب تسليم دبيس بن صدقة إليه ، وكان من المحال طبعًا بعد أن فعل عماد الدين زنكي كل ذلك أن يُسلِّم دبيس بن صدقة ليُقتل ؛ فرفض طلب الخليفة مما أوغر صدره على عماد الدين زنكي بشدة .

إذن كرؤية عامة للأوضاع في أوائل ومنتصف سنة 524هـ ، فإن أسهم عماد الدين زنكي كانت بصفة عامة قد إرتفعت جدًّا بإنتصاراته الباهرة على الصليبيين في حصن الأثارب وفي حارم ، وصار مقربًا جدًّا إلى قلوب العامة ، وإمتلك الكثير من الأوراق الضاغطة ، خاصةً بعد إخضاع مدن نصيبين ودارا ؛ مما أعطى الإنطباع أنه يريد أن يتوجه إلى الرها ، وبعد أن أنقذ دبيس بن صدقة من الأسر ، مما يشير إلى رغبته في إستغلال كل القوى لهدفٍ واحد واضح ، هو وَحْدة المسلمين وجهاد الصليبيين .

وإضافةً إلى هذه الصورة الطيبة فإن أوضاع الصليبيين كانت مضطربة للغاية ، حيث مات بلدوين الثاني وجوسلين دي كورتناي ، وتولى فولك الأنجوي حديث الخبرة بالمنطقة ، وكذلك جوسلين الثاني الأضعف كفاءةً وشجاعة من أبيه ، غير الإضطرابات الطاحنة التي كانت في أنطاكية .

كان هذا الوضع يشير إلى أن الفترة القادمة ستكون فترة علوٍّ للمسلمين ، وقلاقل وخسائر للصليبيين ..لكن كثيرًا ما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن !لقد حدث أمرٌ غيَّر مجرى الأحداث كثيرًا ، وعطَّل مسيرة الجهاد ما يقرب من أربع سنوات كاملة !

لقد مات السلطان محمود عن عمرٍ أقل من سبعة وعشرين عامًا ! وكانت مفاجأة قلبت الموازين في الأمة الإسلامية ، حيث إنه مات صغيرًا جدًّا ، وبالتالي فأبناؤه أعمارهم صغيرة جدًّا ، ومن هنا ظهر الطامعون في الملك من كل مكان ، وصارت الأمة كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا !

إن كرسي السلطنة له بريق ما بعده بريق ، والفرصة المواتية الآن قد لا تتكرر إلا بعد عدد من السنوات لا يعلمه إلا الله ، ومن هنا اجتهد كل الطامعين أن يصلوا إلى هذا الكرسيِّ الوثير !

مَن الطامعون في كرسي السلطنة ؟!

أولاً : الملك داود ابن السلطان محمود ، وقد إستخلفه أبوه على السلطنة ، ولكنه كان أصغر من عشر سنوات ؛ ولذلك فهو تحت وصاية أتابكه (مُربِّيه) آقسنقر الأحمديلي .

ثانيًا : الأخ الأول للسلطان محمود وهو الملك مسعود بن محمد بن ملكشاه ، وكان رجلاً حسن الأخلاق ، وكان يرأس جرجان ، وكانت له قوة كبيرة وجيش عظيم ، وكان يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا .

ثالثًا : الأخ الثاني للسلطان محمود ، وهو الملك طغرل بن محمد بن ملكشاه ، وكان خيِّرًا وعادلاً قريبًا إلى الرعية ، وكان يبلغ من العمر إثنين وعشرين عامًا .

رابعًا : الأخ الثالث للسلطان محمود، وهو الملك سلجوقشاه بن محمد بن ملكشاه ، وهو أمير فارس وخوزستان ، وكان يبلغ من العمر ... .

خامسًا : السلطان سنجر ، وهو عم السلطان محمود ، وأقوى الشخصيات السلجوقية ، وسلطان خراسان وبلاد ما وراء النهر ، وأكبر الجميع سنًّا (46 سنة) ، وإن كانت بلاده بعيدة عن العراق وشرق فارس ، وهي منطقة أملاك السلطان الراحل محمود .

سادسًا : الخليفة المسترشد بالله ، الذي يريد أن يخرج من سيطرة السلاجقة ، وأن يستقل بنفسه ، وإن كان هذا سيعني أنه لن يصبح حاكمًا إلا على منطقة بغداد فقط وما حولها ؛ لضعف جيش الخلافة في هذا الوقت .

فهذه ست قوى متصارعة على الحكم ، كلٌّ منها له طموحه الخاص ، ومبرراته لطلب الحكم ، وكلٌّ منها يقف خلفه أنصار وأعوان ، وجيش وشعب ! لقد كانت أزمة حقيقية توشك أن تدفع الأمة إلى أتُّونٍ من الصراعات والإنشقاقات .

فإذا أضفت إلى هؤلاء بعض القوى الأخرى التي لا تطمع في كرسي السلطنة ولكنها مؤثِّرة للغاية ، فإن الموقف سيزداد تعقيدًا ، وعلى رأس هذه القوى بلا شك يأتي عماد الدين زنكي رحمه الله !!

فعماد الدين زنكي وإن كان مجرد أمير على إمارة إلا أنه أصبح من أقوى القادة العسكريين ، ومن أوسعهم نفوذًا ؛ إذ يسيطر الآن على الموصل وحلب وحران وحماة ونصيبين وبعض مناطق الأكراد ، بل يصل نفوذه إلى مشارف أنطاكية .. ثم إنه البطل الذي إنتصر على الصليبيين ، وقلوب الشعوب الإسلامية تهفو إليه .

نَعَمْ هو في هذه المرحلة لا يستطيع أن يعلن دولة خاصة به ، وليس له القبيلة الكبيرة أو الأعوان الكثر الذين يساعدونه على الإستقلال وإنشاء دولة جهادية خالصة إلا أنه قوة لا يستطيع المتنافسون على السلطة أن يتجاهلوها ، ولن يصبح في نفس الوقت قرار عزله قرارًا آمنًا ؛ لأنه سيؤدِّي إلى سخط عام في العالم الإسلامي ، كما أن الاحتياج إليه في جهاد الصليبيين أصبح إحتياجًا ماسًّا ..

وعلى هذا فالمتوقع الآن أن تبدأ إحدى هذه القوى أو أكثر من قوة ، في إستقطاب عماد الدين لصالحها وعلى عماد الدين أن يحسن الإختيار ؛ لكي لا يدخل في صدام مع شخصية قد تصل بعد ذلك إلى كرسيِّ السلطنة ، ومن ثَمَّ يضطرب موقفه ، وبالتالي تتوقف حركة الجهاد .

فما هي رؤية عماد الدين زنكي في هذا الموقف الشائك ؟

إن الموقف حقيقة في غاية التعقيد ؛ لأن القوى تكاد تكون متساوية ، وفرصتها متقاربة ، إلا أن الفرصة الكبرى في تخيل عماد الدين زنكي كانت للملك مسعود بن محمد بن ملكشاه ، وهو أكبر الأخوة الآن للسلطان الراحل محمود .

إن هذا هو أكبر الأخوة ، وبالتالي ففرصة إجتماع الناس عليه عالية ؛ لأنه أكبر من أخويه طغرل وسلجوقشاه ، وهو أفضل من الطفل داود إبن السلطان الراحل ، الذي لا يملك من أمره شيئًا ، بل سيكون أُلْعُوبة في يد أتابكه آقسنقر الأحمديلي .. وكذلك فرصة الملك مسعود أعلى من السلطان سنجر ؛ لأن السلطان سنجر وإن كان كبيرًا مهيبًا إلا أنه بعيد ، وسيطرته في غالب الأمر شرفيَّة ، وليست واقعية .

أما الخليفة المسترشد بالله فإمكانياته أقل من أحلامه ، والوقوف إلى جواره في هذه الأزمة هو عدم فقه للواقع ، ولا حسن تقدير للنتائج , وإضافةً إلى كل ما سبق فإن الملك مسعود شخصيَّة محبوبة وحسنة الخلق ، وبالتالي سيكون قبول المسلمين لها عاليًا .

وفي نفس الوقت الذي كان عماد الدين زنكي يفكِّر فيه في الملك مسعود كان الملك مسعود يفكر في القوى الموجودة على الساحة لنصرته في الوصول إلى كرسي السلطنة ، وكان من أوائل الذين فكَّر فيهم عماد الدين زنكي الأمير القوي !

وهكذا أرسل الملك مسعود رسالة إلى عماد الدين زنكي يطلب منه المساعدة العسكرية على إقراره في منصب السلطة ، ووعده بإعطاء مدينة إربل المهمة جدًّا عسكريًّا في نظير هذه المساعدة ، فوافق عماد الدين زنكي ، وصار في صفِّ الملك مسعود .

ثم إن التقليد المتبع في ذلك الوقت كان يقضي بأنه لا بد للسلطان الجديد من تقليد من الخليفة العباسي ، وهذا يجعل فرصة الطاعة للسلطان في أنحاء العالم الإسلامي أوسع؛ لأن الناس كانت تعتبر جدًّا برأي الخليفة ، على الأقل من الناحية الشرعية ، ويشعرون أن مخالفته لا تأتي بخير ، مع يقين الجميع بضعف مركزه، وقلة حيلته؛ ولذلك كان السلاطين حريصين دائمًا على تقليد الخليفة لهم ، ومن شَعَر أن الخليفة لن يقلده فلا يمانع أن يخلع الخليفة تمامًا ، ثم يضع خليفة غيره يعطيه التقليد !

وعليه فإن الجميع كان ينظر إلى رأي المسترشد في هذه القضية ، وعادةً ما كان الخليفة يُقِرُّ من إتفق السلاجقة على إختياره ، أما الآن فالوضع مختلف ؛ إذ حدث التنازع بين خمس شخصيات مختلفة : العم سنجر ، والأخوة الثلاثة مسعود وطغرل وسلجوقشاه ، والإبن داود .. فمَن مِن هؤلاء يختار الخليفة ؟!

إن الخليفة المسترشد متطلع للحكم ، وعليه فهو يريد أن يختار أقل الناس تدخلاً في شئون الحكم ؛ لكي يدير هو الأمور بنفسه ، وعلى ذلك فقد وقع إختياره على السلطان سنجر ؛ وذلك لبُعد المسافات بينه وبين العراق ، ومن ثَمَّ سيصبح للخليفة المسترشد كلمة مسموعة في العراق على الأقل ، وقد يكون في الشام أيضًا !

هكذا كان رأي المسترشد بالله وطموحه !

وعلى هذا فقد أقام المسترشد الخطبة للسلطان سنجر ، وعلَّق أي موافقة على سلطان جديد على موافقة السلطان سنجر شخصيًّا ، وهذا - ولا شك - أعجب السلطان سنجر جدًّا وإستحسنه !

فالسلطان الذي إختاره السلطان محمود قبل أن يموت هو السلطان داود إبنه ومعه جيش أصفهان ، وهو القوة الرئيسية في جيوش السلاجقة ، حيث كان تحت سيطرة السلطان محمود شخصيًّا ، ولا شك أن السلطان داود - مع أنه طفل صغير - لن يقبل بضياع السيطرة منه ؛ ولذلك عزم على التوجه إلى بغداد بجيشه ؛ لإجبار الخليفة على تقليده للسلطنة !

وفي نفس الوقت تحرك الأخوان مسعود وسلجوقشاه إلى بغداد لنفس الغرض ، وهو إجبار الخليفة على تقليدهما كلٌّ على حدة !

فهذه جيوش ثلاثة لداود ومسعود وسلجوقشاه ! ومن الموصل تحرك جيش عماد الدين زنكي نصرةً لمسعود , أما السلطان سنجر فقد شعر أن بُعد المسافة قد يمنعه من السيطرة على الأوضاع ، فإتفق مع الأخ الثالث طغرل ، وجمع جيشًا كثيفًا وتوجه إلى بغداد هو الآخر ! وهذا مالم يكن يتوقعه الخليفة ، فهو لم يتخيل أن يأتي سنجر بنفسه ومعه طغرل ، ليصبح في النهاية الخليفة تابعًا لهم كما كان تابعًا لغيرهم !

وتعقَّد الموقف تمامًا ! فهناك أربع قوى متصارعة !

قوة السلطان المعلن حتى الآن ، وهو السلطان داود بن محمود ومعه جيشه المتجه إلى بغداد ، ويقاومه الآن ثلاث قوى مؤيدة بجيوش ، وكلها يتجه إلى بغداد أيضًا :

القوة الأولى : قوة الملك مسعود بجيشه ، ومؤيَّدة بجيش عماد الدين زنكي .
القوة الثانية : قوة الملك سلجوقشاه .
القوة الثالثة : قوة السلطان سنجر ، ومعه الملك طغرل .

وهذا الوضع لا بد أن يلزم الخليفة بأن يختار بجدية السلطان المرتقب الذي يجب أن يقف إلى جواره .

ولكن قبل الحديث عن نتيجة هذه الصدامات المرتقبة لا بد من وقفة مع هذا الموقف العجيب ، حيث تتصارع جيوش حقيقية قوية يقودها أخوة وأقارب من الدرجة الأولى !
كيف تمَّ هذا ؟ وما هي طبيعة القتال بينهم ؟!

لي على هذا الموقف عدة تعليقات :

أولاً : فتنة الدنيا , يقول رسول الله : "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا" .

والفتنة التي فتحت على هؤلاء فتنة عظيمة جدًّا ، فنحن كثيرًا ما نرى الأخوة يتصارعون على ميراث بسيط تركه لهم أبوهم ، فما بالكم بتركة تضم عدة دول كبرى !!

إن الذي سيوضع في منصب السلطان ستكون له السيطرة على العراق وفارس (إيران) والشام بكل دولها وأذربيجان وأرمينية وباكستان ، وقد يتوسع ملكه بعد ذلك في بلاد أخرى كالجزيرة العربية أو تركيا ، فهي فتنة عظيمة ، ولا سيما أن آخر ما يخرج من قلب الإنسان هو حب السلطان !

ثانيًا : هؤلاء الأخوة وإن كانوا من أبٍ واحد ، إلا أنهم كثيرًا ما ينشئون متباعدين ، حيث يعيش كل واحد في دولة مختلفة ، وقد يكون له أم مختلفة ، ومربٍّ مختلف ؛ فلا يربط بينه وبين أخيه الرباط الذي نراه في الأخوة المتحابين .

ثالثًا : التربية العسكرية الصرفة التي ينشَّأ عليها الأولاد ، خاصةً في الدولة السلجوقية التي كانت دولة عسكرية من الطراز الأول ، وقد رأينا في كثير من الأحيان أن الذي يتولى تربية الأولاد رجل عسكري ، بل قد يكون رئيس الجيش كله ، وهو الذي كان الأتراك السلاجقة يطلقون عليه لفظ "أتابك" أي مربي الأمير ، فكان عماد الدين زنكي مثلاً هو مربي ألب أرسلان بن السلطان محمود ، وكان طغتكين الذي صار أمير دمشق هو مربي أولاد دقاق بن تتش ، وهكذا .. ولا شك أن هذه النشأة العسكرية جعلت قضية الروابط الأسرية والعلاقات الإنسانية أقل عندهم من غيرهم .

رابعًا : الزمن زمن فتنة ، والخليفة ضعيف ، وكل واحد من هؤلاء له مبرراته - التي قد تكون مقنعة - للوصول إلى الحكم ، وقد يرى أنه يدافع عن حقٍّ ، ولا يجب التفريط فيه ..

والذي يثبت أن القضية فعلاً فتنة هو إشتراك عدد لا بأس به من أفاضل الأمة وثقاتها في مثل هذه الصراعات ، بل إن السلاطين المشاركين في هذه الصراعات كانوا على درجة عالية من الأخلاق الحميدة ، والخصال الحسنة ، وكانوا في مجملهم محبوبين في شعوبهم ، قريبين من رعيتهم .

رابعًا : ضعف الاتصالات كان يؤدي إلى كثير من النتائج السلبية ، والمشاكل المعقدة ، وقد كان الجميع يتنافس على الوصول إلى الخليفة أولاً، وقد يأخذ هذا الوصول أيامًا كثيرة ، ثم يعود بالرَّدِّ في أيامٍ أخرى ، وهكذا , فلو أخذت هذا الأمر على نطاق المساحة الشاسعة التي يعيش فيها كل واحد من هؤلاء المتصارعين ، لعلمت أن الأمر فعلاً في غاية التعقيد .

خامسًا : لا شك أن البطانة المحيطة بكل واحد من هؤلاء كانت تزيِّن له أنه أفضل الجميع وأحكمهم وأعقلهم ، وأحقهم بالحكم ، ولا شك أن هذه البطانة مستفيدة جدًّا من وصول رجلهم وقائدهم إلى منصب السلطنة ، فهذه ليست ترقية له فقط ، بل ترقية للجميع !

فهذه بعض الخلفيات التي تفسِّر لنا حدوث مثل هذه الفتنة ، وليس هذا مبرِّرًا لقَبولها ، أو عذرًا لحدوثها ؛ فإن هذه الفتنة كانت وبالاً كبيرًا على المسلمين عطَّل مسيرة الجهاد أربع سنوات كاملة ، ولكن ذكرناها من باب محاولة فَهم الأحداث فهمًا متكاملاً .

وممَّا هو جدير بالذكر أن المعارك التي كانت تدور بين هذه الطوائف المتناحرة لم تكن معارك ضارية مع أن أعدادهم كبيرة ، وعُدَّتهم قويَّة ، ممَّا يدلُّ على أن معظم المتصارعين كانوا حريصِين إلى حدٍّ كبير على دماء إخوانهم ؛ ولذلك كثيرًا ما رأينا تصالحًا أثناء القتال ، أو عفوًا بعد النصر ، أو عدم حميَّة أثناء الصدام ؛ ممَّا أفرز نتائج قد نستغربها أحيانًا ، وهذا لم يكن عند السلاطين فقط ، بل حتى عند القادة الأقلِّ ، بل وعند الجنود ؛ لأنه من المؤكَّد أن حميَّة هؤلاء للقتال ليست كحميَّتهم عند قتال الصليبيين .

ونعود إلى الأحداث ، ونجد أن الخليفة المسترشد بالله بدأ يتردَّد في قضيَّة إعلانه أن السلطان الذي يجب أن يُسيطر على العراق هو السلطان سنجر ، وخاصَّة أنه أتى معه بالملك طغرل بن محمد ، الذي سيسيطر على الأمور كلها .

وفي نفس الوقت إلتقى جيشا السلطان داود بن محمود مع جيش عمِّه الملك مسعود في أرض فارس ، وحدثت مناوشات ليمنع كل منهما الآخر من الوصول إلى بغداد ، وإنتهت المناوشات بالصلح بين الطرفين ، ولكن أرسل كل منهما رسالة سريعة إلى الخليفة المسترشد يطلب إعطاءه السلطنة .

وكانت المناوشات التي حدثت بين السلطان داود والملك مسعود سببًا في وصول الملك سلجوقشاه إلى بغداد أولاً ، وهو بالطبع يطلب لنفسه السلطنة !

وبينما إستقبل الخليفة سلجوقشاه ، وبدأ في المباحثات ، إذ بجيشين يقتربان من بغداد , الجيش الأول هو جيش الملك مسعود من الشمال الشرقي ، والجيش الثاني هو جيش عماد الدين زنكي الموالي للملك مسعود ، ويأتي من الشمال الغربي !

ووجد الخليفة نفسه في مأزق ، خاصَّة أنه ليس على وفاق مع عماد الدين زنكي بسبب قضيَّة دبيس بن صدقة ، ومن ثَمَّ وبعد مفاوضات سريعة مع سلجوقشاه اتَّفقا على قتال هذين الجيشين والدفاع عن بغداد ! ولكن كان من الواضح أن الخليفة لا يدري لماذا هو يدافع عن بغداد ، هل يدافع عنها لنفسه أو للملك سلجوقشاه ، أم للسلطان سنجر ، أم للسلطان داود ؟! لقد كان الموقف عجيبًا حقًّا ! كما أن الجيوش المهاجمة لبغداد لم تكن تهاجم بحميَّة وقوَّة ، فَهُمْ في النهاية يهاجمون عاصمة الخلافة الإسلاميَّة بغداد ، والذين يدافعون عنها هم إخوانهم وعشيرتهم .

وهكذا حدث قتال بلا رُوح ، لم تظهر فيه المهارات المعروفة للمقاتلين .. لقد إتجه سلجوقشاه بجيشه لحرب أخيه مسعود ، بينما إتجه الخليفة لحرب عماد الدين زنكي !
وكان الصدام الأول هو الصدام بين الخليفة بجيش بغداد مع عماد الدين زنكي بجيش الموصل ، ومن الواضح أن عماد الدين زنكي لا يقاتل بحميَّته المعروفة ، ولا بحماسته المعهودة ، فحدث أمر متوقَّع ، وهو أنه إنهزم من جيوش الخليفة! ونقول : إن هذا شيء متوقَّع ؛ لأن الخليفة يقاتل بكلِّ طاقته ، وبجيش بغداد الذي يصل إلى ثلاثين ألف مقاتل ، بينما كان يتحرَّج عماد الدين زنكي من مثل هذا القتال ، وكل ما تخيَّله أنه سيذهب بقوَّة رمزيَّة إلى بغداد يكون هدفها فقط أن تعلن أن الموصل وبلاد الشام تقف إلى جوار الملك مسعود ، غير أن الصدام حدث ، وكان الخليفة جادًّا تمامًا في حربه ، ولعلَّه كانت تراوده أحلام الفكاك النهائي من السيطرة السلجوقيَّة على العراق !

وهُزم عماد الدين زنكي وجيشه ، وتفرَّق الجيش هنا وهناك ، وهرب عماد الدين زنكي في إتجاه الشمال ، ووصل إلى مدينة تَكريت ، وهي في المنتصف بين بغداد والموصل ، وكانت وراءه فرقة من الجيش العباسي تطارده ، وكان من الممكن أن تكون أزمةً كبيرة ، خاصَّة أن نهر دجلة كان يعوقه عن العبور للناحية الغربيَّة ليصل إلى مدينة الموصل ، لولا أن أمير قلعة تكريت عرف عماد الدين زنكي فأسرع بمدِّ المعابر على دجلة ، وأنقذه من الجيش العباسي ، بل وإستضافه في قلعته عدَّة أيام أصلح فيها شأنه ، وطمأن قلبه ؛ لأنه كان يشعر أن هذا الرجل هو أمل المسلمين ، وهو الذي يحمل راية الجهاد ضدَّ الصليبيين ، كل هذا مع أنَّ مدينة تكريت تابعة للخليفة العباسي ، وليس لأحد آخر ، ممَّا يعني أن هذا الرجل يخاطر بمنصبه في سبيل حماية عماد الدين زنكي .

بقي أن نعرف أن هذا الرجل هو نجم الدين أيوب بن شاذي ، وهو والد صلاح الدين الأيوبي ، ولم يكن صلاح الدين قد وُلد بعدُ في هذه الفترة ، ولكن كانت هذه الحادثة سببًا في التعارف والتآلف بين نجم الدين أيوب وعماد الدين زنكي ؛ مما مهَّد لأن يُرَبَّى صلاح الدين الأيوبي بعد ذلك في كنف أولاد عماد الدين زنكي ، وأهمّهم بالطبع هو نور الدين محمود .

فانظر إلى عجيب تدبير ربِّ العالمين ، ولو لم يكن هناك من فوائد لهذه الفتنة التي حدثت إلاَّ هذا التعارف لكفى به ، وصدق الله إذ يقول: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) .

وصلت أخبار هزيمة عماد الدين زنكي إلى الملك مسعود ، وكان حينها في مناوشات عسكريَّة مع أخيه سلجوقشاه ، فعلم أن الحلَّ العسكري لن يُجدي ، خاصَّةً أن جيوش السلطان سنجر بدأت تقترب من بغداد ، هنا إتَّفق الملك مسعود وأخوه الملك سلجوقشاه على الصلح ، وتراسلا مع الخليفة ليعرضا عليه رأيًا !

وكان الرأي هو أن يُعطى العراق للخليفة يحكمه عن طريق وكيل له يختاره ، وتُعطى السلطنة لمسعود ، وتعطى ولاية العهد لسلجوقشاه ، بمعنى أنه عند وفاة الملك مسعود يتولَّى سلجوقشاه ، وليس أحدٌ من أبناء السلطان مسعود .

ووجد الخليفة أن هذا الحلَّ أفضل من سيطرة السلطان سنجر ، وعلى ذلك وافق على هذا الرأي ، وقُطعت خطبة السلطان سنجر من العراق ، وصارت إلى السلطان مسعود !

وإقترب السلطان سنجر أكثر وأكثر من بغداد ، وهنا إضطر السلطان مسعود وأخوه الملك سلجوقشاه أن يجتمعا على حرب عمِّهما السلطان سنجر ، مع العلم أن أخاهما طغرل في جيش السلطان سنجر !

وكانت موقعةً عجيبة ، تقاتلت فيها أعداد هائلة ؛ حيث وصلت جيوش السلطان سنجر إلى مائة ألف فارس أو يزيد ، وكانت الغلبة فيها بوضوح للسلطان سنجر ، الذي إستدعى الملك مسعود بعد هزيمته ، فلما رآه قبَّله وأكرمه ، وعاتبه على عصيانه ، ثم أعاده إلى كنجة في بلاد فارس ، ووضع إبن أخيه طغرل في كرسيِّ السلطنة ، دون إعتبار بالطبع لرأي الخليفة ، الذي اضطرَّ أن يُعطيه السلطنة وهو كاره .. وهكذا صار سلطان العراق وفارس هو السلطان طغرل ، وذلك تحت رعاية السلطان سنجر ! وكانت هذه الوقعة العسكريَّة في 8 من رجب سنة 526هـ\ 1132م .

فهل هدأت الأحداث بهذه الزعامة الجديدة للسلطان طغرل ؟!

أبدًا ، إن الفتنة لم تقف ! فقلوب الجميع تغلي بالمشاكل ، وكلُّ واحد من هؤلاء تشغله هموم شتَّى، والأفكار تتزاحم في عقله، وتعالَوْا نأخذ استراحة سريعة بعد هذه الصدامات ؛ لنرى الوضع في أخريات هذه السنة ، خاصَّة أن هناك أحداثًا مهمَّة عاصرت هذه الفتنة لا بُدَّ من التعليق عليها ، فلنرقب معًا هذه الملحوظات العشر :

أولاً : السلطان سنجر عاد إلى بلاده مسرعًا بعد وضع الملك طغرل في السلطنة ؛ لأن بلاد السلطان سنجر بعيدة ، وهي خراسان وبلاد ما وراء النهر ، أي في وسط آسيا ، وتَرْكُ السلطانِ لبلاده فترة طويلة قد يُغري بعضَ الطموحين بالثورة عليه .

ثانيًا : الملك طغرل الآن يستمتع بكرسي السلطنة ، لكنَّ قوَّته بمفرده دون عمِّه ، لا شكَّ أنها ضعيفة ، فهذا قد يؤثِّر في موقفه ، وقد يُغري إخوانه بالإنقلاب عليه !

ثالثًا : الملك مسعود خسر في معركة ضدّ السلطان سنجر ، لكنه لم يخسر جيشه ، فالسلطان سنجر كان رحيمًا به ؛ فأعاده وما يملك من جيوش إلى فارس .. ولا شكَّ أن رغبته في السلطنة لن تنقطع ، خاصَّة أنه كان أكبر من أخيه السلطان طغرل ، ولا يجد معنًى لإعطائه السلطنة دونه .

رابعًا : الملك داود الذي كان سلطانًا وخُلِع ، لا بُدَّ أنه سيفكر في مصيره ؛ فهو إبن السلطان محمود الراحل ، وقد إستخلفه أبوه لكن أعمامه وجَدَّهُ صرفوا السلطنة عنه ، فهل سيهدأ ، أم سيناضل من أجل الكرسيِّ المسلوب ؟!

خامسًا : الخليفة المسترشد يغلي غيظًا ؛ فالسلطان الآن هو طغرل بن محمد على غير رغبته ، ولا شكَّ أنه سيتحيَّن الفرصة للخلاص من سيطرة هذا السلطان الجديد .

سادسًا : عماد الدين زنكي يتحسَّر على ما آلت إليه الأحداث ؛ لقد مرَّ الصليبيون بظروف صعبة جدًّا وقلاقلَ ، وسيمرُّون بظروف أخرى أكثر صعوبة ، وكانت الفرصة مواتية لهجوم شامل عليهم ، لولا الفتنة التي بدأت ، ولا يبدو لها من نهاية في القريب العاجل .

سابعًا : في 21 من شهر رجب سنة 526هـ - أي في نفس الشهر الذي وُضع فيه السلطان طغرل في منصبه - تُوُفِّيَ بوري بن طغتكين أمير دمشق ، وخلفه إبنه إسماعيل بن بوري الملقَّب بشمس الملوك ، وكان رجلاً فاسدًا ظالمًا ، شديد الظلم ، إرتكب في حياته من القبائح والمنكرات ما أنكره عليه الجميع ، وصار يُقاتل كل مراكز القوى في بلده ؛ حتى أوقع الرهبة في قلوب كل الناس ، وكانت فتنة عظيمة على أهل دمشق !

ثامنًا : حدثت فتنة بين شمس الملوك إسماعيل بن بوري حاكم دمشق وأخيه شمس الدولة محمد بن بوري أمير بعلبك ، وصار بينهما قتال كبير ، إنتهى بإستيلاء شمس الملوك إسماعيل على حصنين مهمَّين في شمال دمشق ، بينما أقرَّ أخاه شمس الدولة محمد على حكم بعلبك ، وكانت هذه الفتنة فرصة لتدخُّل عماد الدين زنكي ليضمَّ دمشق إلى حكمه ، لولا الفتنة الأشدُّ التي كانت تدور في العراق ..

تاسعًا : تأزّم الموقف أكثر في أنطاكية ! لقد قامت الأميرة المتمردة أليس بنت الملك الراحل بلدوين الثاني بمؤامرة للسيطرة على الحكم في أنطاكية ؛ حيث قامت بالإتِّفاق مع ثلاثة أمراء صليبيين على مساعدتها في الوصول إلى الحكم في أنطاكية مستغلَّة حداثة خبرة الملك فولك الأنجوي بالشرق الإسلامي ، ولم تكن خطورة المؤامرة فقط في الخروج عن طوع الملك فولك وتسيير الإمارة وَفق أهواء امرأة غير ناضجة كأليس ، ولكن كانت خطورتها في أسماء الأمراء الثلاثة الذين وافقوا على مؤامرة أليس ؛ فهم : جوسلين الثاني أمير الرها ، وبونز بن برترام أمير طرابلس ، إضافةً إلى وليم وهو أمير أحد حصون اللاذقية التابع إلى إمارة أنطاكية ، وهو حصن صهيون .

ووجه الخطورة أن هذه المؤامرة ستؤدِّي إلى إنشقاق كبير في الصفِّ الصليبي ؛ حيث تتعاون الإمارات الثلاث في قضية ضدَّ المملكة الرئيسية ، وهي مملكة بيت المقدس .

ولقد شعر بعض فرسان أنطاكية بالمؤامرة ، وراسلوا الملك فولك الأنجوي الذي جاء مسرعًا على رأس جيشه ليُحبط مؤامرة الأميرة المتهوِّرة ، إلاَّ أن بونز أمير طرابلس إعترض طريقه في لبنان ، ومنعه من إكمال المسيرة ، فحدث قتال بين جيش بيت المقدس وجيش طرابلس ، وهي المرَّة الأولى منذ نزول الجيوش الصليبية في أرض الشام وفلسطين التي يحدث فيها قتال بينهم ، وإضطرب الوضع جدًّا ، وإنسحب الملك فولك من أرض المعركة ، ولكنه إستطاع الوصول إلى أنطاكية عن طريق البحر من ميناء بيروت ، ودخلها بالفعل ، وأحبط المؤامرة ، لكنَّ بونز أسرع إلى أنطاكية ليحاول تثبيت دعائم الأميرة أليس ، إلاَّ أنه حدث قتال كبير بينه وبين الملك فولك انتهى بهزيمة كبيرة لأمير طرابلس ، وإستقرار الأوضاع في أنطاكية لصالح الملك فولك الذي وَضَعَ على أنطاكية أميرًا من طرفه هو رينو ماسوير Renaud Masoier , لقد كانت أزمةً كبيرة كان من الممكن أن تُستغلَّ لصالح المسلمين ، لولا أن المسلمين كانوا منشغلين بفتنتهم !

عاشرًا : لم تكن هذه هي الأزمة الوحيدة التي مرَّ بها الصليبيون ، بل كانت هناك أزمة أخرى لعلَّها أشدّ ، حيث حدث تصادم عسكري داخلي في مملكة بيت المقدس بين الملك فولك الأنجوي والأمير هيو الثاني أمير يافا .. وسبب الصدام هو إكتشاف الملك فولك الأنجوي أن زوجته الملكة ميلزاند بنت الملك بلدوين الثاني كانت تخونه مع الأمير الشابِّ هيو الثاني ! وكانت نتيجة الصدام بالطبع هو أسر الملك هيو الثاني ، وجرحه جراحة خطيرة ثم ترحيله إلى صقلية ، حيث مات هناك بعد قليل .

ومع أن الشرع النصراني يقضي بإمكانية أن يُطَلِّق الملك فولك الأنجوي زوجته لثبوت الخيانة الزوجيَّة عليها ، إلاَّ أن الملك فولك الأنجوي كان يعلم أن تطليقها يعني ذهاب المُلْكِ ؛ لأنه يحكم بيت المقدس إنتسابًا لبنت الملك الراحل بلدوين الثاني ، وعليه فحتَّى لو حُوكِمَت الملكة ميلزاند ، فإن الحكم سينتقل إلى إحدى أخواتها ، وبالتبعية إلى زوجها ؛ ومن هنا آثر الملك فولك الأنجوي أن يغضَّ الطرف ، وأن يأمر زوجته أن تستغفر لذنبها ! بل إنه بدأ يسترضيها بشكل مبالغ فيه ؛ لأنها أظهرت الغضب الشديد عليه لقتله عشيقها !

ومن هذه المبالغات التي فعلها الملك فولك الأنجوي أنه إضطر لموافقة الملكة ميلزاند على إعادة أختها الأميرة أليس إلى حكم أنطاكية بدلاً من الأمير رينو ماسوير ! وبهذا لم يتنازل الملك فولك الأنجوي عن كرامته فقط ، بل تنازل أيضًا في مسألة الأميرة أليس - والتي كان صارمًا جدًّا فيها قبل ذلك - عن أمن وسلامة أنطاكية حين وافق على إمارة الأميرة الطموحة أليس ، هذا بالإضافة طبعًا إلى تنازله تمامًا عن نخوته كرجل ، أو فطرته كإنسان !

إذن كان الوضع في أواخر سنة 526هـ يبشِّر بتصدُّع داخلي في الصفِّ الصليبي ، ولولا إنشغال المسلمين بأزماتهم الداخليَّة في العراق لكان الوضع مختلفًا تمامًا ، ولْيُدْرِك المسلمون الأثمان الباهظة التي تدفعها الأُمَّة نتيجة الفُرقة والتشتُّت .

أمَّا بالنسبة لبطلنا عماد الدين زنكي فقد إضطرَّ أن يمكث بجيشه في الموصل قرب الأحداث الساخنة في بغداد ، حيث إن هذه الأحداث من الممكن أن تُغَيِّر كل الأنظمة والأوضاع ، وإكتفى بمناوشات بسيطة مع الصليبيين عن طريق أمير حلب الأمير سوار ، وهو أمير من أمراء دمشق الذين هربوا منها سنة 524هـ ، فإستقطبه عماد الدين زنكي ، وأقطعه حلب وأعمالها ، وكان من المجاهدين الأشداء ، الذين أبلَوْا بلاءً حسنًا في منصبهم طيلة حياة عماد الدين زنكي .
 

الذين يشاهدون الموضوع الآن 0 ( الاعضاء: 0, الزوار: 0 )