أمضيتُ أعوامًا أتساءل: أين أجدُ حنيّةً تشبه حنيّتي؟ وأيُّ قلبٍ سيحسُنُ الإصغاء إلى ارتجافِ قلبي كما أصغيتُ طويلًا لارتجافاتِ الآخرين؟
كنتُ أظنُّ أنَّ الحنانَ شيءٌ يعودُ إلى صاحبه يومًا، وأنَّ الأيدي التي تربّتُ على أوجاعِ الناس لا بدَّ أن تجدَ يدًا تربّتُ عليها حين يشتدُّ بها التعب. لكنّني اكتشفتُ متأخرًا أنَّ بعضَ الأرواحِ تُمْنَحُ دَوْرَ المواساة، وتُحْرَمُ من المواساةِ ذاتها.
كنتُ أجمعُ شتاتَ الآخرين كأنّني أخشى عليهم من السقوط، بينما كنتُ أتبعثرُ بصمتٍ لا يراه أحد. أحتوي انكساراتهم، وأُخفي انكساراتي، وأمنحهم من دفءِ روحي حتى صرتُ أشبهُ بشتاءٍ طويلٍ أرهقه الانتظار.
والأكثرُ وجعًا أنّ الحنيّةَ التي بحثتُ عنها لم تكن بعيدةً خلفَ البحارِ أو المسافات، بل كانت من المفترض أن تسكنَ أقربَ القلوبِ إليّ، أولئك الذين ظننتُهم المأوى إذا ضاقَ العالم. فإذا بهم يشحُّون بالدفءِ كما يشحُّ الصحراءُ بالمطر. فوجدتُ نفسي واقفًا في مهبِّ الريح، بلا ظلٍّ يحميني، ولا كتفٍ أسندُ عليها هذا العمرَ المثقلَ بالتعب.
كانوا يرونَ فيَّ شخصًا قادرًا على الاحتمال، بينما كنتُ في الحقيقةِ أتعثّرُ تحت ثقلِ ما أحمله. وكنتُ كلّما احتجتُ كلمةً رقيقة، وجدتُ المزيدَ من الكلماتِ التي تنتظرُ منّي أن أكونَ قويّاً، وكلّما احتجتُ صدرًا يتّسعُ لحزني، وجدتُ المزيدَ من الأحزانِ التي يُرادُ لي أن أحتويها.
ومع الوقت، لم يعد اليأسُ عاصفةً تعصفُ بي، بل صار سكونًا باردًا يستقرُّ في الأعماق. سكونُ من أدرك أنّ العالمَ لا يُجيدُ ردَّ الجميل، وأنّ القلوبَ التي تُعطي كثيرًا لا تنالُ دائمًا ما يشبهُ عطائها.
لهذا لم أعد أبحثُ كثيرًا. لا لأنّني وجدتُ ما افتقده، بل لأنّني تعبتُ من الانتظار. وصارت روحي، على نحوٍ غامض، تجلسُ إلى جوارِ نفسها كلّ مساء، تجمعُ ما تناثرَ منها، وتُضمّدُ ما عجزَ الآخرون عن رؤيته.
وحين أنظرُ اليوم إلى الطريقِ الذي عبرتُه، لا أشعرُ بالغضبِ من أحد، بل بخيبةٍ هادئةٍ تشبهُ غروبًا رماديًّا طويلًا. فقد تعلمتُ أنّ بعضَ الأبوابِ لا تُفتح، وبعضَ الأمنياتِ لا تأتي، وأنَّ المرءَ قد يقضي عمره يبحثُ عن حنيّةٍ تشبهُ حنيّته، ثم يكتشفُ في النهايةِ أنّ أكثرَ الأماكنِ رحمةً به كانت تلك الزاويةَ الصامتةَ التي بناها داخلَ نفسه، بعيدًا عن ضجيجِ الخذلان، وبعيدًا عن عالمٍ جعلَ القسوةَ أسهلَ من الحنان.
.
.
.
أنا لا أَبكي فُقدانَك، أنا أَبكي كَرامتي التي ماتَتْ بين يديك وشيّعتها بِنظرةٍ
مِن عينيك السّاخرتين.
أنتَ لا ترحمُ ضعفي، وتتلذّذُ برؤيتي عالقًا في مدارِك المُظلم، كالفراشةِ
التي تحترقُ بنورِ نارِك وهي تعلمُ أنّ النّهايةَ رماد. لقد بعتُ كلّ شمُوخي في سوقِ قسوتِك، ولم أحصدْ منك سوى خيبةٍ تجرحُ الرّوح، ونظرةٍ باردةٍ تقولُ
لي بكلّ قسوةٍ : "أنتَ لا شيء!"
