- إنضم
- 5 أغسطس 2019
- المشاركات
- 132,621
- مستوى التفاعل
- 24,848
- النقاط
- 187
- الاوسمة
- 2
قصة جاسوسة
"في تلك الليلة فتحت الباب فوجدت حبيبها يشهر المسدس في وجهها".. التحقيق الكامل في قصة شولا كوهين: لؤلؤة الموساد التي أسقطتها المخابرات اللبنانية بشاب عشريني تظاهر بعشقها
صفحة احترام تعيد بناء القضية الكاملة لأخطر جاسوسة إسرائيلية في الشرق الأوسط.. كيف جندت نفسها بنفسها.. كيف أسست إمبراطورية الدعارة لابتزاز كبار الدولة.. وكيف أوقعها ضابط لبناني شاب في غرام مزيف لينهي أسطورتها
اسمها شولاميت ماعيير عذرا كوهين. ولدت في القدس عام 1917 لأسرة يهودية. كانت الطفلة الرابعة بين اثني عشر ابناً. في السادسة عشرة من عمرها تزوجت من تاجر لبناني يهودي ثري هو جوزيف كوهين، الذي كان يكبرها بعشرين عاماً.
انتقلت للعيش معه في حي وادي أبو جميل، قلب الحي اليهودي في بيروت. هناك أنجبت سبعة أطفال، وهناك أيضاً بدأت حياتها السرية.
هي لم تنتظر أن يجندها أحد. هي من بادرت. في مذكراتها كتبت أنها جلست أمام آلتها الكاتبة وكتبت رسالة من بضعة أسطر، قالت فيها: "اسمي شولاميت كوهين. أعيش في وادي أبو جميل ببيروت. أريد أن أساعدكم". أرسلتها إلى الوكالة اليهودية. هذا كل ما فعلته. وهذه الورقة الواحدة غيرت كل شيء.
في البداية كانت مجرد ربة منزل تستمع إلى التجار القادمين من الجنوب. كان زوجها يملك متجراً في سوق سرسق، وكان التجار يتحدثون عن التدريبات وعن الثوار وعن الحدود، وكانت هي تصغي. كانت ذكية، كانت جميلة، وكانت تعرف كيف تجعل الرجال يتحدثون أكثر مما ينبغي.
ثم توسعت وأسست صالوناً للفن والموسيقى في بيتها. كان الصالون قبلة كبار الساسة والضباط ورجال الأعمال. استعانت بفتيات جميلات لسلب الضيوف ألبابهم وأسرارهم.
وحين لم يعد الصالون كافياً توسعت أكثر. افتتحت بار "رامبو" في شارع الحمرا، ثم خمسة بيوت إضافية في مناطق مختلفة من بيروت، كلها تستخدم للغرض نفسه.
زودها الموساد بكاميرات سرية ثبتتها في غرف النوم. صورت كبار الموظفين والساسة مع العاملات لديها، ثم استخدمت هذه الصور لابتزازهم. لم يكن أحد يستطيع رفض طلبها. كانت تملك أسرار الجميع.
لكن مهمتها الأساسية كانت تهريب اليهود إلى فلسطين. كتبت في مذكراتها: "أذكر يوم رافقت عائلات من يهود سوريا لاجتياز الحدود. كنت حاملاً في الشهر السابع. سرت معهم لساعات. وحين وصلنا إلى رجال الموساد كانوا مدهوشين وهم ينظرون إلى بطني المتكور".
هربت أكثر من ألف يهودي. هربت طفليها هما أيضاً. قالت لزوجها إنهما في إجازة.
عام 1958 انتخب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية. قرر إنشاء "المكتب الثاني" في مخابرات الجيش.
بدأ رجاله العمل. وفي إحدى المرات طلب وزير المالية رشيد كرامي مساعدتهم في حل لغز اختفاء الطوابع المالية.
راقبوا موظفاً اسمه محمود عوض. وفي مراقبة هاتفه اعترضوا مكالمة بينه وبين سيدة. قال المحلل إن حديث السيدة "مميز" وإنها من الطبقة الراقية.
بعد أسبوعين من التحري اكتشفوا أن شولا ليست مجرد سيدة أعمال. الوزير سامي الخطيب، الذي كان مسؤولاً في مديرية الاستخبارات، قال لاحقاً: "هذه أول مرة نصطدم بالواقع الإسرائيلي جاثماً في أرضنا. المراسلات التي ضبطناها عند شولا مكنتنا من معرفة عدد كبير من المعلومات العسكرية عن ثكنات وأسلحة وضباط الجيش اللبناني".
عرف رجال المكتب الثاني شيئاً مهماً عن شولا. كانت تعاني من سآمة الحياة مع زوجها العجوز.
كانت في أوج جاذبيتها، وكانت وحيدة فماذا فعلوا؟ استأجروا شقة فوق شقتها وشقة في العمارة المقابلة، وراحوا يتنصتون على مدار الساعة، وبدأوا في بناء الفخ.
اختاروا لهذه المهمة ضابطاً شاباً اسمه ميلاد القارح، واسمه الحركي "سمعان".
كان في العشرين من عمره، قصير القامة، "ويتمتع بجاذبية ملفتة" كما وصفته المصادر، قدموه إليها على أنه أستاذ خصوصي.
اتفقت معه على إعطاء دروس لأطفالها. كان يأتي إلى بيتها كل أسبوع، لكنه بدل أن يركز على دفاتر الأطفال أولى عناية خاصة لمشاعر أمهم الجميلة.
تغزل بجمالها أصغى إليها، فهم وحدتها، وبالتدريج وصل إلى قلبها. منحته حبها، منحته ثقتها.
وبعد ذلك عرض عليها التعاون لصالح المخابرات الإسرائيلية قالت في مذكراتها إنها صدقته.
سهلت له لقاءات بضباط الموساد. سافرا معاً إلى روما وتل أبيب. في إحدى المرات ختم جواز سفرها في تل أبيب، وكان العودة بذات الجواز مستحيلة، فتحرك سمعان بسرعة.
اتصل بموظف في بيروت، وأصدر لها جوازاً بديلاً. لم تكن تعرف أن كل هذا كان يوثق، كان يسجل، كان يبني الملف الذي سيعدمها.
بعد أن سلبها سمعان كل أسرارها حانت اللحظة. كما كان يفعل دائماً أقامت شولا حفلة في بيتها في بيروت. كان سمعان أول الحضور.
كانت تنتظره، وكانت سعيدة برؤيته. وعندما فتحت الباب نظرت في عينيه، لكنها لم ترَ الحبيب، رأت المسدس. شهره في وجهها. في تلك اللحظة انهارت. أدركت أن حبيبها لم يكن سوى عدوها. أدركت أن كل شيء كان كذبة.
اقتادها رجال المكتب الثاني إلى المعتقل وهناك بدأ التحقيق. لكنها لم تتعب المحققين.
اعترفت بكل شيء. قالت لهم حرفياً، كما ينقل الوزير سامي الخطيب: "أنا شولا كوهين. مكلفة من الموساد الإسرائيلي بضبط ما أستطيع من الحركات السياسية والعسكرية والفلسطينية في الجبهة الشمالية"
كشفت لهم عن كل ما تملكه من أسرار. زودتهم بأسماء عملاء إسرائيل في لبنان. "الجاسوسة الحديدية" التي يسميها الموساد "اللؤلؤة" انهارت تماماً. ليس تحت التعذيب، بل تحت وطأة اكتشاف أن الرجل الذي أحبته كان يكذب عليها طوال الوقت.
حكم عليها بالإعدام شنقاً وخفف إلى عشرين سنة مع الأشغال الشاقة. وفي عام 1967 وبعد ست سنوات في السجن، أطلقت سراحها في صفقة تبادل أسرى.
استقبلت في إسرائيل بحفاوة. كرمت مراراً. وتحولت إلى أسطورة من أساطير الموساد. عاشت في القدس حتى توفيت عام 2017 عن مئة عام. ابنها إسحاق لفنون أصبح سفيراً لإسرائيل في القاهرة.
