- إنضم
- 13 مايو 2024
- المشاركات
- 54,848
- مستوى التفاعل
- 42,127
- النقاط
- 1,410
- الاوسمة
- 1
- الإقامة
- فُي قٌلُِبَ آلُِحٍڪآية
ليست كل الأشياء الجميلة تُقال، ولا كل المشاعر تستطيع اللغة أن تمنحها اسماً. أحياناً نقف أمام جملةٍ نكتبها مراتٍ عديدة، ثم نمحوها؛ لأننا نشعر أن الكلمات، مهما ازدانت، ستظل أقلّ من ذلك الشعور الذي نحاول أن نضعه بينها. فهناك إحساسٌ لا يحتاج إلى شرح، ونظرةٌ تختصر حديثاً طويلاً، وصمتٌ يحمل من الاعترافات ما تعجز عنه صفحات كاملة.نحن لا نكتب دائماً لأن لدينا ما نقوله، بل نكتب أحياناً لأن في داخلنا شيئاً يطلب النجاة. نرتّب الحروف كما يرتّب الإنسان فوضى قلبه، ونمنح الجمل مشاعر لم نستطع أن نمنحها لأحد. نكتب عن الحنين ونحن نخبّئ أسماءه، وعن الخيبة دون أن نشير إلى أصحابها، وعن الاشتياق وكأننا نتحدث عن شيءٍ عابر، بينما في أعماقنا حكايةٌ كاملة لم تجد طريقها إلى النور.
والغريب أن الكلمات قد تقول الكثير، لكنها لا تستطيع دائماً أن تنقل درجة الإحساس. تستطيع أن تقول: أنا بخير، لكنها لا تستطيع أن تخبرك كم مرةً انهار صاحبها قبل أن ينطق بها. تستطيع أن تقول: اشتقت إليك، لكنها لا تخبرك عن الليالي التي ظل فيها ذلك الاشتياق مستيقظاً في القلب. وتستطيع أن تقول: سامحتك، لكنها لا تكشف عدد المرات التي عاد فيها الجرح إلى الذاكرة قبل أن يصل الإنسان إلى تلك المسامحة.
لهذا أؤمن أن أصدق الرسائل ليست دائماً تلك التي تمتلئ بالكلمات، بل تلك التي تترك في النفس شيئاً بعد انتهائها. قد تكون كلمةً واحدة قيلت في وقتها، أصدق من خطابٍ طويل قيل بعد فوات الأوان. وقد يكون صمت إنسانٍ بجوارك أكثر دفئاً من عشرات عبارات المواساة؛ لأن بعض الحضور لا يحتاج إلى حديث، وبعض القلوب تفهم بعضها من المسافة التي لا يراها الآخرون.
وفي الحياة، سنلتقي بأشخاصٍ يجيدون الحديث عن المشاعر، وآخرين لا يعرفون كيف يعبّرون عنها، لكن الفرق الحقيقي لا تصنعه البلاغة؛ تصنعه الأفعال الصغيرة التي لا يصفق لها أحد. أن يتذكرك شخصٌ في غيابك، أن يسأل عنك دون مناسبة، أن يلاحظ تغير نبرة صوتك، أن يمنحك مساحة حين يحتاج قلبك إلى الصمت، أو أن يبقى إلى جانبك دون أن يطالبك بتفسير كل ما يؤلمك… تلك أشياء لا تحتاج إلى قاموس.
فالكلمات قد تلامس العين، لكن الصدق هو الذي يصل إلى القلب. وربما لهذا تبقى بعض الجمل في ذاكرتنا سنواتٍ طويلة، لا لأنها كانت بليغة، بل لأنها قيلت من شخصٍ صدقناه، في لحظةٍ كنا نحتاج فيها إلى أن نشعر بأن أحداً يفهمنا حقاً.
وفي النهاية، ليست قيمة الكلام في جمال ما قيل، بل في مقدار ما كان صادقاً حين قيل. فهناك كلمات تُسمع بالأذن ثم تمضي، وهناك كلمات تعبر إلى مكانٍ أعمق… فتستقر في القلب، وتظل هناك حتى بعد أن يصمت صاحبها.
التعديل الأخير:
