في زحام الذكريات، وبين محطات العمر التي مررنا بها بثقةٍ عمياء أحيانًا، وترددٍ مؤلم أحيانًا أخرى، كثيرًا ما أتوقف أمام سؤال واحد يفرض حضوره بصمتٍ ثقيل: أين كان عقلي؟
أين كان حين منحت بعض الأشخاص أكثر مما يستحقون؟ وأين كان عندما فسّرت الصمت اهتمامًا، والوعود حقيقة، والإشارات العابرة يقينًا لا يقبل الشك؟ أين كان ذلك الصوت الحكيم الذي كان ينبغي أن ينبهني قبل أن أخوض طرقًا لم يكن في نهايتها سوى الخيبة؟
لكنني كلما أعدت النظر إلى الماضي أدركت أن الندم لا يغيّر شيئًا، وأن الإنسان لا ينضج إلا عبر ما يعيشه من تجارب، مهما كانت قاسية. فما أظنه اليوم خطأً كان بالأمس درسًا، وما أراه خسارة كان خطوة ضرورية لأصل إلى هذا القدر من الوعي.
لم أعد أعاتب قلبي لأنه أحب بصدق، ولا ألوم عقلي لأنه تأخر في اكتشاف الحقيقة، فلكل مرحلة من العمر حكمتها، ولكل انكسار رسالة خفية تعلّمنا كيف نحمي أنفسنا دون أن نفقد إنسانيتنا.
لقد دفعت ثمن بعض الدروس من راحتي، ومن ثقتي، ومن جزءٍ من أحلامي، لكن المقابل كان ثمينًا؛ فقد تعلمت أن أزن الأشخاص بالأفعال لا بالكلمات، وأن أمنح الثقة بتدرج، وأن أحتفظ بمسافة تحفظ لي كرامتي وسلامي الداخلي.
واليوم، حين يعود ذلك السؤال: أين كان عقلي؟ أبتسم بهدوء وأجيب: كان يتعلّم، وكان ينضج، وكان يصنع من أخطائي وعيًا جديدًا يجعلني أكثر قوة، وأكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على اختيار من يستحق البقاء في حياتي.
