إلى تلك النسخة منّي...إلى تلك التي كانت تخشى الخسارة فتتمسك بكل شيء، وتؤجل أحلامها خوفًا من المجهول، وتمنح الآخرين من قلبها أكثر مما تمنح نفسها... أكتب اليوم
أعتذر لقلبي عن كل مرة ظنّ أن التضحية المفرطة دليل حب، وعن كل باب طرقه رغم وضوح أنه لن يُفتح، وعن كل انتظارٍ استنزف عمره وهو يراهن على ما لا يستحق الرهان.
لقد اكتشفت متأخرة أن بعض الخسارات لم تكن خساراتٍ حقًا، بل كانت أبوابًا أغلقتها الحياة رحمةً بنا، وأن بعض النهايات التي أبكتنا طويلًا كانت بداية الطريق نحو أنفسنا.
تعلمت أن الكرامة لا تتعارض مع المحبة، وأن الرحيل أحيانًا شجاعة، وأن التمسك بما يؤذينا ليس وفاءً بل استنزافًا صامتًا للروح. تعلمت أن الإنسان لا يُقاس بعدد من بقوا حوله، بل بمقدار السلام الذي يشعر به وهو مع نفسه.
اليوم لا أحمل تجاه الماضي غضبًا ولا ندمًا، بل امتنانًا لكل تجربة عبرت حياتي، حتى تلك التي تركت ندوبها في القلب. فقد كانت الندوب دروسًا، وكانت الدروس نورًا، وكان النور طريقًا أعادني إلى نفسي.
لقد استعدت ذاتي قطعةً قطعة، وجمعت شتات روحي بعد كل انكسار، وأدركت أن قيمتي لا يمنحها أحد، وأن سعادتي لا يجب أن تكون رهينة حضور شخص أو غيابه.
أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر وعيًا، وأقل اندفاعًا خلف ما يلمع من بعيد. وصرت أؤمن أن أجمل علاقة يمكن للإنسان أن يبنيها هي علاقته بنفسه، فإذا صلحت تلك العلاقة، هان عليه كل ما فقد، وعرف أن بعض الأقدار لم تكن عقابًا، بل نجاة.
واليوم، إن نظرت إلى الوراء، فلن أعاتب تلك النسخة القديمة مني، بل سأبتسم لها بحنان وأقول: لقد أخطأتِ أحيانًا، وتألمتِ كثيرًا، لكنكِ أوصلتِني إلى المرأة التي أنا عليها الآن... أكثر قوة، وأكثر نضجًا، وأكثر تصالحًا مع الحياة.
