- إنضم
- 13 مايو 2024
- المشاركات
- 54,848
- مستوى التفاعل
- 42,153
- النقاط
- 1,410
- الاوسمة
- 1
- الإقامة
- فُي قٌلُِبَ آلُِحٍڪآية
هناك مواسم في العمر لا تشفينا فيها الأدوية، ولا تُرمّمنا الكلمات، ولا تنجح محاولات النسيان… ثم تأتي نسمة باردة من نافذةٍ مفتوحة، فتلامس شيئًا عميقًا في أرواحنا، وكأنها تعرف الطريق إلى موضعٍ لم تصل إليه يد الشفاء من قبل.
نتعافى حين يعود الشتاء؛ حين تطول الليالي، ويهدأ العالم قليلًا، ويصبح للصمت معنى آخر. نتعافى مع رائحة المطر الأولى حين تضرب الأرض العطشى، وكأن السماء تمنحها فرصة جديدة لتغسل تعبها. نتعافى برطوبة الهواء، وبصوت المطر وهو يطرق زجاج النوافذ، وبفنجان ساخن تحتضنه أيدينا، وبضباب الصباح الذي يموّه ملامح العالم ويمنحنا، ولو لساعات، مساحة نختبئ فيها من كل شيء.
الشتاء ليس فصلًا باردًا كما يظن البعض… الشتاء حضنٌ طويل.
هو عودة هادئة إلى الذات، إلى الكتب التي أهملناها، إلى البطانيات الدافئة، إلى الموسيقى، إلى النافذة التي نراقب منها المطر، وإلى تلك التفاصيل الصغيرة التي لا ننتبه لجمالها إلا حين تهدأ الحياة من حولنا.
في الشتاء نجد أعذارًا جميلة للهدوء؛ نجلس مع أنفسنا دون أن نشعر أننا نهرب من أحد، ونصمت دون أن نضطر إلى تفسير صمتنا، وربما نبكي قليلًا… لا لأننا ضعفاء، بل لأن بعض المشاعر لا تجد طريقها إلى الخروج إلا حين يصبح العالم أكثر هدوءًا.
الشتاء أناقة الروح حين تتخفف من ضجيجها، ورائحة المطر تذكّرنا بأن الأرض نفسها تعرف كيف تغسل أوجاعها، ثم تبدأ من جديد.
وربما لهذا ننتظر ديسمبر بشيء يشبه الشوق القديم؛ لأنه لا يأتي حاملًا المطر والبرد فقط، بل يحمل معه إيقاعًا يشبهنا، وهدوءًا افتقدناه، ودفئًا لا علاقة له بدرجة الحرارة.
ننتظره لأننا نريد أن نستعيد شيئًا منا…
شيئًا أضاعته شهورٌ طويلة من الركض والانشغال.
فمتى يا ديسمبر؟
متى تعود إلينا محمّلًا بالمطر، ورائحة الأرض، ودفء الكتب، وطول الليالي، وذلك السلام الذي لا يأتي إلا حين نشعر أننا أخيرًا عدنا إلى أنفسنا؟
التعديل الأخير:
